عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
مع الصحيح في تفسير:

ما هو الصحيح في تفسير: "ولا يخاف عقباها"؟

جاء في سورة الشمس الكريمة:


{ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ } * { إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا } * { فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا } * {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا} * { وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا } (11-15)

فماذا عن فهم المفسرين للآية الأخيرة "ولا يخاف عقباها"؟

1-    ذهب المفسرون إلى أن الفعل المضارع "يخاف" هو من الخوف بمعنى: الخشية أو الرهبة أو الفزع من الشيء وتبعاته.

2-    وذهب المفسرون إلى أن "عقباها" مفعول به.

3-    ورأى هؤلاء المفسرون أن الفاعل هو ضمير الغائب المقدر بعد الفعل "يخاف"، والمقدر هنا هو: "هو".

4-    وجاء في التفاسير ثلاثة أحتمالات لعودة الضمير "هو" المقدر  بعد "يخاف":

أ‌-       فمنهم من جعله يعود إلى الاسم الشريف أي إلى لفظ الجلالة، أو إلى "ربهم".

ونسي أصحاب هذا الرأي الذي يرجحه الإمام الشوكاني في "فتح القدير"- نسوا أن الخوف بمعنى الخشية والرهبة هو مما لا يستقيم ولا يليق أن يُنسبَ إلى الله تعالى، ولا بحال من الأحوال، ولا تحت أي تأويل من التأويلات؛ فتعالى الله العزيز أن يكون خاشياً لشيء؛ فالكل خلقه وقبضته، ولا أمر إلا أمره، وهو عزيز جبّار متكبّر متعالٍ ذو انتقام.

ب‌-  وفريق اعتبر أن الضمير المقدر يعود إلى النبي صالح، عليه السلام.

ت‌-  وبعض منهم قد قال بعودة الضمير المقدر إلى عاقر الناقة، واسمه عند البعض هو: قُدار!

والذي أراه هو أن كل هذه الآراء قد جانبت الصحيح. فما هو الصحيح؟

الصحيح هو في الذهاب إلى أن الفعل "يخاف" ليس من الخوف بل إنه من الخفاء. وعلى هذا فإن معنى: "لا يخاف عقباها" هو: لا تخفى عاقبتها، أي إن عقباها مشاهدة منظورة، وليس مجرد خبرٍ عن مندثرٍ لا أثر له، أي إن تلك العاقبة ماثلة للعيون في آثار ماديّةٍ لها حيّزها في جغرافيا الأرض، أي هي قائمة كائنة في ذاكرة المكان، وليست من ذاكرة الزمان وحده.

أجل، بلا خوف ولا إخفاء ولا مواربة ولا انثناء، فإنه بهذا التفسير تكون كلمة "عقبى" هي الفاعل، وليست مفعولاً به.

فعاقبة ثمود وهم قوم صالح ليست خافية، وهؤلاء هم من الأقوام العربية، وقد سكنوا في منطقة الحِجر، التي تقع شمال غرب المدينة المنورة ضمن محافظة العلا، وتُسمى اليوم: مدائن صالح، ولا تزال بيوتهم قائمة وهي منحوتة في الصخر ولها هندسة وزينات تعجب الناظرين.

وليس غيرَ سديد وما هو غيرُ حميد أن نذهب إلى قراءة "يخاف" بالتاء لا بالياء أي هكذا: ((ولا تخاف عقباها)). وقد عامل القرآن الكريم كلمة عقبى مرةً بالتذكير: "ســلام عليكم بما صبرتم فــــــــــــــنعمَ عقبى الدار" (الرعد: 24)، ومرة بالتأنيث: "مثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (الرعد: 35)"

ومعنى ذلك أن عقبى ثمود، عاقبة قوم صالح، لا تخاف، أي لا تخفى، فالفعل "يخاف" هو من الخيفة بمعنى الخفاء "واذكرْ ربَّكَ تضرُّعاً وخيفةً ودون الجهر" (الأعراف: 205)؛ فالمقابل للجهر هو ما يخفى، أي إن الذكر الذي لا يكون جهراً أو دون الجهر أو تضرّعاً بصوت خاشع هو الذكر الخفيّ: "كهيعص. ذكرُ رحمة ربِّكَ عبْدَهُ زكريّا. إذ نادى ربَّهُ نداءً خفيّاً". والله سبحانه هو الذي يعلم الجهرَ وما يخفى.

ولا ننسى أن التضرع يعني الخشوع، وخشوع الذكر هو أن يكون قولاً بصوت خاشع أي بمستوى الهمس: "وخشعتِ الأصواتُ للرحمنِ فلا تسمعُ إلّا همساً" (طه: 108). ولا ننسى أيضاً أن العرب قد تقدم في الكلمة نفسها حرفاً على حرف فالخفية والخيفة هما من هذا القبيل.

 حسناً، إن الفعل المضارع "يخاف" في قول الله تعالى: "لا يخاف عقباها" هو من الخيفة التي بمعنى: الخفاء، لا من الخوف، أي إن عاقبتهم بالدمدمة المسوِّية ظاهرة غير خافية كان يمكن لمن عاصروا الرسول، عليه السلام، أن ينظروها؛ إذ إنها معروفة لقوم النبي محمدٍ، عليه السلام؛ فقرى ثمود المهلكة بالصيحة، والتي لم تُسكن من بعدهم إلا قليلاً، هي مما كان يمر بها القرشيون في رحلاتهم التجارية.

"قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ" (الأنعام: 11).

 وهل ينظر الناظرون إلى ما يخفى؟ وهل يبصر الناظرون عقبى خافية؟ وهل ترى العيون عاقبة تغشاها الخيفة ويلفُّها الخفاء والانستار والاندثار؟

لاءات ثلاث.

من كتاب "التفسير الغائب"- عطية زاهدة








تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز