احمد علي
ahmed.laarfi@outlook.com
Blog Contributor since:
15 July 2019

 More articles 


Arab Times Blogs
نحو تونس(1)! من أجل عين أبي

 

والدي دوما على حق بالنسبة لي دوما لكن اتناقش معه في كل الأمور بكل أريحية نقاش الأصدقاء والاخوة وأمازحه ويمازحني، علاقة الصداقة بيننا قديمة جدا منذ وعيت على هذه الدنيا، كنت دوما رفيقه وتربيت على يد أصدقائه ويقال ”صاحب بوك خير من صاحبك“، ورغم أنه دائما يحاول أن نجعلنا نعتمد على أنفسنا، الا انه بعض الأحيان وبدون طلب يسمع مني قصة وحين تكون له فرصة لحل المشكل يتدخل ويكلم علي. حتى بعد أن تجاوزت الأربعين كان لا يبخل علينا بشيء من عطائه ودعمه ولا ينسى مشاكلنا وفي ذات الوقت لا يطرق الأبواب من أجلنا انما مثل هكذا حلول تقع بالصدفة البحتة ليس الا.

من عادتي أن لا أرد على من هو دون المستوى رغم أني في بعض سنوات ما بعد فبراير أنزلقت لهذا مرات كثيرة. عموما الشعب الليبي كله انخرط في مهاترات وكأنه قطيع أصابه ”جنون البقر“ الا من رحم ربي. وحين رجعت أفكر، رجعت لعاداتي وهي عدم الانزلاق لمجارير ومطبات الاخرين اللهم قليلا جدا.

"من أجل عين أبي"!

ولدت لي إبنة في مطلع عام 2001، في عيادة إبن سينا التي كانت مخصصة لمستخدمي قطاع النفط. عانت من مشكلة صحية في قناتها الدمعية بحيث كانت تمتليء "قيحا" لأنها مغلقة، فتظطر والدتها لتنظيفها أكثر من مرة يوميا وذلك مؤلم جدا لها. جاء مجموعة أخصائيي عيون كبار من بلدان عدة ومصر في نهاية صيف 2001م لحضور مؤتمر علمي ببنغازي، فدعاني له كبير مصوري ذلك المؤتمر، وهو صديق عزيز يعرف بمشكلة إبنتي. إلتقيت زميلة لي بكلية الطب عرٌفتني على الاساتذة الكبار، وهي لازالت تتلمس طريقها في تخصص العيون أنذاك.

طلبت مني أن أحضرها اليهم في مستشفىى النهر لطب وجراحة العيون ، قدمت بصحبتي زوجتي التي هي دفعتها وصديقتها، عملوا لنا بعض الفحوصات وأبدوا عجزهم، ناصحيننا بالتوجه الى مصر او تونس. كنت أثق كثيرا بالعنصر الليبي، ففضلت أن أعرض إبنتي على الاخصائيين الليبيين، ونصح زملاء زوجتي بأن أزور الدكتور (فلان)، وكان شابا متفوقا جدا في مجاله.

من الاسم، خمنت أنه ممن إنتقلوا في زلزال المرج الى بنغازي، وبقوا فيها. زرته وزوجتي وإبنتي، وعرف أني من أصلاء منطقة المرج، فرحب بي كثيرا وقال لي انه مولود في المرج القديم. وعرف من خلال سؤالنا عن المولود أن زوجتي طبيبة كون أنه تحدث مع طبيب، سألها عن إسمها فعرفها، وقام بعد المعايدة بإرجاع ثمنها، وطلب أن تأتيه في مستشفى "النهر" ليجري لها عملية تنظيف دقيقة في قناة مجرى الدمع، مؤكدا أننا محظوظين وجئنا في الوقت المناسب، حيث كان هناك مؤتمرا علميا الأسبوع "الفارط"، استفادوا فيه من بعض التطورات، ولو حضرنا قبل اسبوعين لما أجرى لإبنتي العملية.

إتذكر أن العملية أجريت أول يوم بالاسبوع، على أن ننتظر يومين او ثلاثة فإن لم تتسرح القناة معناها فشل العملية، وحينها سيعطينا إسم أخصائي كبير في مصر لديه إمكانات أفضل ونسب النجاح أعلى بكثير. انتظرنا الى الثلاثاء ولا بوادر لنجاح العملية، إتصلت بالدكتور، اعطاني العنوان وتأسف كثيرا على المحاولة ”الفاشلة“.

الاربعاء اتصلت من مكتبي بإسكندرية، حيث توجد عيادة الدكتور، تحدثت للدكتور باستفاضة وعن المحاولة التي اُجريت فقال لي احضرها هنا "وإن شاء الله تروح مبسوط"، كلمت زوجتي وأخبرتها أن تستعد للسفر لمصر غدا الخميس مساءً، لتدخل الصغيرة العمليات يوم السبت حسب ما رتبت مبدئيا مع الدكتور.

كلمت صديق عزيز، مدير ادارة المبيعات طالبا حجزا غدا على الليبية مساءً، حجز وأعطاني رقم الحجز. الخميس صباحا، كنت عازما بعد المرور على الشركة أن اذهب للخطوط لشراء تذاكر السفر، بعد أن أمنا الاقامة لإبنتي الكبرى مع جديها لوالدتها، وهي اساسا تقضي ثلثي اليوم معهما.

دخلت مكتبي لقضاء بعض الامورمنها بالطبع مكالمة الدكتور للتأكيد على الموعد. فإذ بمكالمة خارجية من بيت اهل زوجتي اتلقاها، رفعت السماعة، كانت زوجتي قمة السعادة، اخبرتني ان أمور المولود عال العال وانها حين ارادت الضغط على القناة لاخرج ما بداخلها لم تجد شيئا، طلبت منها التروي والتأكد وإعادة المحاولة بعد ساعات وتخبرني. غيرت رأئي وانتظرت بمكتبي هذي السويعات الطوال إلى أن جائني هاتف اخر منها وهي اكثر سعادة، تؤكد لي أن العملية نجحت ولا داعي للسفر. كلمت الدكتور باسكندرية، واخبرته أنه لا يبدو هناك حاجة لقدومنا، ولكن إذا لم تستمر بالتحسن، حتما سأتصل به الاسبوع القادم لتحديد موعدا آخرا، فوافقني وأثنى على ذاك الدكتور الذي يعرفه.

إحتفظت بصداقة مع الدكتور بعد أن شفيت إبنتي، وفي العام 2007 كنت ملتزما بعقدي تدريس كمتعاون مع كلية الهندسة وأيضا قسم الكمبيوتر كلية العلوم اجدابيا، احدهما يوم تفرغت فيه مقابل التنازل على أجري من الشركة والاخر كان يوم سبت وهو عطلة رسمية لدينا بالشركة. آنذاك اتصل بي والدي شاكيا عينه التي لم يعد يرى بها جيدا، أخبرته في مكالمة لاحقة سريعة أن يحضر لي غدا مساءً، حيث حجزت له مع ذلك الدكتور.

أحضره أخي الضابط، وكانت عيادة الدكتور لا تبعد أكثر من نصف كم عن البيت. قلت لوالدي إنه إبن فلان من المرج قال اعرف ابيه حق المعرفة. دخلنا على الدكتور، وبعد أن قام الدكتور بفحصه بادره الوالد بعدة اسئلة ، بحسن نية، وحقيقة أن الاسئلة لم يتقبلها الدكتور حسب ما رأيت لسبب ما رغم كونها عادية جدا، فقد تغيرت الدنيا والطباع، لكنها اسئلة عادية بالنسبة لوالدي، كان سيسأل مثلها مع أي أحد.

خرج الدكتور مرتبكا غاب نحو ربع ساعة وعاد الينا وكنا وفدا مكونا مني وزوجتي وأخي الدكتور تخصص تخدير والذي بالمصادفة أصبح زميلا لذلك الدكتور لاحقا بعد فبراير. كنت دوما امازح أخي وأطلق عليه لقب "البناج".

عاد الدكتور وعليه علامات غضب، توجه لوالدي قائلا انت تعاني من إرتخاء في عصب العين وهذا لا علاج له ابدا، كل ما عليك فعله هو المحافظة قدر الامكان على عينك والمتابعة المستمرة. خرج بعدها مسرعا حتى دون أن يسلم علينا.

إنزعج والدي بشدة، أنزلناه الى شقتي، محاولين جهدنا إقناعه بان هذا مجرد رأي وسأخذه الى تونس مع نهاية العام الدراسي في شهر مايو لننظر في طلب اراء اخرى. لم يك مرتاحا ابدا وكان يردد كلمة "عين وحدة عين بلاش"، فهمت أنه يقصد أن العين الواحدة مثل "قلتها". قفلوا راجعين للمرج فورا رغم اننا كنا قد اعددنا لهم العشاء مسبقا.

كلمني في نهاية فبراير وأخبرني أنه لا يستطيع الانتظار الى شهر مايو وسيذهب هو وصديقه مع بداية مارس لتونس بالسيارة. قلت له لما الاستعجال ولما ترهقوا انفسكم في سفر بري طويل يفوق الف وسبعمائة كم. وطلبت منه الانتظار مرة اخرى فرفض.

بالنسبة للشركة لا مشكلة لي فيها مطلقا، خاصة ولدي رصيد كبير من الإجازات، لكن المشكلة تكمن في التعاونات، التي بالنسبة للهندسة هي مواد تخصصية في الفصل الخامس والسادس، اما الكمبيوتر فهي مادة اجبارية في فصل التخرج تركها دكتور بولندي فكلفوني بها.

كلمت رؤوسائي في الكليتين، وأخبرتهما أني قد أتغيب عن الحضور لمحاضرة ولربما تمتد لإثنتين، اي اسبوعين، فقالا لي لا مشكلة، خاصة وأنني متقدم في المنهج، وجاملاني قائلين إن كنت تريدنا أن نغطي عليك فسنفعل ذلك بكل ممنونية، شكرت لهما هذه "المجاملة" اللطيفة، إذ أني أعلم أنهما لن يستطيعا فعل ذلك حتى لو حظرت لهما المحاضرات، وهي كانت جاهزة فعلا وطلبت منهما تسليمها للطلبة ووضعت إعلانا بإالغاء المحاضرة الاسبوع المقبل.

إتصلت بشركة الطيران سائلا عن الرحلات لتونس، فاخبرت أنهم ثلاثة في الاسبوع لليبية ومثلها للتونسية بايام متفاوتة، سجلتها امامي، وكلمت الوالد، طلبت منه أن يجهز حقيبة ملابسه ونلتقي غدا مساءً في المطار قبل الرحلة الليليلية بساعتيتين.

غددددا غدا. ولما أنت مستعجل لهذا الحد. اجبته أنه هو المستعجل. أبي شخص منظم، حتى الانتقال من حي الى حي يخطط له وللطريق التي سيسلك وكم سيبقى هناك واشياء أخرى، وأعرف أن أي موعد سيفاصل عليه ولن يعجبه، فقررت "مفاجأته" بهذ الموعد الـ"أسرع من لمح العين". الرحلة موعدها الاثنين، موعد محاضرتي، وفعليا خططت للسفر يوم الخميس بعد أن حجزت له الاثنين الذي يليه في واحدة من أفضل مصحات العيون بتونس العاصمة.

وبعد مفاصلات أعطيته طوق النجاة، وسألته عن رأيه بالسفر الخميس المقبل. ”هه“ تنهد، الخميس ذلك أفضل بكثير. اعطيته موعد الوصول للمطار وسبقته وزوجتي التي احضرتها برفقتي لسببين، اولاهما لتساعدني في النقاشات الطبية والحلول وفعلا افادتنا اكثر مما نتصور، والثانية أننا طالما ذهبنا كنت أريدها إجازة ممتعة بعيدا عن المسئوليات والواجبات. هذه المرة تركنا الاطفال بعد أن اضحوا ثلاث بنات عند بيت أهلي، فقد توفي جدهم لامهم عام 2002 وجدتهم لأمهم عام 2005م.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز