موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
استقالة سامي كليب التي تشبه صاحبها

هناك مثل ألماني يقول (بمثل هؤلاء الأصدقاء تنتفي الحاجة الى أعداء) إذ أن الأعداء موجودون داخل البيت يجلسون على الأرائك الوثيرة ويستمتعون بتناول القهوة والشاي والعصائر اللذيذة التي قدمها أصحاب البيت المخدوعون بأيديهم.

سامي كليب قبل أن يكون عدوا لأحد هو عدو ذاته المقدسة التي يعبدها من بين سائر الأنصاب والأزلام الكثيرة التي جعلها قطب رحى حياته.

إنه النجم السينمائي الدائم النجومية الذي تدور حوله الكواكب والاجرام السماوية فيما تلازم الحربقة ابتسامته الماكرة الواسعة على مدى الشاشة سواء كانت مربعة أو كانت مستطيلة.

في لعبة الأمم يبرز كليب كلاعب أوحد في لعبة مكعبات تنقسم الى مربعات صغيرة ضيقة تحيط برؤوس ضيوفه المهمشين الكثر فتغدو وجوههم بلا ملامح كأحجيات مبهمات، فإذا دارت الكاميرا نحوه افتر وجهه السعيد عن ابتسامة تحتكر الاطار وتملأ فضاء الشاشة المبهورة بوجه نجمها وبسمته الساحرة وبياقة قميصه الزرقاء الحالمة واسنانه الناصعة البياض وربطة عنقه الزاهية الملونة.

فعلا إنها لحظة إقليمية رهيبة حين تتسمر الكاميرا العاشقة في وضعية (كلوز إن) على الخدين الممتلئين بالحبور والثقة وعلى الشعر المصفف الأسود الذي لم تنقص الأيام  من سواده قيد أنملة  فازداد  مع السنين سوادا ولمعانا وتألقا.

حين أجرى كليب قبل مدة حواره مع سماحة السيد حسن نصرالله.  اصابني نوع خاص من الذهول. خلت لوهلة انني أحلم.

كان سامي يجلس مثل الأستاذ خلف طاولة تشبه المكتب ومن خلفه ظهر جدار كأنه صفحة بيضاء تزيده وضوحا وتألقا. أما السيد المسكين الطيب فأجلس على طاولة وحشر بين جدار وستائر مخملية داكنة تدلت منها شراشيب ذهبية  تبعث على اللوعة والأسى.

كانت الكاميرا المخصصة لسماحة الأمين العام منصوبة   في زاوية سمجة كلما دارت   نحوه أظهرت صدره الشريف وقد التصق بحافة الطاولة وكأنها تريد أن تبديه رجلا قصير القامة وكلما ابتعدت أبدت حذاءه ورجليه وأظهرت من فوق كتفيه شراشيب الستارة.

شعرت ببركان من الغضب ينهش قلبي. بدأت أتمتم بكلمات عصبية حانقة.  انزلت نقمتي على الوحدة الإعلامية في حزب الله.  وعلى الحاج إبراهيم فرحات وعلى النواب والوزراء والقيادات.  لمصلحة من يتم أظهار جناب السيد بهذه الصورة.

نزلت من أوروبا الى بيروت مثل الوحش الكاسر. لا هم عندي سوى هذا الهم. أريد أن اعرف من الذي أفسح المجال لصحافي ثقيل الدم لكي يجري مقابلة مع سيد القلوب والورود والفراشات.

من الذي أشرف على الديكور، من الذي نصب الكاميرات، من الذي اذن لسامي كليب ان يخاطب سماحة السيد بلا تكلف ولا رهبة وكأنه زميله في المدرسة.؟؟؟

وكالعادة وصلت الى لبنان مثل الأسد الغضوب، فلم تنقضي برهة إلا وقد تحولت الى شخص مسالم منزوع البراثن فقد امطرت بكلمات وأعذار تطمس نباهة النبيه وتجعل الحليم حيرانا: يا سيد لا تأخذ الأمور بهذا الحجم. الرجل وطني ومشهود له. جل من لا يسهى. ليس من طلب الحق فأخطأ كمن طلب الباطل فأصاب...  وحين هميت بالمغادرة لم ينسى محدثي أن يلفت نظري الى أن السيد حفظه الله ربعة القوم أي انه ليس طويلا.. وأن في لبنان من هو أكثر طولا منه.  هنا حضر في رأسي نجيب ميقاتي بطوله الفارع ورأسه الفارغ المعدوم الضمير فاستشطت غضبا.

عاودتني النقمة ورأيتني وقد انبعثت من جديد سبعا ضاريا ... فرفعت صوتي.. تكلمت وانفعلت وأخرجت مقامع صدري. وقلت لمحدثي انكم لا تأخذون شيئا على محمل الجد.. وستبقون على هذه الحال حتى نستيقظ يوما لنجد عدونا وقد غفى آمنا في سريرنا.  كان الله في عون السيد.  ثم قفلت عائدا الى فرنسا أتلظى كمدا وقهرا.

في 17 أكتوبر قامت الثورة اللبنانية. كنت أعرف ان هذه الثورة محقة في ذاتها ولكنها لا تملك زمام نفسها وان العدو المتربص لن يتوانى عن امتطائها وحرفها عن وجهتها. رحت أتابع اعلامنا المقاوم بأدائه الرتيب البطيء. لا حول ولا قوة الا بالله.  طيب فلأنظر ماذا عند الحلفاء. كان إعلام الحلفاء في غاية الضآلة والضياع.. وخلت لوهلة أن حلفائنا في الحقيقة ليسوا سوى أبراج من رماد. لا حول ولا قوة إلا بالله. 

ويمكن القول بقلب مطمئن أن المقابلة التي أجراها سامي كليب ونقولا ناصيف مع رئيس الجمهورية الجنرال ميشال عون كانت نوعا جديدا من أنواع الكوميديا السوداء. في تلك اللحظة تبددت بسمة سامي كليب الصحافي اللامع وحل مكانها ابتسامة عريضة لسامي كليب المريض النرجسي الذي يبحث عن مجده وتفوقه فوق جماجم الهالكين.  لم يراع حرمة لشعبه ولا لوطنه. كان همه منصبا على اصطياد أكبر قدر من السكوب الإعلامي فكان الحوار مع الرئيس فضيحة بكل المعايير.  ترى من أذن بهذه المقابلة؟؟؟ وتحت أي ظرف؟؟؟  وضمن أية شروط؟؟؟ وكيف ترك رئيس الجمهورية مستفردا ومستصرحا  بل لقمة سائغة تتناهشها الذئاب.

 أخيرا استقال سامي كليب. استقال وهو يعلم أنه لن يتعطل فالمحطات التلفزيونية ستقتتل عليه وستقدم كرمى لعيني نجوميته عروضا سخية وسوف يزداد شهرة وثراء.

المسألة الوحيدة الملفتة في استقالة صاحب اللعبة هي أنها جاءت باهتة وباردة ومصطنعة تشبه الى حد بعيد خواء صاحبها  الكئيب المتذاكي.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز