خالد جواد شبيل
kalidjawadkalid@hotmail.com
Blog Contributor since:
26 June 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
فهد العسكر شاعر الاستلاب والبوح

لم اسمع بهذا الشاعر من قبل، إلا عن طريق مجلة العربي الكويتية، يوم كتبت عنه  الأستاذة سعدية مفرح (*) عام 2001 وقبلها ما كتب عنه بالمجلة ذاتها الأستاذان يعقوب السبيعي ومحمد عبد الله (**)  في مقالة مشتركة  عام 1992، فهو شاعر بارز بين عدد جد قليل ممن أنجبتهم الكويت من شعراء..

 هذا شاعر موهوب لكنه سيء الحظ، عاش ورحل في زمان ومكان غريبين عليه وهو غريب ومستلب فيهما..عاش في جدب موحش وفقر ثقافي، وفي مجتمع متخلف محافظ الى حد التزمت، مثقل بعادات وتقاليد بالية لا ترحم..وفي ظل هذه الظروف تفجرت شاعريته التي تنم عن ذكاء ثاقب وإحساس مرهف، وكانت شموعه في هذا الظلام الحالك هو ما يطالع من كتب نزرة ومجلات عربية تصدر في القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق  يتنسم فيها طعم الحرية ويتقوى بها في تمرده على المجتمع الذي يعيش فيه كياناً منفصلاً عنه وجداناً وشعورا، فتفجرت قريحته بشعر صادق هو مرآة نفسه الثائرة المتمردة الرافضة لعقد اجتماعي وأعراف لم يخترها وإنما فرضها عليه قدرٌ ضالٌ فرضا..هو لم يشهد من نعيم الكويت البترولي ولا من تجددها وتمدنها شيئاً بل شهد جحيمها في بلاد مصحرة مقفرة يغلب عليها طابع البداوة..

إذن؛ نحن أمام شاعر رائد من الكويت، وما أندر شعراء الكويت وما "أبخس" البضاعة حين تكون من شاعر ثائر متمرد لا يراعي عُرفاً ولا يعبه بتقاليد ثقيلة كأنها قيود رصاصية!

 ولد الشاعر فهد العسكر الظفيري في مدينة الكويت عام 1917 أو قبلها بعامين أوثلاثة لعائلة دينية محافظة،ربها يعمل إماماً لأحد المساجد ومعلّم لقراءة القرآن فيه، وتعلم الصبي فهد قراءة القرآن على يدي والده، ثم التحق بأحد الكتاتيب ليتعلم القراءة والكتابة، ويلتحق بالمدرسة الرسمية ويتخرج منها عام 1930وزاد عليها في المدرسة المباركية سنوات قليلة، وكان طفلاً شديد التدين، يصحبه والده للمسجد غدوّا ورواحا لأداء الصلوات..

ولما شبّ عن الطوق بدأ يجرب كتابة الشعر وبرز به في بلد لم يجد له فيه منافساً إثر ماتحصل عليه من خزين أدبي من مطالعاته النهمة.. وضاق بالكويت ذرعاً وضاقت به هي الأخرى أشد الضيق، فأرسل للملك السعودي عبد العزيز بن سعود عن طريق ممثله في الكويت قصيدة يمتدحه فيها، فدُعي الى الرياض ليُعيَن كاتباً في ديوان ابن الملك، محمد بن عبد العزيز في جنوب المملكة قرب اليمن، فضاقت السعودية على سعتها في عينيه، والتمس من الملك أن يعود من حيث أتى إلى الكويت، فأذن له!

وزار العراق وتحديداً البصرة يوم كانت ترفد الكويت بما يحتاج من مواد غذائية وماء وكذلك ما يصلها من كتب ومجلات شكلت غذاء فكرياً وروحياً وأذكت في خاطره الشعري شعلة  التمرد على كل ما هو سائد من قيم بالية، وثار على الدين ثورة عارمة .. تسببت له بعزلةٍ ونبذ اجتماعيّ من أقرب المقربين من أهله وعشيره و جل أصدقائه..فله في قصيدة "كفي الملام" وفي قسمها الوطني يفرغ فيها كل همّه في وطن اعتبره سجناً لابن البلد وفردوساً للغريب نقتطف منها ما يأتي:

وطني وما أقسى الحياة – به على الحر الأمينِ

وألذ بين ربوعه  -  من عيشة كأس المنون

قد كنتَ فردوس الدخيل – وجنة النذل الخؤون

لهفي على الأحرار فيك – وهم بأعماق السجون

ودموعهم مهج وأكباد – ترقرق في العيونِ

ماراع مثل الليث يؤسر – وابن آوى في العرين

والبلبل الغريد يهوي – والغراب على الغصون

 


وتتسم كباقي شعره في صدق التعبيرعن لوعة غربته في وطنه بلغة منسابة مكثفة وتصوير دقيق لأحاسيسه وأفكاره وحلمه بوطن غير هذا الذي يعيش فيه ولا يملك من حطامه غير الألم والمعاناة والعزلة والشكوى المريرة..

وعاقر الخمر وتمادى فيها الى حد الإدمان.. وطرد من بيت والديه، وأحرق والده كل ما وقع بين يديه من شعر ابنه متهماً أياه بالمروق والكفر وأنه خيّب آماله وأصبح مجلبة للعار.. ولم تعطف عليه سوى أمه الرؤوم الحنون.. التي خصها بقصيدة طافحة بالألم وهي عنوان شعره وأكثرها تعبيراً وأغزرها سرداً شعرياً مكثفاً بانسيابية صافية ونسج رقيق الحاشية، ولعل ما يثير الانتباه أنه لا يكتفي بمعاناته النفسية بل يصف مرض السل الذي يفتك به بأسى بالغ:

كَفّي المَلام وَعلّليني   -   فالشّكُ أودَى بِاليَقينِ
وَتَناهَبَتْ كَبِدي الشُّجون - فَمَنْ مُجيري مِنْ شُجوني
وَأمَضَّني الدَّاء العَياء فَمَنْ  مغيثي؟ مَنْ مُعيني؟

الله يا أمّاه فيَّ ترفّقي لا تعذليني

وتصل الشكوى ذروتها مصحوبة باستعطاف، مبرر حالته شارحاً مرضه لأمه التي بقيت معه ولا حول لها ولا قوة:

أَنا شاعر, أَنا بائِسْ - أنا مُسْتَهام, فاعذُرِيني
أَنا مِنْ حَنيني في جَحيم - آه مِنْ حَرِّ الحَنين
أنا تائِه في غَيْهَبِ - شَبَحِ الرَّدى فيه قَريني

وأنا السجين بعقر داري – فاسمعي شكوى السجين

ضاقت بي الدنيا دعيني – أندبِ الماضي دعيني

بهزال جسمي باصفراري- بالتجعد بالغضون

أي تناص هذا الذي يبدو بينه وبين الشاعرعلي الشرقي (1890- 1964) في البلبل السجين، حين يقول الشرقي:

وما بلد ضمني سجنه
ولكنه قفص البلبلِ
ترفُّ جناحاه لم يستطع
مطاراً فيفحص بالأرجلِ
لقد أقفلوا باب آماله
فحام على بابه المقفلِ

 وتستمر دوّامة المعاناة حتى في ذكره حبيبته ليلي حين يلوذ بها هي الأخرى بعد والدته مستعطفاً إياها ألا تهجره فلم يبق له أحد يبثه شكواه وبلغ التوسل والاستعطاف ذروته في التكرار البلاغي في "ليلى تعالي" أو حبيبته مضافاً لضمير الشاعر المتكلم "ليلاي" للتحبب والترجّي:

ليلى تعالي زوديني – قبل الممات وودعيني

ليلى تعالي واسمعي – وحي الضمير وحدثيني

ليلاي لا تتمنعي – رحماك بي لا تهجريني

ودعي العتاب إذا التقينا أو ففي رفق ولين

ويستغرق الشاعر في تفاصيل محنته مع الذين ناصبوه العداء وقذفوه بشتى التهم وشوهوا سمعته دون حق ودون وازع من ضمير، ويذكر التهم الباطلة من شذوذ  ومُجون وخلاعة ووتصل الى أعلى رتبة وهي التكفير، ويفند هذه التهم الباطلة ويرد كيدها على متهميه ويؤكد أنه أشرف منهم سجيّة وأنقى ضميرا.. ثم يختتمها بتضمين قرآني: لكم دينكم ولي ديني..

وهناك منهم من رماني – بالخلاعة والمُجون
وَتَطاولَ المُتَعصِّبون -







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز