نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سقا الله أيام المخابرات المحترمة التي كانت تأتيك وتشحطك بـنصاص الليالي

تتطور الحياة في شتى الميادين يوماً بعد آخر، وتتغير الكثير من الطرق والمناهج والأساليب، والاستراتيجيات والتكتيك، وحتى "التكتيك الاستراتيجي" و"استراتيجية التكتيك" تغيرا على نحو هائل وغير مسبوق، وأيضاً الحروب، ونمط شن الحروب، بحيث كدنا ننسى النمط القديم من الحروب التقليدية التي يلاقي فيها جيشان وجهاً لوجه، ويبدآ بالتراشق بشتى صنوف الأسلحة حتى يقضي أحدهما على الآخر ويبسط سيطرته ونفوذه عليه..

 

علم الاستخبارات نفسه تطور بشكل هائل مع ثورة المعلومات والاتصالات الرقمية، وتغيّرت كل طرق عمله، وبات "المتصل إليكترونيا" مكشوفا وعارياً وأمامه، وكل من لديه اتصال "إليكتروني" بات نزيل و"سجين" جهاز استخبارات ما يراقبه ويرصده على الطالعة والنازلة ويعرف كل تحركاته ومتى نام وأطفأ جهازه الإليكتروني الذي يصله ويوصله بأجهزة استخبارات أخطبوطية، ومن هنا هذا التشجيع على "التسجيل" والانضمام لمنصات التواصل الاجتماعي، وهذه العروض الإنترنتية الدسمة والسخية وكلها عبارة عن "أفخاخ" لاصطيادك ووضعك تحت المراقبة 24/24 ساعة، والفرق هنا أن كل شيء يتم برضائك وحماسك المنقطع النظير لدخول مختلف "أفرع" الاستخبارات.

 

والاستخبارات هذه، التي كان يسميها عرب الصحراء، ودواعش الرمال، بـ" العيون" و"العسس" وهو-أي التعبير- البديل الموضوعي لكلمة المخبرين المستخدمة اليوم في بعض أجهزة الاستخبارات المتخلفة، والتي ما زالت تعتمد على "التحقيق" مع الناس، وكتابة التقارير الكيدية عنهم، فـهذه "المهنة" انقرضت عملياً في العالم الأول، وتمت أرشفتها ووضعها على الرف في أجهزة الاستخبارات الحديثة والمتطورة وانقطع، ويا حرام، رزق "المخبرين" نهائياً في عوالم متقدمة حيث بات "التجسس الإليكتروني" والتنصت، والتصوير، والتوثيق الإليكتروني، وتجميع الـData يحل بالمقام الأول. لا بل وضعت الكاميرات في كل ركن وزاوية لرصد تحركات الناس ومراقبة الناس بالشوارع جماعياً وبالثانية والدقيقة، وكم من جريمة وعملية تم كشفها بسرعة البرق باعتماد على هذه الآليات التجسسية المتطورة دون إرسال رجل أمن لتعقب مجرم أو قاتل ولص.

 

ومن طرائف الاستخبارات "السيبرانية" والفيسبوكية أنك أنت تذهب بجلالة قدرك لهم، وبيديك ورجليك، وتشتري "لابتوب"، أو هاتفا ذكياً وتروح لعندهم طالباً "التسجيل" (الاعتراف)، وإعطاءهم كل بياناتك"استمارات أمنية" (على أيام زمان سقا الله أيام المخابرات المحترمة يوم كانوا يأتوك برتل بيجوات ستيشن وبيك آبات وشي 50 عنصر ليشحطوك لتعترف لهم بماذا تفكر ومع من كنت هههه)، وتفصح طواعية عن مواليدك واسم أمك وأبيك ورقم هاتفك وأين درست وتقيم ومن هم أصدقائك وما هو تخصصك ودراستك، ومن ثم تطلعهم-أي للمخبرات- الفيسبوكية على محادثاتك السرية وعلاقاتك الغرامية وصورك الشخصية و"الحميمية"، ويطلب منك تحديد مكانك الـLocation الذي تسهر فيه والمطاعم التي ترتادها والأماكن التي تزورها فتفعل ذلك كله عن طيب خاطر وأنت تلتقط صور، ويا للغباء، الـ"سيلفي" وترسلها لهم لكي تتم إضافتها لملفك الزاخر بماذا لذ وطاب لأجهزة الاستخبارات الإليكترونية وماذا تحب من أنواع الطعام والمعكرونة والفواكه والعطور والنساء والسيارات وأنواع الجوارب والملابس الداخلية التي اشتريتها لأم العيال، ومن هو فنانك المفضل والفيلم والمسلسل الذي تتابعه وتخبرهم عنهما على الفيسبوك وأنت تشاهدة مع الـGroup،  وحتى أنك تقول لهم بـ"ماذا تفكر" وما في ذهنك وداخلك  وتكتبه لهم وتشاركه مع أصدقائك والمجتمع الدولي كله وتطـّلع عليه الأمم المنفرطة التي ستعلم وقتها يماذا تفكر و"تهدس" و"تهجس" و"تهلوس" وأنت جالس في غرفتك الساعة الثالثة صباحاً وهذا ما عجز عنه أدهى أجهزة الاستخبارات سابقاً، وتقول للناس أنك أنت "ماشي" بالسوق أو ذاهب بمهمة عائلية لشراء ترويقة فتة من عند أبو عبدو الحمصاني الذي تلتقط الصور عنده وتطلعهم عليه وهذا ما لا يفعله أسوأ جهاز أمني بالعالم مع "رواده"...

 

وأشهر وأكبر جهاز استخبارات معروف بالعالم اليوم هو "الفيسبوك" الذي "يعتقل" حوالي 2 اثنين مليار من البشر يعرف كل شيء عنهم، ومن هنا يلغي ويحظر أي حساب غير معروف أو محدد الهوية، لا بل يقوم ببيع بيانات "نزلائه" لدول وأجهزة استخبارات ووكالات وهيئات لها مصلحة بمعرفة كل شيء عن مجموعات بشرية أو أفراد ما، ولهذا الجهاز الأخطبوطي الإليكتروني فروع كـ"الواتس آب" و"أنستاغرام"، وأجهزة أخرى بذات القوة والانتشار، كـ"تويتر"، وغوغل، و Linked-in، و"Yahoo"(المختص بالبريد ومعرفة مراسلاتك)، وسواها الكثير من "الأجهزة" و"الأفرع" الأمنية كل حسب تخصصه واهتماماته بشخصك الكريم...

ببساطة، أنت اليوم مجرد سجين إليكتروني مؤبد، وتشحط نفسك بنفسك،  دون أن ترتكب أي جرم على الإطلاق....







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز