بهيجة الرفيفي
bahijayahmad@gmail.com
Blog Contributor since:
24 October 2019



Arab Times Blogs
الومضة الخامسة : كوكب الكذب .

كلما اكتشف علماءالفضاء كوكبا أو كويكبا جديدا أو جسما فضائيا محلقا ذا أهمية في نظرهم ، كان عليهم تسميته تماما كما نسمي مواليدنا كي نناديهم بأسمائهم ، و إن كانوا في مختبرات الفضاء في غير حاجة لكي ينادوا على الكواكب بأسمائها و ليسوا في حاجة للإحتفال بعقيقتها و لكنهم حتما سيُقَطِعونها غيبة ونميمة في خضم دراستها و البحث فيها و تحليل معطياتها و من ثم توثيق وجودها مع بنكِ معلوماتٍ متكاملٍ عنها ، و هذا كله يقتضي أن يكون لكل كوكب إكتُشِف حديثا إسمٌ حتى يتم الحديث عليه في المختبرات باسمه فلا يلتبس أمره مع أمر غيره من الكواكب و الأجسام الفضائية .

 لماذا هذه المقدمة العصماء عن أسماء الكواكب ؟ لأنني كنت أريد أن أستشيركم في إسم جديد لكوكب الأرض غير الكوكب الأزرق ، نريد له إسم دلع جميل نغنوش على رأي إخوتنا المصريين ، يليق بجماله و يتغزل في مفاتنه ومحاسنه و جميلِ خصاله .. ما رأيكم في إسم : كوكب الكذب ؟ أراه أقرب ما يكون إلى وصف كوكبنا الظريف و قبل أن تثور ثائرة المعارضين لوجهة نظري ، المدافعين عن براءة و شهامة كوكب الأرض ، دعوني أبسُط لكم أسباب اختياري لهذا الإسم في بقية المقال :

لا أعتقد أن كوكبا آخر غير كوكبنا تشهد جنباته أكاذيب بعدد و بحجم الأكاذيب التي تعيش معنا و تزاحمنا على ظهر كوكبنا ، و طبعا هذا من صنيعنا نحن البشر و ليس للكوكب نفسهِ يدٌ في ذلك إلا أنه قضى اللهُ عليه بأن يحمل فوق ظهره كل هذا الكم من الأكاذيب و الكذابين و أن يتعايش معهم . إذ بلغ الأمر مبلغا جعل من الكذب جزء من كل مجالات الحياة لكنه في غالب الأحيان كذبٌ ( مكذوب عليه ) أو بالأحرى ( مكذوبٌ بشأنه ) أي أن أعظم أكاذيب هذا الزمان اخترع لها السياسيون و الإعلاميون و نخاسو الصحافة و أشباه المثقفين ، اخترعوا لها مسميات أخرى لتهوين الكذبة التي هي أساسا أهلٌ للتهويل ، و هكذا تجد الاعتداء على بيوت الفلسطينيين و ترويعهم يسمى استيطانا، و الاستعمار الغربي القائم حاليا في معظم دول إفريقيا السوداء يسمى حربا على التطرف ، و قتل أطفال اليمن يسمى حربا ضد الإرهاب ، و زواج المثليين يسمى حرية شخصية ، و الغناء الهابط و العهر المقنع يسمى فنا ، والإنحلال في الجامعات و المؤسسات يسمى تفتحا ، و السرقات الأدبية و الفكرية تسمى اقتباسا و استلهاما ، و إهانة الأقليات أو بعض الفئات الخاصة مثل السود و المسلمين و غيرهم تسمى حرية تعبير  ، ...............

الحقيقة الوحيدة الثابتة في زماننا هذا هي أن هنالك أحفادا كثراً لمسيلمة الكذاب يعيشون بيننا و هم خبراء متخصصون في صياغة و صناعة الكذبة و تلفيفها مثل منتج أنيق ثم وضع آليات تسويقها و صناعة أركان بقائها ومقومات استمرارها بشكلٍ يجعلها لابسةً ثوب الحقيقة ، متنكرة بصفة الحق الذي لا لُبس فيه . و طبعا بقدر ما أصبح من الوارد أن تطفو الحقيقة أحيانا على السطح بفضل فطنة المكذوب عليهم و بسبب مبالغة الكذابين في تسمين أكاذيبهم و الثقة في ذكائهم ، إلا أنه أصبح أيضا من المؤكد ارتفاع إمكانيات تسويق الأكاذيب و الترهات و شتى أنواع الافتراءات ، و الترويج لها و إيصالها إلى كل أصقاع الأرض بسرعة و بكفاءة ، بفضل جيوش الكذابين المأجورين الذين يتم تجنيدهم في كل وسائل الإعلام سواء التقليدية منها أو المستحدثة من قبيل السناب وتويتر و يوتيوب و غيرها .

و بالرغم من أن السنوات الأخيرة شهدت وعيا مشتركا عاما لدى معظم الناس بأن الكذب أصبح يُغرق حياتهم فصاروا يجاهدون للإنتباه معه أكثر إلا أن صناع الكذب أيضا ازدادوا ابتكارا ليتمكنوا من خداع فطنة الفَطِنين ، كما أنه من الصعب الإفلات من شباكهم و قد جعلوا الكذب جزء من كل مجالات الحياة الفردية و المجتمعية و المؤسسية ، بل إن الكذب صار جزء من استراتيجيات الدول : الضعيفةُ منها تكذب على شعوبها فقط ، ليس لحسن أخلاقها و لكن لمحدودية إمكانياتها في تصنيع و تسويق الكذبة ، فيم الدول القوية تكذب على الجميع .

و لنسرد أمثلة عن أنواع الكذب التي أصبحت تحاصرنا في كل اتجاه بدء بهذا النوع الأخير من الكذب ، دعنا نسمه الكذب الاستراتيجي ، طبعا هذا النوع من الافتراءات من اختصاص الدول و كبار القادة الذين يسيرون العالم والذين يصنعون المستقبل صناعة داخل مختبراتهم و مطابخهم و هم الذين يرسمون توجهات العالم كله ، وهذا النوع من الكذب كثير جدا (تجده في كل اتجاه و في كل بلد ) و كبير جدا ( لا يــُــــــتورع فيه عن أكاذيب عملاقة كأنها مأخوذة من أفلام هوليودية ) و ملتبس جدا ( تتداخل أموره و يتم تغذيتها بشكل متسلسل تصاعديا فالكذبة الرئيسية تحتاج لمجموعة من الكذيبات الفرعية لإكمال صورتها وحماية توازنها لهذا يضطر فريق الكذابين العاملين عليه إلى تحديثه بكذبات منتظمة باستمرار حتى ينتهي الأمر بالتباسه على الكذابين أنفسهم فلا يعرفون وهم الأفاقون صناعُ البهتان كميةَ التلفيق من نسبةِ الحقيقة إن وجدت ) .

 درجة التكتم على تفاصيل هذه الأكاذيب و على مساحة الحقيقي من المختلق فيها تكون عادة عالية جدا تحت ذريعة أسرار الدولة و الأمن القومي بالتالي لا سبيل لفضحها إلا أن يشاء الله ذلك على يد واحد مثل إدوارد سنودن أو جوليان أصانج ، هذا إن افترضنا أن كلاهما قصته حقيقية و ليست فيلما هنديا صُنع أيضا بموجب إحدى الأكاذيب الاستراتيجية ، فمع ميلي لتصديق الرجلين و احترامي لهما و لتجربتهما إلا أن الحقيقة الدامغة لا يعلمها إلا الله سبحانه .

من أشهر الأمثلة بخصوص كذب الدول الاستراتيجي : الأحداث الإرهابية عبر العالم ، إذ وحده الله تعالى يعلم الحقيقيَ منها ، مِنَ الذي كان جزء من مسرحية محبوكة أو أكذوبة استراتيجية ، و يكفي أن كلمة الإرهاب و مفهوم الإرهاب أصلا لم يكونا في قاموس الإنسانية على زمن آبائنا و أجدادنا ، مع أن القتل المجنون و العدوانية المجانية موجودتان منذ جريمة قابيل و هابيل . و يعلم الجميع حجم اللغط و التشكيك و الأدلة المناقضة التي ظهرت لمحاولة إثبات أن أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية كانت كذبة استراتيجية لكن الأكيدَ غيرَ المكذوبِ بشأنه أنه للأسف مات فيها الكثير من الأبرياء الذين ستظل دماؤهم إلى يوم الدين في ذمة كل من شارك في الأمر بيده أو بأكاذيبه . مؤخرا أيضا ارتفعت أصوات المشككين في مقتل البغدادي تماما كما ارتفعت عند مقتل بن لادن ، أحداث كبرى أثرت في العالم كله لا يستطيع أحد الجزم بصحتها أو بنسبة المختلق و المفتعل فيها . و حتى لا نصطف مع من يرون الأعداء في كل مكان و يفسرون كل شيء بنظرية المؤامرة و يحاربون طواحين الهواء على طريقة الدون كيشوت ديلامنشا ، دعنا لا نجزم بأن كل ما يروج حولنا من أحداث دولية استراتيجية هي أكاذيب ، لكن الأكيد أن هناك أحداثا تـُصنع صناعة لتحقيق أغراض و مصالح معينة ، و أن شعوب العالم و ربما حتى حكام العالم الثالث لا يعرفون عن الأحداث الفعلية و الحقائق السياسية إلا القليل مما أريدَ له أن يُقال أو أن يُعرف ، و هو ليس دائما واقع الحال .

بعد الكذب الاستراتيجي هناك الكذب السياسي ، وتجده في أقوال و أفعال معظم من يشتغلون في السياسة في كل دول العالم لكنه أكثر حدة في الدول المتخلفة حيث السياسيون هناك يؤمنون بأن مواطنيهم لهم من السذاجة و الحياء ما يكفي للقبول بكل أنواع الأكاذيب دون أن يمحصوا فيها عند افتضاح أمرها ، لهذا معظم السياسيين يُلقون الترهات بلا حدود أو قيود فذلك بعض من الكفاءات المطلوبة في صنعة السياسة : أن تكون في الصدق مُقَنَعاً و أن تكون في الكذب مُقْنِعا ، فالصدق ليس سوى قناع ، و الكذب ليس سوى وسيلةٍ الغايةُ منها الإقناع ، و لو أحصى كل منا عدد الأكاذيب التي تقال في الحملات الانتخابية و كمية الوعود التي يطلقها السياسيون و جبل الحقائق التي يـُـــــــــــزَورونها لوجدنا شيئا مهولا تئن الأرض من ثقله . و كم من كذبةِ فردٍ يُجند لها الجنود و يُحشد لها الأنصار فتصبح كذبة أمة ، و من ثم يمشي وراءها الملايين بعضهم أفاقون خراصون اخترعوا الكذبة ، و بعضهم حشود من الذين صدقوها فدافعوا عنها ، و البقية من أهل الغفلة الذين يمشون مع التيار لا يعرفون أصلا فيم مشيهم مع الجموع ، و إلى ماذا ينتهي مسار المشي .

أما الكذب الاقتصادي فهو سلة واسعة جدا من شتى أنواع الإفك و الإرجاف ، بعضه تفهمه و كثير منه يغيب عنك كنهه ، إنه شيئ مما يحدث أحيانا فتنهار بعض العملات أو تتهاوى بعض البورصات ، و هو أيضا شيئ مما يحدث بين الصين و أمريكا أو بين فرنسا و أمريكا حين غرمت الأولى شركات المعلوماتية الأمريكية ، فردت أمريكا بتغريم النبيذ و الجبن الفرنسي ، و لا تعلم من الظالم و من المظلوم و إن كان المستهلك عادة و غالبا هو أكبر المظلومين و أهم المكذوب عليهم ، إذا لا أعتقد أنه توجد في العالم لحد الآن سياسة تسويقية تتوخى الصدق بل إن التسويق كله أو جله يقوم على خداع الزبون و الكذب عليه لأخذ ماله و نادرا جدا ما يتم التسويق بنزاهة و شرف .

لو أخذنا مثلا أي مجال استهلاكي ، في التغذية لِنَقُل ، ستجد ملايين الكذبات تحوم حول ما نأكله و ما نشربه كل يوم ، و ستصدم بآلاف الحقائق المتناقضة التي أنفق عليها من أراد الترويج لها عبر أبواق مأجورة في الأنترنت ، كل منها يغني على ليلاه و ليلاه هي ربحه الشخصي ماديا و دعائيا و لو على حساب جيوب و سذاجة الملايين من الذين يصدقون ما يقدم لهم ، مضطرين إلى التصديق لكثرة التضارب في الآراء و المدارس . استهلاك حليب الأبقار مثلا ، هناك من يعتبره من أسباب المرض خاصة إذا كان الحليب قد جاء من بقرة شبعت من المضادات الحيوية و من الهرمونات التي أجبرت جسدها على إنتاج الحليب بشكل غير طبيعي ، و هناك من يـُــــسَوِق لحليب اللوز النباتي ربما لأنه يبيع منه ، أو لحليب الصوجا النباتي أيضا ربما لأن له يدا في تجارة حبوب الصوجا المعدلة وراثيا و الرائجة عالميا ، وطبعا هناك الأبرياء الذين ينصحون لوجه الله و لكن طغى رماد الكذب عليهم فلوث الصورة كلها .

و في ارتباط بالكذب الاستهلاكي تجد بحرا عريضا عميقا مِنَ الأكاذيب الطبية مِنْ حولنا ، أمراضٌ و أعراض و مقاربات علاجية تثور الشكوكُ حولها ، و مصالح كبيرة تتصارع فيها شركات الدواء العالمية لأجل أن تبيع أكثر فتحشو جيوبها من دماء المرضى و الموجوعين ، حتى إن بعض الأمراض المزمنة مثل السكري من النوع الثاني ، أو ارتفاع الكولسترول، أو الانسداد الجزئي للشرايين يمكن - في بعض الحالات -  علاجها غذائيا و طبيعيا دون مقاربة دوائية لا تخلو من آثار جانبية .

أما في مجال التجميل فالكذب و البهتان يمكن أن يجعل البقرة أرنبا و الخنزيرة ( زوجة الخنزير ) ظبية و لكن السؤال هو كم تعمر هذه الكذبة قبل أن تعود البقرة و الخنزيرة إلى أصليهما و ما هي الأثمنة المدفوعة من تحت الطاولة لأجل جمالٍ مؤقت و مهدد يمر عبر تنازلات كثيرة . غالبا و لكثرة المستفيدين من تجارة التجميل لا أحد يتطوع أن يقول للناس أن ابتسامة هوليود مثلا التي تكلف آلاف الدولارات ماديا ستكلف ثمنا باهظا معنويا فهي ورطة العمر لأنك ستفقد نهائيا خط الرجعة حيث سيتم برد و تصغير أسنانك الطبيعية حتى السليمة منها بحيث يستحيل بعدها أن تظل بلا تلبيس صناعي أي أنهم يشترون منك ولاءك و أسنانك للأبد . لا أحد يقول إن البوتوكس هو في الأصل سم زعاف و أن حوالي إثنان نانوجرام فقط لكل كيلوجرام عبر حقنة وريدية تقتل الشخص في ثوان معدودة، و أن دخوله للجسم و لو للتجميل قد يكون ذا أثر تراكمي بمعنى أنه قد يظل مخزنا في الجسم بأثر رجعي . لا أحد يقول أن الكيراتين و البروتين المستعملين للشعر ليسا علاجا له بل إنهما أسرع الوصفات لتخريبه خاصة مع ضرورة استعمال مكواة الشعر بحرارة تفوق مائتي درجة لتثبيت المنتج على الشعرة المسكينة التي تـُـــطهى في درجةِ حرارةٍ أعلى من حرارة فرن البيت ، و بعد ذلك يجبرونك على شراء شامبو و قناع خاصين باستعمال الكيراتين يباع كل منهما بسعر خيالي ، كل هذه الأرقام المرتفعة تشكل ذريعة محترمة للضحك على ذقون النساء بل على ذقون أزواجهن من خلالهن.

أما في مجال الإبداع فالكذب أيضا تجارة رابحة و مزدهرة ، فأنت تجد الكذب الفني في المسلسلات مثلا ، و الكذب الأدبي عبر السطو على مقالات و مؤلفات و أبحاث الغير و جريدة عرب تايمز خير مثال على ذلك فلطالما اعتبرها اللصوص المحترفون مكانا آمنا للسرقات و ذخرا غنيا و سخيا بالكنوز الصالحة للسرقة و يعجبني فيها أنها تفرد بابا خاصا لفضح السارقين و المسروقات بالأدلة و تواريخ النشر ، و لكن حتما لا يمكن لأي شرطي أن يقبض على كل لصوص العالم إذ لا بد أن هناك من فر بفعلته و بكذبته إلى أن يؤدي ثمنها غدا أمام الله و ما أقساه من ثمن وقتها.

 ثم هناك الكذب التاريخي في الأشرطة الوثائقية و في غيرها عبر مؤرخين مأجورين يشوهون الحقائق التاريخية و هم أحق بلقب شهود الزور على التاريخ بدل لقب المؤرخين . هناك أيضا كذب صحفيي المنابر الإخبارية ، المكتوبة و المسموعة و المرئية فما يصلك في نشرات الأخبار نزرٌ قليل من الحقائق و شلال من المبالغات و الترهات . هناك أيضا الكذب المجتمعي الذي يزخرف صورة الأفراد في عيون المجتمع ، كلٌ يريد أن يظهر أفضل من حقيقته و كل يجمل الحقائق من حوله ليعجَبَ الناس به . لو كان عندنا جميعا أنف بينوكيو الذي يطول عند كل كذبة من صاحبه ، لازدحمت الشوارع بأنوف أطول من النخيل الشاهق و لتناطحنا فيما بيننا بأنوفنا العاليةِ كأنها الأبراج ، و لو كان للكذب رائحة لكانت رائحة الكرة الأرضة منتنة عفنة بسبب أراجيفنا نحن البشر .

 أراني في منتصف الصفحة الرابعة من مقالاتي الطويلة كالعادة و لم أفرغ بعد من تعداد أصناف الكذب لهذا أرى أن نكتفي بما سردت من أصناف ، الأهم من التصنيف أن يشتغل كل منا على نفسه لنحارب هذا الوباء الجماعي، جرب بينك و بين نفسك أن تحسب كم مرة تكذب في اليوم ، في الشهر ، في السنة و لا تكن متساهلا مع نفسك و لا تترفق في العد و تذكر أن كذبة واحدة هي عناء نفسي أشق من الحقيقة و أن الكذبة الأولى تحتاج لكذبة ثانية تحميها بها ، و الثانية تجر الثالثة و هكذا يستمر الأمر تسلسليا كالتفاعل النووي إلى أن تنفجر الكذبة الكبرى في وجهك يوما. طبعا أنا أوصي نفسي قبلكم فأنا أذكر أن أولى أكاذيبي بدأت و أنا طفلة حيث كنت آخذ من أمي درهمين لشراء فطائر ساخنة ألتهمها في الطريق إلى المدرسة و أقول لها إن أستاذ الرياضيات هو من أخذ الدرهمين ليطبع لنا أوراقا بتمارين إضافية و ظلت الكذبة تنطلي على أمي حفظها الله سنة كاملة . و استمرت معي الكثير من الأكاذيب في مختلف مراحل حياتي حتى أعلنت مؤخرا على الكذب حربا لا هوادة فيها فصرت لا أستحي من أن أقول للناس إذا سألوني أمرا أكره البوح به : (أنا لا أريد أن أخبرك الحقيقة و لا أريد أن أكذب عليك لهذا لن أجيبك) . و أذكر قبل ذلك أني زعمت أمام زوجي مرة أن صديقه اتصل و ألغى الموعد بينهما بغية استبقائه في البيت ، و كان زوجي على وشك تصديقي لولا أن ابتسامة مكر على شفتي فضحتني فقال لي معاتبا و ساخرا ( لا يُروى عنك الحديث ) ، فسألته باستنكار : و هل تزوجتني و أنا أشتغل سكرتيرةً لأبي هريرة أو مديرةَ مكتب عمر بن الخطاب حتى تظن بي صدقَ واحدٍ منهما رضي الله عنهما ؟ بل لقد كنتُ حين تزوجتني أشتغل في مؤسسة معظم عملها يحوم حول الكذب. فكم من الناس حولنا في هذا الزمان لا يروى عنهم الحديث ؟؟؟؟؟؟ أغلبنا لا يستحق مرتبة الرواة و الصادقين .

 لقد ظلمت كوكب الأرض فهو لا يستحق إسم كوكب الكذب بل الأولى أن يسمى : كوكب الكذابين ، فالكذب منا و ليس منه ، و الأرض إنما ابتليت بنا نحن البشر  لتشهد على فظائعنا في الدنيا و الآخرة . أعانني الله و إياكم على الصدق و أكثر سبحانه من الصادقين بيننا ، و حفظنا الله من شر الكذب و الكذابين و جعل سبحانه كلامنا صدقاً و صدقةً جارية علينا بعد ذهابنا و ومضة نور تمكث في الأرض و تنفع الناس .

و إلى الومضة المقبلة بإذن الله







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز