احمد علي
ahmed.laarfi@outlook.com
Blog Contributor since:
15 July 2019



Arab Times Blogs
دون ان يحضر مهرجان 7 ابريل، تخرج صديقي من الجامعة


  في فترة سابقة، أتذكر كلمات صديقي عن وصايا والده العشرة ووصايا عمه العشرين ووصايا كل المعارف، عندما نُسِبَ للجامعة. شددوا عليه أنْ لا يكثر الاختلاط بالطلبة، أنْ لا يكون لديه صديق-أي أنا-، أنْ لا يتحدثْ عن أي شيء ومع أي كان. لا تثق، لا تتحدث، لا تصاحب، تلكم كانت هي الوصايا الرئيسة. أخبَرَني كيف أنَه سمع لأول مرة قولا يبدو انه كان مشهورا، وهو " أن للجدران أذان". لم يك صديقي ولا أنا وقتها عرفنا ما الأمن وما الإجراءات الأمنية، ولا كيف يكون للجدران أذان و هي حوائط صماء لا تسمع و لا تتكلم. و بفرض أنها سمعت و كان لها أذان لا نراها فكيف تقدر على فعل الكلام والوشاية وهي ليس لديها شفتين تنبس بهما ببنت كلمة. و لنفرض أن لديها أذنين و حتى يدين مثلنا و مثل  أخواننا –سامحهم الله-كتبة التقارير الكيدية من بعض منتسبي اللجان الثورية أو أعضاء الأجهزة الأمنية فلا اعتقد أنها ستكون بمثل "وساخة" هذا البعض و ترضى أن تجعل من جثث الأبرياء سلالم ترتقيها نحو المجد و المنعة. سلحوا صديقي حسب ما قال بكل هذا الكم من النصائح والإرشادات و أطلقوه لعالمه الجديد خائفين عليه–خاصة والده و العم قبلما تتغير القلوب و تتبدل الأفئدة وسبحان مقلب القلوب- وفي نفس الوقت اخبروه بأنه سيشهد إعدامات كل سبعة ابريل، وسيكون هناك رقيب عتيد يرصد سكناته و يسجل اسمه إن لم يهتف و يقول "أهم أهممممممممممممم الثوريين اهممممم" بتشديد على حرف الميم، حيث حددوا له حتى من يقود جوقة " الهتافين" حينها واخبروه أنه واحد لابس "بالطو" عسكري أمريكي اخضر زيتوني، وله صوت عنيف كعنفه الثوري فان عجز أو خانه صوته أو بح يتدخل واحد أخر أو واحدة  يقف بقربه و يمسك "لاقط الصوت" بلغتهم و يغير "لازمة الهتاف" إلى "نحنا جيل بناه معمر... و اللي يعادينا يدمر"، وهنا أتوقف، فطالما هو جيل بناه معمر إذا فقد نهل من معين فكره الذي خلاصته الكتاب الأخضر، و قد قلبت الكتاب الأخضر فصلا، فصلا حتى اقتربت من حفظه عن ظهر قلب، فلم أجد في فكر (معمر) ما يدعو للعنف، أو الدعوة لتدمير الآخرين، بل إني لم افهم تأويلا واحدا لمقولة على أنها تقسم المجتمع الليبي إلى عدة أحزاب معاد بعضها للبعض الأخر، و بعض فقط سيكون هو من يدمر الآخرين، الكتاب الأخضر الذي ازعم أنهم لم يقرؤوه وان قراؤه لم يفهموه وان فهموه لم يطبقوه، وان طبقوه أساءوا تطبيقه و حرفوه بعيدا جدا عن معانيه، هذا الكتاب الذي هو خلاصة فكر معمر لم يدعو مطلقا للتحزب و تخوين الآخرين، و اتهامهم بالعداء له ومن ثم تدميرهم، بل نبذ الحزبية، و اعتبر أن المجتمع وحدة عضوية واحدة لا ينبغي أن تنسلخ عن بعضها البعض*. على كل، كنت وصديقي   نتغيب كل سبعة ابريل. عن نفسي أنام و لا أشاهد مثل هكذا "حفلات" إعدام مزعومة أو اسمع عنها مطلقا. و كان الإخوة الثوريين لطفاء جدا معنا فيوفروا لنا أوراق حضور منتدياتهم و ملتقياتهم(التي كانت شرط أساسي لاستمرارنا بالدراسة في ذاك الفصل وغيره) و نحن لم نحضر في ذلك الأسبوع، لا لشيء، إلا لأننااعتبرناها مناسبة جميلة للنوم. اعتبرناها عيد للنوم و الكسل، و الابتعاد قليلا عن أجواء أساتذتنا الثوريين المبهورين بالغرب، فتراهم يحدثونا بشيء من المبالغة عن النظام و النظافة عند الغربيين و في الغرب، أكثر من حديثهم في موضوع المحاضرة الذي لو لم يتخلله تلكم الحكايات لانتهت المحاضرة قبل أن تبدءا. حقيقة لم يك الزملاء الثوريون سيئين أو مرعبين كما اخبرنا الآخرين. فقط كانوا يحبون الهتاف و بعنف و يقيموا له حفلات و مناسبات كما قال والد صديقي"الخائف دائما على أبنائه".اكتشفنا متأخرا أن حكاية الجدران هذه من الإسرائيليات

 دخل صديقي الجامعة، و صادق و كانت أحسن صداقاته من الجامعة، وكذلك أنا، وتحدث أمام كل جدران الجامعة بل و أنه تشجع ذات مرة وتحدث أمام جدار لمكتب مهم من مكاتب المثابة ليتأكد أنها صماء(الجدران) لا تسمع و فوق هذا هي طيبة جدا، و مسالمة و متسامحة حتى إنها لا تتضايق من ثقل وزن "المتكئين عليها" من الجنسين. وثق في أصدقاء له، بعضهم من اللجان الثورية و كان لهم سلاح حتى! و تخرج!!! لم يحصل له شيء اللهم إلا حادث-بعد أن تخرج- كاد أن يودي بحياته لم يك بسبب وشاية من جدار أو خيانة من صديق، كان بفعل السيدين "قضاء و قدر". 

 وئد الحلم

 و لأننا لسنا بثوريين (مسجلين بالمثابات) لم نحصل بسهولة على عمل بل أن بعض الأعمال قبلت فيها، أو قبل فيها هو كانت تحتاج لتزكيات و عضوية، قبلت في عمل بشرط العضوية و التزكية وبحثت عن صديق حبيب ثوري كان أمين المثابة، فما وجدته إلا "جنتلمان" قيدني بعد التخرج بسجل لهم و أعطاني رقما و تزكية (و أنت خير من زكاها"الله طبعا") لكن مكتب الاتصال لم يرد، و عدم الرد معناه عدم القبول و عدم القبول معناه عدم مباشرة العمل و عدم مباشرة العمل يعني أن نضع "الأحلام" أو الأوهام في "الفريزر". رضينا بالأعمال العادية التي تتاح لأبناء طبقات الشعب التي لا تُزكى عند مكتب الاتصال. و عدم  تزكيتي للمكتب أو منه ليس بالضرورة يعني أني لم أك املك واسطة، فما أكثر الوساطات المتاحة، فمن كل قبيلة أو عشيرة أو عائلة في ليبيا أو حارة أو شارع أو زقاق إلا و بها أفراد منتميون لحركة اللجان الثورية أو آخرون مصعدون وآخرون مرشد بهم من مكتب الاتصال، حتى صديقنا التنجانيقي !! كان عضوا و هو أقل من الزقاق، و كان يمكن أن يتوسط لنا. كنت و صديقي نستطيع تدبير الواسطة المطلوبة أيا كان حجمها و ثقلها و لأي من المستويات المحددة، لكن برغم بساطتنا، إلا أن نظرية تشبه كثيرا نظرية الفيلسوف فيثاغورث كانت تسيطر علينا. لماذا الوساطات، خاصة و نحن في وطننا، إنْ سلكنا هذا الطريق سنكون كمن يمارس فعلا فاضحا أو لربما محرما في الطريق العام، لنقل مثلا يسرق، يعتدي على ما ليس له فيه حق، ما هو حق للآخرين، نعم إنها بساطة التي هي أختٌ للسذاجة التي هي بنت عم للبلاهة. ما تأثرنا كثيرا لفقداننا الفرصة "الحلم"   بل تكيف كل منا مع عمله الجديد و حاول أن يكون ماهرا فيه، و اكتشفنا لاحقا أن المهارة لن تشفع لصاحبها أبدا، لكن يبدو إنا نكتشف الأشياء متأخرا جدا بعدما يكون الآخرين قد ذرعوها ذهابا و جيئةً.  لازلنا مع "المستر" فيثاغورث، نستكشف كلمات نظريته الـ"ليست كثيرة" في الرياضيات فاقتنعنا (بالـ "أما"ت التالية)، أن تكون متميزا في المجتمع فتنظم لقافلة اللجان الثورية و يصبح لك –شنة و رنة- و لا ترضى بأقل من مدير، أو أن ترضى بأن تكون مواطنا عاديا تذهب في الصباح للعمل و تعود عند العصر أو قبله بقليل، و يرأسك الثوريين و أتباع الثوريين، من المحظيين  (لذا لم نقل رجال)، و تتقاضى معاشا حسب الصديق الأقدم من صديقي، المحترم قانون 15 أو أن ترفض هذا الوضع من أساسه و يا عالم ما سيترتب على هذا الرفض، هل ستودع السجن أو تهرب و يفتح لك "الضالون" أحضانهم، و تستقبلك المخابرات الأجنبية بكل أريحية و و... تعرفون البقية.

  شخصيا ( وئدت أحلامي في مهدها، غفر الله لي و لكم، لأنه سيسأل المؤودات جميعا و منها أحلامي بالطبع) و فضلت عليها  أن لا اسبب أو أتسبب في أي مشاكل و أتحرك فقط ضمن الحرية المتاحة و رفض ما يمكن رفضه و عدم قبول ما لا أرغبه. ما مارست يوما تقية أبدا. كنت طفلا وقتما كان "الزحف الثوري ما يتأخر" في نهاية السبعينيات، وأدركت متأخرا "كعادتي" أن ليس هدف من زحفوا يومها تلوين الأشياء بالأخضر كما يقولون بقدر ما كان إما التأسيس لوضع قواعد يرتقون عليها، وفعلا فعلوا أو سرقة الأموال، أو الحقد و الحسد. أدركت جانبا من الثمانينيات، و الموت الذي كان ينام في الشوارع بجانب الهرر و الكلاب الضالة، و رأينا أن الدكاكين ألغيت و حورت و عمل مكانها أسواق عامة(شعبية) وضع فيها أصحاب الدكاكين* ليسرقوها و يحرقوها و يستغنوا من جراء ذلك و ينتقموا من الشعب و من الدولة و من اللجان الثورية التي زحفت عليهم و أفسدت عليهم تجارتهم و من كل قيمة إنسانية بفعلتهم هذه.  شهدنا مرحلة حرب تشاد و قتل زملاء لنا من الطلبة الثوريين من الثانوي فيها و قالوا لنا أنهم شهداء و عملوا شوارع باسمهم ، رأينا أن ربع الليبيين يسفرون زوجاتهم عبر أثينا للقاهرة التي لا نجروء على ذكر اسمها، و بعدها انفتحنا على تونس أو هي التي انفتحت علينا،  قامت أسواق التوانسة و رغم أننا لم نترك حصتنا من "الدولار المدعوم" إلا إننا تركنا السفر لتركيا و سوريا و شراء كل شيء من الإبرة حتى ملابس العروس الغربية، والتي كانت تختم ببيع كل شيء اشتريناه من تجار السوق الذين هم أنفسهم تجار المطار بنصف ثمنه بسبب انتظارنا لطائرات لا تأتي أو لا نحصل على حجز بها إلا بعد أسابيع نوم في مطار دمشق أو اسطنبول. هجرنا بعدها مطار طرابلس العالمي و من بعده بنينة الدولي وآثرنا أن نشتري البنطال الأمريكي"صنع تونسي" الذي كان من (الطِرف"جمع طرفة") من سوق التوانسة بستة دينارات، ولا داعي للمعانة في سبيل الحصول عليه و النوم في مطارات العالم.   بعدها بعام تصالح معنا إخواننا المصريين و هجمت بضائعهم علينا و أقاموا هم الآخرين أسواق (مصرية) في كل مدينة وضاحية وقرية وشارع (أسواق متنقلة "عربيات") حتى هذا المساء، كل صار له أسواقه إلا الليبيين الذين تأخروا قليلا بعدما تلاعبوا وشاركوا الوافدين و لكن لاحقا سمح لهم في الأخير بعودة الدكاكين بهوية جديدة لشخص بالغ فقد هويته سموه "الموزع الفرد".

  في التسعينيات، رأينا بما لا يدع مجالا للريبة و الشك حظرا جويا بداء اخويا وانتهى دوليا، رافقته طفرة(ظهور الثروات في وضح النهار علانية بلا خوف ولا وجل)، مصاحب بانعدام العدالة الاجتماعية و المساواة ورأينا من يضع عشرة سيارات في (بيد رومه)، و من لا يملك دراجة، و من يملك المال و الدولار و من ينتظر معاشا لا يكفيه أسبوعه الأول من الشهر ، و رأينا آن العرب الذين تغنينا بهم ثلاثة عقود هم أول من تركنا وقالوا اذهبوا انتم و ربكم  فقاتلوا إنا مع المجتمع الدولي قاعدون و لقرار الحظر مطبقون، تركونا على قارعة طريق الأمم المتحدة و ساهموا أكثر من غيرهم في تضييق الحصار علينا حتى ان اسم("كيلان أيكس" وهو حسب تفسير دكتورنا الكبير الذي يجيء في التلفزيون في شهر رمضان!ربما أرجعه لان مبتكره ليبي ولعله الشاعر الكبير الذي كثيرا ما بكى على العرب و من بعدهم صدام أما أيكس فهي نوع من الترقيم للحجم ك"اكس لارج") أطلقوه على دينارنا الليبي الذي أضحى يعادل ربع دينار تونسي بعدما كان يساوي أربعة دنانير أو (أربعة آلاف على حساب التوانسة) وما وقف معنا إلا الأفارقة السود، الذين رفضوا هذا الحظر الجائر و قرروا أن يأتوا بطائراتهم لليبيا ما أحرج المنظمة العالمية و رفعت الحظر و للعلم قضية لوكربي هذه تأرجحت بين سورية تارة و إيران تارة أخرى و بعض الفصائل الفلسطينية، و أخير رسوها كما لو كانت عطاءا على (ليبيا). وجاءت الالفينية الثالثة و ظهر من كانوا يكنزون بحلتهم البهية وعملوا القصور و الدارات الفخمة جهارا نهارا رغم أنهم قبل اقل من عقدين كانوا(لا يكسبوا النوم الهنيء)وأطلت لأول مرة الطبقية سافرة كاشفة عن مفاتنها وعرفنا هذا المفهوم الجديد بعد ظهور محدثي النعمة هولاء، وظهر أبنائهم في جامعاتنا في أخر موديلات السيارات وباللون 

الأصفر والأحمر (التي تثير البنات) ولا ندري كيف احضروها و لا يوجد وكالات، و الاستيراد موقوف، و الجمرك غالي، فوق أثمانها الخرافية، و "هيصوا" مع البنات (في الجامعات و غير الجامعات).

  14/8/2008  








تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز