نصار جرادة
palmal_2008@hotmail.com
Blog Contributor since:
13 September 2011

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
لنحاكم الحلاج من جديد

لنحاكم الحلاج - مسيح العالم الإسلامي بحسب المستشرق الفرنسي الكبير لويس ماسينيون - من جديد ، من خلال قراءة ثورية مغايرة لسيرته ولموروثه الفكري ، الديني ، السياسي والإنساني الفريد ، قراءة محايدة عادلة منصفة ، لا لندينه مجددا بالطبع - كما فعل في القرون الخوالي فقهاء الحنابلة المتكلسين أصحاب الآفاق الفكرية الضيقة والمصلحة والغرض ، الذين تواطؤا مع الاستبداد العباسي واسترقوا العالم الإسلامي بفقههم السطحي المريض ردحا من الزمن - فهذا مستحيل ولا يجوز وقد قضى الرجل وأفضى عند مليك عادل مقتدر لا يظلم عنده أحد ولا تضيع عنده الحقوق ، ولا لنبرأه فقط من كل تلك التهم الفظيعة اللامعقولة التي ألحقها به خصومه غيرالشرفاء المجرمون والتي لم يقم عليها أبدا دليل واضح كاف مقبول ، ولكن لنعيد له من خلال المحاكمة المتخيلة المفترضة اعتبارا يستحقه كناقد دقيق لأوضاع عصره وكثائر متقدم لا يخشى في الحق لومة لائم وكمصلح ديني واجتماعي كبير يستحق أن نقف له إجلالا واحتراما وأن نحني له الهامات بخشوع تام كلما لاحت بمخيلتنا ذكرى رحيله المؤلم الفريد والفذ كنموذج لافت للعشق الإلهي الخالص المقترن بالتضحية بالذات في سبيل العقيدة والمبدأ والموقف والحقيقة والغاية السامية ، ولنطلق بالمناسبة من موقعنا المتواضع والتزامنا الفكري الأكيد كخلف مثقف لرائد جليل مثله مطالبة بتدريس سيرته وموروثه الفكري العميق الصوفي والثوري والإنساني بعد تفكيكه وتبسيطه وشرحه للعوام كمقرر إلزامي بجرعات مناسبة لكل مرحلة في كل مدارس ومعاهد وكليات التعليم بالسجن العربي الواسع الكبير إن كنا حريصين حقا على الارتقاء من وهدتنا العميقة وعلى اللحاق يوما ما بركب البشر الحقيقيين ... !!
لنحاكم الحلاج ليحاكمنا بدوره من عليائه ، ليعرينا ويكشف سوآتنا ويفضح خبيئة موروثنا السياسي الجبري الدموي الآسن القذر العفن وموروثنا الفقهي الدنيوي اللاعقلاني الرخيص المزيف الهش وتحالف أقطاب كلا الموروثين النفعي الانتهازي اللامبدئي الذي تكرر وتوالد ونما وتكاتف كل عهد وكل حين بمسميات وبمبررات شتى على مدار تاريخنا المخزي كله ...!!
لنحاكم الحلاج اليوم ، بحيادية كاملة تامة ، وحدنا دون تدخل سخيف من أحد ، وحدنا كنخب مثقفة لم تنحز يوما سوى للحق والحقيقة المطلقة ، بعيدا جدا عن تلك الاصطفافات المذهبية المعتلة المثقلة بتخاريف الشيوخ وأساطيرهم وفهمهم السطحي المعوج للدين والحياة ومعنى الوجود ، وكذا بعيدا جدا عن تلك الأيادي المجرمة المضمخة بدماء الخلق المغايرين والمختلفين على اختلاف مذاهبهم وأديانهم ، وطبعا وبكل تأكيد بلا أدنى مشاركة من اللحى الغبية الجاهلة التي تعتمد تفسيرات فارغة لا منطقية جوفاء للنصوص المقدسة والتي تعبد الكرسي والإمارة وتقدس المصلحة والأمير صاحب الأعطيات ( الأمير الذي لا يذهب بالطبع للمرحاض ليقضي حاجته شأن كل البشر ) وترى في ذلك سر الوجود وغاية المنى ...!!
تلك اللحى الجاهلة الرخيصة التافهة المغرضة التي تناصر سرا وعلانية الخلافة الجبرية المستبدة المجرمة وتروج لعودتها البائسة على أنقاض ما تبقى من إنسانيتنا المسلوبة المهدورة والضائعة ، تلك اللحى المتخلفة الرجعية التي ترى الله على صورتها القميئة : أصغر من كائن بشري سويّ التكوين كما قال شاعرنا الكبير الراحل ونبي عصرنا محمود درويش ... !!
وبعد : وفقا للراجح تاريخيا فقد ولد الشهيد الحسين بن منصور الملقب بالحلاج في العام244) هـ) ببلدة البيضاء جنوب العراق لا ببيضاء فارس لأبوين عربيين في العصر العباسي الثاني وتحديدا في خلافة جعفر المتوكل على الله الذي حكم من عام (232هـ - 247هـ ) وعاش زهاء خمسة وستين عاما إلى أن قتل في العام (309هـ) في خلافة جعفر المقتدر بالله الذي حكم من عام (295هـ - 320هـ) ، وذلك يعني أنه عاصر خلال سني عمره القصير تسعة خلفاء لبني العباس لم يبارك الله أبدا في أعمارهم وقصفها قصفا لشدة جبروتهم وإجرامهم ، وقد يكون ذلك رحمة بالعباد والبلاد ، وهم على التوالي من الأقدم للأحدث : جعفر المتوكل على الله ومن ثم محمد المنتصر بالله ومن ثم أحمد المستعين بالله ومن ثم محمد المعتز بالله ومن ثم محمد المهتدي بالله ومن ثم أحمد المعتمد على الله ومن ثم أحمد المعتضد بالله ومن ثم على المكتفي بالله ومن ثم جعفر المقتدر بالله .
وعندما صار صبيا انتقل للبصرة قبيل وروده بغداد وهو في الثامنة عشرة من العمر وهناك تتلمذ على يد شيخه الكبير الجنيد البغدادي وشيوخ آخرين كبار للصوفية معاصرين له كسهل التستري وأبو الحسين النوري ، وهناك اصطدم في ذات الوقت بالمجتمع العباسي بكل أمراضه ، بدءا من العصبيات المذهبية والقبلية وصولا للترف والمجون والشذوذ ، وفي تلك اللحظات بالذات بدأت مأساة الحلاج تتكون وتتبلور وبدأت أفكاره تتجمع وخططه تتجلى ومساره يتضح ، وقد تفتقت مداركه وهو بعد فتى غر على اندلاع أول ثورة عمالية مسلحة في التاريخ الإسلامي بالبصرة وما جاورها بجنوب العراق ونعني ذلك ثورة الزنج التي استمرت قرابة خمسة عشر عاما من عام (255هـ -270هـ) وهم عبيد جلبوا من أفريقيا للعمل في مناجم الملح تحت أسوأ الظروف التي يمكن للإنسان أن يتخيلها وما كان من الدولة العباسية المجرمة إلا أن طاحت بهم سفكا وتقتيلا وأعدمت زعماءهم ، ولم يكن الزنج وحدهم من تعرض للاضطهاد والظلم من العباسيين بل البدو أيضا الذين أتوا إلى البصرة وبغداد في جماعات بحثا عن الطعام ، وقد كان موقف الحلاج من تلك الأحداث واضحا لا لبس فيه منذ البدء وكان يجاهر به دون وجل أو خوف على خلاف الصوفيين الآخرين الذين كانوا يفضلون العزلة والتعبد فقط ، وتجلى موقفه الثوري حينها بالاعتراض شفويا على الأوضاع القاسية التي يعانيها الزنج والبدو الذين أعجبوا بدفاعه عنهم وبتبنيه مطالبهم الإنسانية العادلة ، وقد قوبل موقفه المتقدم هذا بالرفض من السلطة وبالاتهام بالخيانة والزندقة والكفر .
ولعل أخطر ما تفوه به الحلاج وشاع بين العامة هو قوله : ( لن تقبل عبادة عابد في ظل حكم فاسد !! ) وهو ما جعل السلطة الفاسدة تنقم عليه أشد النقمة وتحول نقده للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الظالم ونشاطه المحموم في نشر الوعي لدى العوام والمهمشين والمقهورين إلى اتهام ديني بالكفر رغم انه لم يكن أبدا متمذهبا متعصبا أو صاحب عقيدة دينية خاصة ودليلنا على ذلك انه كان يدعو للعدالة والمساواة وإلى وحدة الأديان والمذاهب باعتبار أنها جميعا طريقا يؤدي إلى الله ، ولم يكتف الفجرة الظلمة بذلك فزعموا أنه يقول بالحلول ، حلول الله في روح المرء ، رغم أن الثابت والمؤكد عنه أنه قال : ( من ظن أن الإلهية تمتزج بالبشرية أو البشرية تمتزج بالإلهية فقد كفر ، فإن الله تفرد بذاته وصفاته عن الخلق وصفاتهم ، فلا يشبههم بوجه من الوجوه ولا يشبهونه بشيء من الأشياء ، وكيف يتصور الشبه بين القدم والمحدث ، ومن زعم أن البارئ في مكان أو على مكان أو متصل بمكان أو يتصور على الضمير أو يتخايل في الأوهام أو يدخل تحت الصفة والنعت فقد أشرك ) .
ولم يكن التكفير والزندقة وإدعاء قوله بالحلول والنبوة والإلوهية إلا تمهيدا ماكرا خبيثا لإيقاع ما هو أشد وأنكى من السجن بالرجل ، ونعني بذلك القتل والحرق والتمثيل ، وهو ما حصل فعلا فبعد أن أمضى الشهيد قرابة تسع سنوات في الحبس المتواصل الظالم اللامبرر أوعز الخليفة المجرم لوزيره الماكر الخبيث بجلد الشيخ الطاعن الوقور ألف جلدة ، وعندما لم يمت من الجلد الرهيب المتواصل وإمعانا في التشفي أوعز الوزير لزبانيته بقطع يديه ولما سال غزيرا دمه الطاهر الزكي أدى الشهيد حينها حركات تشبه حركات الوضوء ولما سئل عن ماهية ذلك قال : ( ركعتين في العشق لا يجوز وضوئهما إلا بالدم ) !! ، ولم يكتف المجرمون بما سبق فقاموا بقطع رجليه وجزوا رأسه وصلبوا جذعه على خشبة ، وعلقوا الرأس الشريف رفقة الأطراف على ناصية جسر مشرف ليراها الرائح والغادي ، إمعانا في إرهاب الخلق ، ومن ثم أحرقوا الجذع الطاهر المصلوب وذروا رماده بنهر دجلة ...!!!
ومن المفارقات العجيبة المضحكة المبكية في آن اتهام الشهيد ظلما بالتشيع وبالدعوة للقرامطة وبالسحر والشعوذة ، رغم أن الشيعة خصوم السلطة القائمة حينذاك قد وقفوا بكل قوتهم في ذلك الوقت ضد الرجل ودعوته لإقامة العدل داخل المجتمع ، فبدلا من أن يناصروه ناصبوه العداء لأنه كان ينازعهم الحضور السياسي ويستقطب الأنصار المؤيدين لأفكاره العظيمة المتقدة المتقدمة .
وتحتفظ لنا الوثائق التاريخية بمناجاة جميلة رائعة من الشهيد لخالقه تلفظ بها قبل صعود روحه إلى بارئها رغم آلام جسده المبرحة هذا نصها : ( يا رب نحن بشواهدك نلوذ وبسنا عرشك نستضيء ، لتبدي لنا ما شئت من شأنك ، وأنت الذي في السماء عرشك ، وأنت الذي في السماء إله ، وفي الأرض إله ، تجلى كما تشاء ، مثل تجليك في صورتك على أحسن صورة ، والصورة هي الروح الذي أفردته بالبيان قدرة ، وهؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصبا لدينك وتقربا إليك ، فاغفر لهم ، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي ما فعلوا ، وإنك لو سترت عني ما سترت عنهم ما لقيت ما لقيت ، فلك التقدير فيما تفعل ولك التقدير فيما تريد )
كما يحتفظ لنا ديوانه بشعر جميل رقيق في العشق الإلهي لعل أعذبه القصيدة التي لحنها وغناها بشجن كربلائي عظيم الفنان الكبير كاظم الساهر والتي جاء فيها :
والله ما طلعت شمسٌ ولا غربت إلا وحبّـك مقـرون بأنفاسـي
ولا خلوتُ إلى قوم أحدّثهــم إلا وأنت حديثي بين جلاســي
ولا ذكرتك محزوناً ولا فَرِحا إلا وأنت بقلبي بين وسواســـي
ولا هممت بشرب الماء من عطش إلا رَأَيْتُ خيالاً منك في الكـــأس
ولو قدرتُ على الإتيان جئتـُكم سعياً على الوجه أو مشياً على الرأس
ويا فتى الحيّ إن غّنيت لي طربا فغّنـني وأسفا من قلبك القاســـي
ما لي وللناس كم يلحونني سفها ديني لنفسي ودين الناس للنـــاس .








تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز