عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
مع مقدمة كتاب

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ

  يقولُ عالمُ الغيبِ والشـهادةِ، سبحانَهُ وتعالى: "أَمْ حَسِبْتَ أنَّ أَصْحبَ الكهفِ والرقيمِ كانُوا مِنْ ءايتِنا عَجَباً (9) إذْ أَوَى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا: رَبَّنا ءاتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أمْرِنا رَشَداً (10) فَضَرَبْنا عَلى ءاذانِـهِمْ في الكهفِ سِنيَن عَدَداً (11) ثُـمَّ بعثْنهُمْ لِنَعْلَمَ أيُّ الِحزْبيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (12)

   في سَفَـرٍ عجيبٍ عجيبٍ، لا مِنْ قُطْرٍ في الأرضِ إلى قُطْرٍ، وإنَّما مِنْ عصرٍ في الزمانِ إلى عصرٍ آخَرَ بَعيدٍ عنهُ بعيــدٍ- رحلَ فتيةٌ مؤمنونَ بِجَوازِ سفرٍ جماعيٍّ بِاسمِ: "أَصحابِ الكهفِ والرقيمِ". فَأَيْنَ عنوانُ هؤلاءِ؟

   حتماً، إِلى قمرانَ يأخذُنا البريدُ. فهناكَ في جنوبِ أريحا، رَقَدَ أولئكَ الفتيةُ يقيناً. وما هذا الكتابُ إلَّا لِيُقَدِّمَ البراهينَ المُثْبِتاتِ أنَّهُمْ مِنَ: الأسينِـيِّـينَ    Essenes الذين همْ أعجبُ طائفةٍ في تاريخِ الأديانِ. ولكثرةِ المحرَّماتِ في ملَّتِهم، فإنَّهُ يجمُلُ أنْ نُطلِقَ عليهم: طائفةَ الألفِ محرَّمٍ ومحرَّمٍ. فهؤلاءِ الأسينِـيِّـونَ هم - حقّاً - أصحابُ الوثائقِ الشهيرةِ المعروفةِ باسمِ "مخطوطاتِ البحرِ الميّتِ":

The Dead Sea Scrolls 

   حسناً، إِلى كهوفِ قمرانَ السِّرِّيـةِ؛ وبالتحديدِ إلى كهفٍ – سَمَّاهُ العلماءُ: "الكهفَ الرابـعَ" – كانَ يَأْوي الأَسينِيُّونَ. وَأولئكَ هُمْ: شبابٌ قاموا يُقاوِمونَ قَوْمَهُمْ، بِالنُّصحِ والموعظةِ؛ حينَما دَنَّسَ هؤلاءِ التوراةَ، وارْتَدُّوا عَنْ شرعِها، وعَنْ ملَّةِ التوحيدِ.

   حاولَ اليونانُ في عهدِ "أنطيوكس إيبيفانوس" في القرنِ الثاني قبلَ الميلادِ توثينَ إمْبَراطورِيَّتِهِمْ، وفي جُمْلَتِها سُكّانُ فَلَسْطينَ، إذْ كانتْ في احتلالِهم منذُ 333 ق.م، وَهُمْ - يَوْمَئِذٍ -: مِنْ  أغلبيةٍ مُنْحَدِرَةٍ مِنْ أُصولٍ عربيّةٍ، ومِنْ أقَلِّـَّيةٍ عبريةٍ معظمُها مُتَهَـوِّدٌ، وقدْ جرفَهُ التَّـوَثُنُ؛ وبَقِيَّتُها مُحافِظٌ على التوراةِ غيرِ المحُـَرَّفَةِ، فقاومتْ التوثينَ، واعتزلتْ مجتمعَها الكافرَ، وتَشَكَّلَتْ مِنْ بينِها: "طائفةُ الأسينِيِّينَ".

   أجلْ، في قمرانَ، بَدءاً مِنَ العامِ 1946 م، اكتشفَ الرِّعاءُ والعلماءُ جميعَ الوثائقِ والأوراقِ الثُّبُوتـِيَّةِ التي أُثْبِـتُ مِنْها أنَّ "الهويّةَ الجماعيّةَ" للأسينِيّينَ هِيَ: صورةٌ طِبْقُ الأصلِ عَنْ هويّةِ: "أصحابِ الكهفِ والرقيمِ".

   ولا ريبَ أنَّ مكتشفاتِ قمرانَ تتوافقُ تماماً، وتتطابقُ كَمالاً مَعَ المذكوراتِ في قصةِ القرآنِ المجيدِ. وهلْ بعدَ التطابقِ والتوافقِ مِنْ دليلٍ وبرهانٍ؟ ‍‍

    صِدْقاْ، لا يوجدُ؛ فالتطابقُ في المقارنةِ، هوَ فعلاً: سَيِّـدُ الأدِلَّةِ، والتوافقُ بينَ طرفَيْها، هوَ: فَيْصَلُ البراهينِ. وهَذا ما رقمتُ عليهِ الكتابَ نَهْجاً وطريقاً.

  ونظراً لِأَهميةِ مكتشفاتِ قمرانَ، فقد زادَتِ المُؤَلَّفاتُ فيها – إلى وقتِ يومِنا - عَنْ خمسةِ آلافِ كتابٍ؛ وتجاوزتِ المقالاتُ عَنْها سبعينَ أَلْفاً؛ ونشأَ عَنْها: "علمُ القُمْرانِيّاتِ"  Qumranology، وقد اتَّخذَتْهُ كثيرٌ مِنَ الجامعاتِ مَساقاً Course .

  أخي الكريمَ، مأمولٌ مِنْ هذا الكتابِ أنْ يُظهِرَ أنَّ قصةَ الفتيةِ الكرامِ، هيَ: مثلُ "الخَلِّيَّةِ الحَيَّةِ"، أوِ الكائنِ الحيِّ؛ فكلُّ ما فيها يرتبطُ وثيقاً بكلِّ ما فيها، وبكُلِّ القرآنِ المجيدِ، ويَكْمُنُ الروحُ وراءَ خَوافيها؛ فالقرآنُ كُلُّهُ روحٌ وحَياةٌ.

ومعَ التركيزِ المكَثَّفِ على مسألةِ العدَّةِ، ومسألةِ المدَّةِ، فإنَّ هذا الكتابَ يهتمُّ في إثباتِ أَنَّ أهلَ الكهفِ كانوا في خربةِ قمرانَ، وأنَّهم أسينِيّونَ.

 وقصةُ "أهلِ الكهفِ" ليْستْ مجردَ خبرٍ عنْ شبابٍ أنامَهمُ اللهُ تعالى مئاتِ السنينَ، ثمَّ أيقظَهم؛ وإنَّما هيَ بقرآنيَّتِها، وعظيمِ اهتمامِ واختلافِ المفسرينَ بها، ونظراً لارتباطِها بمكتشفاتِ قمرانَ – وَفْقَ ما أراهُ وأجتهدُ في إثباتِه– موضوعٌ يلزمُهُ موسوعةٌ كاملةٌ.  وبرغمِ ذلكَ، ليكنْ في علمكَ أنَّ ما وردَ في هذا ْالكتابِ منَ الإثباتِ، كافٍ تماماً للوفاءِ بالإثباتِ بصورةٍ يقينيّةٍ؛ بلْ وفيهِ فوقَ الكفايةِ كثيرٌ وكثيرٌٍ.

  وأَوَدُّ، أخي الكريمَ، أنْ تَتَلَطَّفَ بالصفحِ سَلَفاً عَنْ بعضٍ مِنَ التّكرارِ، والتطويلاتِ التي ستقابلُكَ؛ فنحنُ في قصةِ مِنْ ثلاثِمائةٍ سنينَ ازدادَ الفتيةُ عليها تسعاً، نوماً على نومٍ. ولا يخفى عليكَ سببُ الاضطرارِ إلى التكرارِ والتطويـلِ؛ فهناكَ ضرورةٌ لذكرِ هذهِ النقطةِ، أوْ تلكَ منَ النقاطِ – على اتساعٍ أو اختصارٍ - في أكثرَ مِنْ فصلٍ وموضعٍ، بلْ حتَّى في الفصلِ الواحدِ نفسِهِ؛ والفصولُ متداخلةٌ. والاتِّساعُ في الشرحِ والبيانِ – على تزاوُرٍ مِنَ الإمْـلالِ – هوَ إقناعٌ، أو إمتاعٌ بالبُرهانِ. وقدْ ودِدْتُ مِنْ كلِّ فصلٍ في الكتابِ أنْ يكونَ فصلَ الخطابِ. ألَمْ تَرَ إلى القرآنِ كيفَ جعلَ لقصةِ الفتيةِ إجمالاً وتفصيلاً؟

 ولا أراكَ إلَّا مدركاً أنَّ ما علقَ بالأذهانِ على مدى أربعةَ عشرَ قرناً، ممّا هوَ منسوبٌ لابنِ عبّاسٍ أوْ غيرِهِ، قدْ أغلقَ عقولَ الكثيرينَ، وهوَ وضعٌ يلزمُهُ "غسيلُ دماغٍ"؛ ولعلَّ التكرارَ والإكثارَ منَ الأدلةِ، هوَ منْ صابونِ هذا الغسيلِ.

   واسْـمَحْ لي أنْ أَنْصَحَكَ – فالمؤمنُ يحبُّ الناصحينَ – أنْ تُهدِيَ مَنْ يستعيرُ نُسْخَتَكَ نُصْحاً، أنْ يُذَكِّرَ غيرَهُ بِضرورةِ حفظِ آياتِ القصةِ، والاطِّلاعِ على تفسيرِها عندَ العلماءِ: الطبريِّ، وابنِ كثيرٍ، والقرطُبِيِّ، والرازيِّ، أوْ غيرِهم؛ فذلِكَ ذو نفعٍ في بَدْءِ الرحلةِ معَ الكتابِ ومرافقتِهِ. ولا أحْسِبُك إلّا تعلمُ أنَّ قصةَ فتيةِ الكهفِ، هيَ: القصَّةُ التي ضَرَبَتْ الرَّقَمَ القياسِيَّ في اختلافِ المفسرينَ. وإنَّ وُلوجَ ميْدانِ هذا الاختلافِ طلباً لِلرَّأْيِ السَليمِ، هوَ: مِثْلُ تفكيكِ حقلِ ألغامٍ، معَ الخروجِ بسلامٍ.

 وأخيراً، إلى قولِ اللهِ تعالى، عالِمِ الغيبِ والشهادةِ: "قُلْ لَئِنِ اجتمعتْ الإنسُ والجنُّ على أنْ يَأْتوا بِمِثْلِ هذا القرآنِ لا يأْتونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بعضُهم لبعضٍ ظهيراً" ( الإسراء |88 ).

  وآخِرُ دَعْوايَ أَنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ. والصّلاةُ والسّلامُ على محمدٍ النبيِّ الأمينِ.

/"عطِـيّة عبد المعطي زاهدة" / مدينة خليل الرحمن / فلسطين.

15-7-2002







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز