بهيجة الرفيفي
bahijayahmad@gmail.com
Blog Contributor since:
24 October 2019



Arab Times Blogs
بين بابا أحمد و بابا نويل : مسافة بوسع الكون

أظلم بابا أحمد رحمه الله حين أقرن اسمه ببابا نويل  لكن إن هي إلا فكرة طافت بالذهن فوشى بها القلم ..  فقد قرفت من لحية السيد نويل البيضاء وبطنه المترهلة وثيابه التي تشبه قميص النوم و ابتسامته الماكرة إذ أصبحت صورته هذه الأيام في كل مكان ، تصر على أن يكون دخول سنة عشرين عشرين مقرونا بحضوره وبزيفه و نفاقه ..  لهذا خمرتني فكرة المقارنة رغم أن المسافة بين بابا أحمد و بابا نويل هي مسافة خيالية بوسع الكون كله .. 

فبابا نويل رمز كذبة عالمية يضحك بها المكرة و النصابون على ذقون السذج و على براءة الأطفال  .. و بابا أحمد كان رجل صدق لم أره في حياته إلا صادقا أو صامتا .

السيد نويل يعد الأطفال زورا بتحقيق الأمنيات  و السيد أحمد كان يجلس بعين دامعة أمام القبلة يسأل من بيده مقاليد السماوات و الأرض و الحياة و الموت ان يحقق الأمنيات و يجيب الدعوات ..

بابا نويل يطير في الجو و تركض به عربة تجرها الغزلان  .. و بابا أحمد كان ابن رجل متواضع الحال يتنقل بين البوادي عبر عربة تجرها الدواب يبيع و يشتري و يتاجر بما يرضي الله ثم يطير إلى أهله جذلا فرحا بقوت اليوم الحلال الذي سيدخل بطون أبنائه هذه الليلة من كده و تعبه ..

بابا نويل يأتي بالهدايا التي اشتراها الأهل أنفسهم فهو حامل الأختام الذي يُنسَب إليه الشرف الرفيع و الكرم الحاتمي و هو منه براء .. و بابا أحمد كان رجلا يطوف في ليالي الشتاء الباردة على أسِرَة أولاده فإذا وجد ان أحدهم يتنعم متدثرا بدفئ بطانيتين .. سحب منه واحدة ثم داعبه و قبله حتى يغافله فإذا نام الصغير .. خرج الأب بالبطاطين التي انتقصها من ظهور أولاده  ليغطي بها المتشردين و هو في طريقه لصلاة الفجر ..  ثم عائدا اشترى ما تيسر له من قطع الخبز الساخنة و حساء الفول المغلي فيدس بعض الطعام الساخن بجانب النائمين الذين غطى ظهورهم قبل قليل فإن استفاق أحدهم على رائحة الطعام جر السيد أحمد من رقبته ليقبله و يتمرغ بوجهه المملوء بقاذورات النوم في الشارع على رقبة الرجل الذي عاد للتو من طهارة صلاة الفجر  ، لكنه لم يكن يأنف هذه الضمات و القبلات أو يستكبر عليها بل كان يسعد بها فيضم أصحابها و يضاحكهم و ربما أكل معهم و تجاذب أطراف حديثٍ يقطر حكمة مع المجاذيب و المجانين و المشردين .

بابا نويل لا يموت لأنه كذبة متجددة و كل من أراد الانخراط فيها تنكر في الزي الأحمر و األصق اللحية البيضاء  .. لكن بابا أحمد توفاه الله منذ عشر سنوات و لا أحد استطاع أن يغني غناءه من بعده أو أن يملأ فراغه من بعد رحيله .. ترحموا عليه يرحمكم الله فهو لم يكن رجلا غنيا مشهورا لكنه كان رجلا فاضلا طيبا محبوبا .. و كان أيضا رجلا عظيما عاش عفيفا مخلصا خلوقا و مات كذلك و ربى أبناءه من بعده على ذلك  ..

بابا أحمد  لم يكن أبي وحدي بل في بيت كل واحد منكم يوجد أب عظيم مثل بابا أحمد فتبا لبابا نويل الذي صار نجما على حساب آبائنا  .. رحم الله ميتهم و حفظ الله من هو منهم حي يرزق

كانت هذه شعلة استثنائية و لم تكن مجرد ومضة .. و لنا بحول الله و قوته عودة للومضات في السنة المقبلة







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز