عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
أولادكم سواء في تركتكم

  لا ريْب في أن أيّ متابع لمقالاتي هنا في "عرب تايمز" أو أي مستعرض لقائمتها في الأشهر الأخيرة، لا بدّ أن يلاحظ أن هناك عدداً غيرَ قليل منها قد تعرَض لمسألة واحدة وهي أنها تدور حول القول بأن حظ البنت في ميراث والدها أو والدتها يساوي حظّ الابن من كلّ الوجوه، وأن ذلك التساوي المتماثل هو الحكم الربانيُّ المستفاد يقيناً سديداً من قول الله تعالى: "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ".

حسناً، فلماذا كل هذا التطويل أو كل هذا التكرير؟

1-    إن القرآن الكريم لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد. وهذا مما ينطبق على الآية الحاديةَ عشرةَ من سورة النساء حيث ميزان العدالة الخالد "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ". والمسلم مدعوٌّ لتدبُّرِ آيات القرآن المجيد والتفكر فيها من كلّ جانبٍ يمكنه أن يشكل زاويةً تفتح إليها وِجهةَ نظر، فما منْ آيةٍ من آيات القرآن العزيز إلّا هيَ ماسةٌ درّيّةٌ متلألئة لا يحصي لها البصر منظراً ولا يحدُّ مظهراً، وما من آيةٍ إلّا هي متنزّهٌ خلّابٌ للعقول لا تغيض ولا تغيب مباهجه.

وإن هذا هو ما طبّقتُه في الآية الكريمة المشار إليها فوجدتُ نوافذَ ومداخلَ كثيرةً تفضي إلى أنّ ما توارثه المسلمون من جعل حظّ الذكر ضعفَ حظّ الأنثى ما هو إلّا تجنٍّ عظيمٌ على معنى "للذكرِ مثلُ حظّ الأنثييْنِ"، بل وتقضي بإنه كان جريمةً تخرّ منها الجبال هدّاً تُرتَكبُ باسم العدالة، بل وباسم الإعجازِ التشريعيّ.

2-     وقد أيقنتُ من اعتراضات ومناقشات معارفي أن الفهم الموروث المألوف الذي يسود المجتمع في مسألةٍ تمسُّ المصالح الماديّة وتلامس الجيوب هو فهم مقدّسٌ، وأن كلّ طرحٍ يخالفه هو إعلان للحرب ولو جاء به الأنبياء وحياً مؤيَّدينَ بالمعجزات. وهذا هوَ دأبُ الناس طُرّاً الذي حدّثنا عنه القرآن العزيز. فعلى قدرِ الانتفاع يكون الاقتناع، وكلُّ ما يحرِمُ من امتياز هو حرامٌ بامتياز.

صدقاً، كنت في سفرٍ "باصاً" فإذا أنا جالسٌ بجانب أحد معارفى، وأثناء تجاذبِنا أطرافَ الحديث عرّجَ يناقشُني في رأيي حول المساواة بين البنت والابن في الميراث من الوالديْن.

 والمعهود عندي من كلّ المناقشين، هو أنهم لا يفتحون النقاش فيما لا يوافق أهواءهم ليفهموا أو ليعلموا، وإنما هو استدراجٌ منهم ليجعلوه ذريعة يتسترون بها إلى إعلان الرفض والتخطيء والتجهيل مما هو مبيّتٌ في نيّاتهم سلفاً. وما أن أنهيتُ شرحي للمسألة على إيجاز حتى سارع حضرته للرفض والتخطيء فإذا بامرأتيْنِ أمامنا تزأران فيه زجراً: اسكتْ، فإنّ ما قاله صاحبُك هو عينُ الصواب.

فسكت؛ وإنّ للنساء الغاضبات للحقّ لسطوةً!

أجل، شكرتهما جزيلاً، وقلت في نفسي: الحمد لله الذي جعل لي من النساء أنصاراً، ونعم الجنسُ اللطيفُ نصيراً.

3-    ويجادل الذين رفضوا بأنه لو كان ما يذهب إليه "عطية" من المساواة في الميراث صحيحاً لَكان قد عرفه من قبلِه الصحابةُ والتابعون وأساطين اللغة وسلاطين الفقه!... أم كان الفهم الصحيح ينتظره وحده؟

4-    ويجادل الذين هضموا حقوق النساء "ونهبوها لهطاً وشفطاً" بالقول: لو أرادَ اللهُ تعالى أن يستويَ الابن والبنت في الميراث لَقال: ((أولادُكم سواءٌ في ما تركتم)).

5-    وفي نقاش ساخن لموضوع المساواة مع قريبٍ لي يثرثر كثيراً في الخلافة وسياسة السيافة، وتلك مطالب المقتاتين بالتمنيّات، قال في رفضه المطلق الباتّ: دعْكَ من هذا فإن اقتناع المسلمين به قد لا يحصل ولو جاءهم به اليومَ كلُّ الأنبياء!

وبشّرني أن خليفتَه المنتظر سيجعلني بالتعزيرِ جلداً أو شنقاً عبرةً للبشر نكالاً وعقاباً.

               وما نيلُ المطالبِ بالتمنّي    ...    ولكنْ تؤخذُ الدنيا غِلابا

وأخذ يسائلني وكأنه يستجهلني: أتظنّ أن ذلك الكويتيّ أو ذلك القطريّ سيقبل رأيك وهو عالمٌ أن حظّه من ميراث والده الملياردير سينقص مائة مليون دولار لو صدّق أدلّتك وطبّق المساواة؟ أيصدّقك الرجال بما يجعلهم خاسرينَ الملايين؟

أجل، أليسَت مثل مواقف هؤلاء مما يلزم معه ألف مقالٍ ومقالٌ ليس من أجل أن يقتنعوا بالمساواة في الميراث بأنها حكم الله تعالى المنزّل في كتابه المنير، وإنما من أجل أن يقبلوا بالمساواة بين الذكر والأنثى من حيث إنهما نفسٌ بشريّةٌ واحدةٌ؟

أما آن للظلمات أن تنجليَ، وللظلم أن يرتحل، ولمبررات التمييز أن تندثر؟

ومع الشكر الجزيل لأسرة "عرب تايمز" المحترمة على ما سلف من النشر لمقالاتي العديدة في أمر المساواة بين حظ البنات وحظّ البنين في تركةِ الآباء، فإن في الطريق فيضاً آخرَ مما يفيدُ معجِباً للمؤيّداتِ غائظاً للرافضين.

وإنّ من الجنس اللطيف لَما إنْ صحنَ زئيراً قهرْنَ ذوي "الشوارب" وجعلنَهم كالأرانب، فنعمتْ هؤلاء سنداً ونعمت هؤلاء ظهيراً.

"فأمّا الزبدُ فيذهبُ جُفاءً وأمّا ما ينفعُ الناسَ فيمكثُ في الأرضِ".







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز