نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا سوريا ليست عربية؟

يدّعي المستعربون، ومؤيدو الاحتلال العربي الإسلامي، لسوريا، وغيرها من دول المنطقة، ومن في حكمهم، وفي محاولة مفضوحة لتزوير وتزييف تاريخ المنطقة وطمس تراثها، بأن سوريا عربية، أباً عن جد، وكانت تسكنها قبائل عربية من فجر التاريخ، ثم استكمل الغزو العربي والإسلامي عملية التعريب وتصويب التاريخ وإعادة الحق إلى مستحقيه، هكذا.

وعلى رداءة وشناعة وقباحة وفظاعة هذا التجديف فإنه يحمل كمـّاً هائلاّ من الدجل و"التخبيص" والكذب والتزوير، بذات القدر مما يحمله من إرث ونقـّس عنصري فاشي، يدحضه أولاً وجود أسماء وألقاب مدن وقرى وأماكن باللغات الآرامية واليونانية والآشورية والسيريانية وغيرها، ومنها –أي اللغات- مما لازال محكياً حتى الآن، والأهم وجود طقوس ومناسبات، ونحن بصددها الآن، وأعياد ما زال يـُحتفى بهذا بسوريا رغم التاريخ الطويل من مرارة وفظاعة ودناءة وبشاعة الاحتلال الظلامي القرشي الغاشم البليد.

ويعود بعضها لآلاف السنوات للوراء، تحتفل بعض الشعوب والإثنيات والأعراق والمناطق السورية سنوياً، وفصلياً، وموسمياً ببعض الأعياد والمناسبات، وتحيي بعض الطقوس شبه المحرّمة والممنوعة رسمياً، عند نظام البعث، وعند من يحملون بدواخلهم بما تسمى بالثقافة العربية والإسلامية، وهي، ومن هذه الأعياد على سبيل الذكر: الغطاس، والبربارة، والقوزللي، والزهورية، والنيروز وسواها من المناسبات الشعبية غير المرتبطة بثقافة الغزاة المستمرة من 1400 عام.

هذه الأعياد لا يعرفها من يسمون بـ"العرب"، وهم جحافل القبائل وميليشيات الحفاة السباة الرعاة الجياع الذين زحفوا على سوريا واحتلوها بالثلث الأول من القرن السابع الميلادي، بل يحرمونها ويذهب بعض غلاتهم حد تكفير كل من يحتفل بها، وهذا دليل أنه كان هناك ثقافات حية، وشعوب وأمم ولغات غير ما تسمى بـ"العربية" التي أتت لاحقاً وادعت ملكية وحيازة هذه الأرض والشعوب.

 إن استمرار تلك الأعياد يؤكد، وبما لا يدع مجالاً لأي شك، بأن حملات التطهير الثقافي، واللغوي، وعلى اتساعية وشمولية وشراسة مدياتها وإرهابها لم تفلح في طمس تلكم الثقافات واللفات والطقوس التي بقيت رغم تتابع حملات التطهير ضدها، وبقاؤها ليس دليل تسامح "الغزاة" مع أصحابها كما يدّعون، بل بسبب تجذرها بالأرض وارتباطها الوجودي والعضوي بالسكان الأصليين المرتبطة بحياتهم أصلاً، وفلسفة عيشهم، ولأنه كانت تمارس أبشع أنواع الممارسات العنصرية بحقهم لإجبارهم على ترك ثقافتهم، إذ كانوا يوصمون بـ"أهل الذمة"، ويجبرون على دفع الجزية، وهي ضريبة دينة "خوة"، باهظة كانت تفرض عليهم مقابل الإبقاء على ثقافتهم وطقوسهم تلك، التي كانت تتعرض للسخرية، والهزء، والقمع، وتمارس بكثير من الأحيان بالخفاء، ووراء الستار خوفاً من جبروت الطاغوت الغازي المحتل، ولا شك بالمقابل، أن أولئك الآباء والأجداد كانوا على درجة عالية من الوفاء والشجاعة والبسالة والإخلاص إذ تحملوا كل الأعباء وكابدوا صنوف الإرهاب ولم يتخلوا عن ثقافتهم ولغتهم وممارستهم وحقهم بالحياة.

فما هو، إذن، سر هذه الأعياد والمناسبات التي لا تزال تقام، رغم فرض تعتيم فاشي غير أخلاقي وغير حيادي عليها، من قبل نظام البعث العروبي، ومن قبله أنظمة الخلافة والاستبداد الديني العربي الإسلامي المعروف بعنجهيته وصلفه وغروره وفاشيته ووقاحته التي لا تتسامح مع أي فكر وثقافة وتربط بين المعارضة السياسية والمعارضة الثقافية والفكرية والدينية والإلحاد؟  ومن أين تستحضر شعوب وأعراق وطوائف وقوميات سكانية تعيش اليوم في سوريا، حالياً، كل هذه الطقوس والمناسبات، الجماعية والجمعية المتوارثة، أباً عن جد، وجيلاً بعد جيل، لولا أنها كانت فعلاً قائمة وموجودة قبل الاحتلال الظلامي الباغي المشؤوم وتلتزم وتحرص على إحيائها رغم التعتيم الرسمي القائم عليها من قبل أنظمة وسلطات الاحتلال العربي الإسلامي؟

كل هذه دلائل حية وملموسة، على أنه كانت على هذه الأرض الطيبة شعوب أخرى، وثقافات، ولغات وأمم وحضارات كانت تعيش على هذه الأرض قبل أن يأتي عليها الجراد الصحراوي، وستبقى دائماً ما دانت الحياة ولن تفلح في اقتلاعها، ومعهما فعلت، سلطات البغي والطغيان والقمع والاحتلال.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز