د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
العونة والمشاركة في الأفراح والأحزان في ريف فلسطين

" العونة " والمشاركة في الأفراح والأحزان في ريف فلسطين من التقاليد الفلسطينيّة الأصيلة القديمة التي توارثتها الأجيال المتلاحقة، وتتمثّل بقيام شخص أو مجموعة من الأشخاص بمساعدة ومشاركة أقاربهم وجيرانهم وأصدقائهم وأبناء قريتهم في إنجاز مهام زراعية، ومناسبات وأحداث اجتماعية هامة كبناء وعقد البيوت، وحصاد القمح ودراسته وتخزينه، وقطف الزيتون، والأعراس، والولادة، والمرض، والوفاة.

كان المجتمع الفلسطيني مجتمعا زراعيّا يمتاز بطيبة وتعاون وتكافل أهله، وتعدّد وتقارب قراه، وخصوبة أراضيه وغزارة انتاجها من الحبوب والخضروات والفاكهة، وتديّنه، وتمسّكه بالعادات والتقاليد التي ورثها عن آبائه وأجداده والأجيال السابقة؛ وكان الناس في كل قرية يعرفون بعضهم بعضا، وتربط معظمهم صلات قرابة، ومتشابهون إلى حدّ كبير في بساطة عيشهم، ونمط حياتهم، ومصادر دخلهم، ومشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية، ومعاناتهم، ومعتقداتهم، وثقافتهم وأنماط تفكيرهم.

وكانت للبيت وما زالت مكانة عاطفيّة واجتماعيّة مرموقة في الوجدان الشعبي الفلسطيني، فهو يرمز إلى الاستقرار ووحدة الأسرة وتماسكها وسعادتها، ويدلّ على مكانة صاحبه الماليّة والاجتماعيّة، ولهذا أعطى الفلاح الفلسطيني أهميّة فائقة لبناء بيته، واعتبرت مساعدته في بنائه واجبا أدبيّا وأخلاقيا على أقاربه وأصدقائه وأهل حامولته، أو على أهل القرية جميعا إذا كانت صغيرة.

كانت معظم البيوت في قرى فلسطين حتى منتصف الخمسينيات من القرن العشرين تتكّون من غرفة واحدة، أو من غرفتين فوق بعضهما " دار وعليّه"، أو بيت وقاع بيت " مكّون من مصطبة للمعيشة والنوم، " وقاع بيت " فراغ بجانب المصطبة لإيواء الحيوانات خلال فصل الشتاء، وساحة صغيرة أمام البيت" حوش" محاطة " بسنسلة " سور من الحجارة يوفّر خصوصيّة للبيت وأهله، وتحفظ فيه الحيوانات أو الأغنام التي تملكها الأسرة في فصول الربيع والصيف وجزء من الخريف.

 وكانت البيوت حتى ذلك الوقت تبنى من الحجارة والطين والشيد، و" تعقد ": تسقف على شكل قبّة بحجارة خاصّة يسمّونها "عقّاد"، ويستغرق بناء البيت المكّون من غرفة واحدة وقتا طويلا مقارنة بالوقت الذي يستغرقه الآن؛ ولهذا كان لا بد من " عونة "، أي مساعدة أقارب وأصدقاء وأفراد حامولة صاحب البيت في نقل الحجارة لبناء واجهاته " والعقّاد " لسقفه، والأخشاب اللازمة " للطوبار": تحضير السقف ليكون جاهزا لتحمّل وزن " العقّاد "الثقيل الذي يستخدم في بناء القبة " المكوّنة لسقف البيت.

وكان يوم " عقد " البيت يمثّل أوج المساعدة لأنه يجب إنهاء عمليّة العقد في يوم واحد؛ ولهذا يتجمّع عددا كبيرا من أفراد العائلة والحامولة والقرية في الصباح الباكر ليشاركوا في حمل العقاد فرادى، وحمل الطين في" الأنقرة  " جمع " نقير": وعاء حديدي يشبه الصاج، إلى أعلى البيت ليقوم البنّاء بوضعه في مكانه بين العقاد ليتماسك بعد أن يجفّ وهم يهلّلون ويردّدون بعض الأهازيج؛ كانت مناسبة "العقد " تمثل أوج التعاون ينهيها صاحب البيت بتقديم غداء دسم للمشاركين الذين تطوّعوا لمساعدته في إتمام " العقد" وإنهاء بناء بيته.

في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين وما سبقهما من عقود وقرون، كان الفلاحون يعتمدون على فلاحة الأرض وزراعة الحبوب وخاصة القمح الذي يستخدمونه لصناعة الخبز، والشعير والكرسنة لإطعام حيواناتهم. ولهذا كان موسم حصاد القمح والشعير أهم موسم في كل قرية فلسطينية.

لم تكن الحصّادات والدراسات الميكانيكيّة موجودة في قرية عقربا وفي الأغلبية الساحقة من قرى فلسطين، ولهذا كان الحصاد مرهقا جدا ويتمّ يدويّا بالمنجل، حيث يعمل الحصّاد، من طلوع الشمس حتى غروبها، وهو منحني الظهر ليكوّن " ظمة أو شمال": ملئ اليد من نباتات القمح الجافة بسنابلها التي تحتوي على حبيباته، ويقطعها بمنجله، ويستمر بعمل ذلك ليكوّن ما كانوا يسمّونه " أغمار، جمع غمر"، ثم تجمع الأغمار وتربط على " حمّالة " مثبتّة على ظهر حمار أو بغل وتنقل إلى البيدر. كان الأقارب يقومون" بالعونة " أي يساعدون بعضهم بعضا في إتمام الحصاد ونقل المحصول إلى البيادر.

وكانت بعض العائلات التي تملك أراضي في مناطق الغور البعيدة نسبيا عن قريتنا " عقربا " ك" لفجم" أو" الشعاب" أو " كرزليا وغيرها من المناطق " تعزّب ": أي ترحل العائلة من بيتها إلى تلك المناطق مؤقتا وتسكن في " خربوش" خيمة من الخيش، أو كهف قريب، حتى تحصد وتدرس محصولها وتعود بعد ذلك للقرية؛ كانت منطقة " لفجم " الأكبر والأكثر حركة ونشاطا إلى درجة أن أحد أبناء القرية كان يفتح محل بقالة في " خربوش" ليوفّر حاجات الحصّادين والمقيمين.

كان في القرية بيادر معينّة: ساحات خالية لكل حامولة من الحمائل السبعة مقسّمة على العائلات في تلك الحامولة؛ وكل عائلة تستخدم بيدرها لتجميع نبات القمح الذي يتمّ حصاده من المناطق المجاورة؛ وخلال فترة الحصاد كانت القرية تعج بالحيوية والنشاط حيث يستيقظ الناس قبل شروق الشمس، ويتجهون هم وبهائمهم إلى الحقول، ولا تخلوا الطرقات المؤدية للقرية من حركة الناس والحيوانات الناقلة للقمح القادمة للبيادر والذاهبة للحقول خلال النهار.

كان للبيادر رونقا ومتعة خاصّة؛ كنا كأطفال نلعب على أكوام القش، وصاحب البيدر أو أحد أبائه ينام عليه؛ ولهذا كانت أماكن مفضّلة للسهر وسرد " الخراريف ": القصص المحكيّة التي ورثها الأبناء عن الآباء والأجداد، والاستمتاع بجمال نجوم فلسطين، وسمائها الصافي، وهوائها العليل، ورذاذ الندى، ونسمات الصباح المنعشة.

وبعد الانتهاء من الحصاد ونقل المحصول، تبدأ عمليّة " الدراس " حيث يفرد القش على أرض البيدر " بالشواعيب " ويتم الدراس باستعمال الحيوانات: الخيول أو الأبقار أو الحمير. كانت هناك عدّة طرق للقيام بدراس المحصول: الأولى يقوم بها حيوانا منفردا: حمارا أو بغلا يربط به لوحا عرضه حوالي متر وطوله حوالي مترين، ويسوق رجل أو طفل الحيوان الذي يجرّه ليتحرّك بشكل دائري فوق القش لتقطيعه وسحق السنابل، فتخرج حبيبات القمح وتختلط مع القش المقطّع؛ والطريقة الثانية كانت تعتمد على حمارين أو بقرتين تجران لوحا، والطريقة الثالثة تعتمد على أكثر من بقرتين أو حمارين مربوطة مع بعضها وتدور على القش لطحنه بدون لوح.

وبعد إتمام عملية الدراس يأتي دور التذرية؛ حيث يقوم صاحب المحصول وبمساعدة أقربائه باستخدام " المذاري" جمع مذراة لفصل حبوب القمح عن التبن والقصل؛ ثم يعبأ القمح والتبن والقصل في أكياس خيش، وينقل القمح لأنه ثقيل على ظهور الحيوانات لتخزينه في " الخوابي ": خزائن بدائية مصنوعة من الطين والحوّر والقش والخشب، وتحمل النساء التبن والقصل على ظهورهن أو رؤوسهن وينقلنه إلى بيت الشخص الذي كنّ يقمن " بعونته " في إتمام عملية الدرس لتخزينه في " الراوية "، مسافة صغيرة بين "الخوابي" وحائط البيت، ليستعمل التبن كطعام للحيوانات، والقصل كزبل للطابون.

كانت " العونة " في الحصاد، ونقل المحصول القشيّ إلى البيادر، والدراس، ونقل الحبوب والتبن والقصل الى البيوت تتم بمساعدة العوائل لبعضها بعضا، وكانت تشمل أيضا استعارة الدواب، وأحيانا قيام بعض الأقارب بتجهيز غداء أو عشاء للحصادين الذي يحصدون قمح قريبهم.

أما " عونة " موسم " الجداد ": قطف الزيتون فكانت وما تزال شائعة بين أفراد العائلات الفلسطينية؛ في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي وما قبلها كان قطف الزيتون يتم بطريقة مختلفة؛ أولا " الجداد " كان يبدا في الشهر التاسع، وكل شخص يملك أشجار زيتون يذهب هو وأسرته إلى الحقل للقطف ويأخذون معهم البهائم والسلالم والجدّدات " عصي طويلة" و " زوادتهم" طعامهم؛ وبعد انتهائهم من قطف محصولهم يقومون " بعونة " إخوانهم وأقاربهم في القطف.

 كانوا في ذلك الوقت يفرشون " حصيرة " تحت الزيتونة، ويخرطون حبات الزيتون التي يمكن الوصول اليها بأيديهم وهم وقوفا، أو يتسلقون الجدوع " الأغصان"، ويستخدمون السلالم لالتقاطها، أو "الجدّادات " الخشبية لإسقاطها على الأرض، وجمعها ووضعها في أكياس من الخيش، وتحميلها على بهائمهم والعودة إلى بيوتهم مساء.

أما " عونة " الأعراس والمشاركة فيها فكانت تعتبر واجبا على الأقارب والأصدقاء ولها عدة أبعاد؛ كان الأقارب والأصدقاء يشاركون في استقبال " الكسوة " ملابس العروسين، وفي التعليلة والغناء والحناء وزفة العرسان، ويساعدون في عمل الشعيرية؛ لم تكن الشعيرية الجاهزة التي تسلق مع الأرز تباع في القرى وعملية تحضيرها مرهقة وتأخذ وقتا طويلا؛ كانت النساء يحضّرنها من طحين القمح؛ فيأخذن كمية صغيرة جدا من العجين ويشكّلنها بأصابعهنّ في قطع صغيرة رفيعة لا يتجاوز طولها نصف سنتيمتر، ثمّ يضعنها عل صينيّة من القش ويجفّفنها في الشمس، وبعد ذلك يقمن بقليها في الزيت ويقدّمنها لأهل العريس لخلطها مع الأرز عند سلقه؛ كذلك كان الأقارب يساعدون في جمع " اللكون " الصحون الكبيرة التي يوضع فيها " طبيخ العرس" المناسف من البيوت في الحامولة والقرية، وفي نقل المناسف إلى مكان الاحتفال، وفي خدمة " المعازيم " المدعوون والأهالي بتقديم الشاي والقهوة.

أما مساعدة الولادة فكانت تتّم من خلال تقديم الطعام لآسرة المرأة خاصة خلال الأسبوع الأول؛ كانت قريبات وصديقات وجيران "النفاس "، المرأة التي أنجبت حديثا، يحضّرن وجبات للعائلة ويرسلنها إلى بيتها، أو يرسلن دجاج أو لحمة، ويشاركن في تحضير الطعام وتنظيف البيت، واستقبال الزائرات والمهنئات بسلامة الوالدة والمولود. وكانت القريبات الكبيرات في السن يعلّمن " الوالدة " خلال الأسبوعين الأولين كيف " تحمّم" المولود " وتلفّعه" وتعتني به.

وفي حالات المرض كان الأقارب والأصدقاء وأهل الحامولة والقرية يتعاطفون مع المريض ويزورونه في المستشفى وفي بيته، ويجلسون ويسهرون معه ويواسونه ويشعرونه بمشاركتهم لآلامه ويتمنون له الشفاء العاجل، ويجلبون له أنواعا من الفاكهة المتوفّرة، أو يرسلون له دجاجة أو " زوجا من الزغاليل " فرخي حمام حسب المتوفر عندهم.

وفي حالات الوفاة كان الجميع رجالا ونساء يظهرون أسفهم ولوعتهم وحزنهم على المتوفي؛ كانوا يغسلون المتوفي ويكفّنونه ويحملونه إلى المقبرة وهم يهللون ويكبرون، وتسير النساء خلفهم وهن ينتحبن بأصوات عالية؛ وبعد الدفن يذهبون إلى بيت العزاء " مضافة الحامولة " لتقديم التعازي لأهل وأقارب المرحوم، والنساء يتجمعن للنواح، أي " ينصبن مناحة" لمدة اسبوع؛ في حامولتي بني جابر وبني منيه كن يتجمّعن للنواح تحت زيتونتين مجاورتين للمقبرة القديمة الواقعة في منتصف القرية.

وكانوا يعدون الطعام لأهل المتوفي، ف " يخرجون ": يجلبون ألوانا مختلفة من الطعام إلى المضافة للرجال، ويرسلون طعاما للنساء في بيت المتوفي، ويبذلون كل جهد ممكن لمساعدتهم في تحمل آلامهم والتعامل مع حياتهم الجديدة.

كانت " العونة " والمشاركة في الأفراح والأحزان في الريف الفلسطيني جزءا من حياة الفلاحين وتركيبتهم الاجتماعية والثقافية، وتعبيرا عن تكافلهم وطيبتهم، واهتمامهم بأقاربهم وأصدقائهم وأهل قريتهم، وتعاطفهم معهم، والوقوف الى جانبهم ومساعدتهم وقت الحاجة، ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم بطيبة فطرية أصيلة لا تصنّع فيها ولا نفاق. 

غع     September 19, 2018 3:27 PM
والله وكانها ريفنا في ستينات القرن الماضي







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز