عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
مسألةُ الأحرف السبعة جاء في حلِّها خمسونَ قولاً، ووجدتُ أنَّها الحركاتُ السبعُ –ج1

 ربما كانت مسألةُ الأحرف السبعةِ التي نزل القرآن عليها أعوصَ مسألةٍ في تاريخِ علوم القرآن الكريمِ والحديثِ الشريفِ؛ إذ ألّفَ فيها العلماء أسفاراً، وصرفوا فيها أعماراً.

 فقد صحَّ عن رسولِ الله أنه قالَ: "إِنَّ هذا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فاقرؤوا ما تَيَسَّرَ منه".
ولقد جاوزتْ آراءُ المفسرين في هذهِ الأحرفِ السبعةِ خمسينَ قولاً، في حين ما أرى أنها إلّا الحركاتُ السبعُ: الفتحة، والفتحة المنوَّنةُ (تنوين الفتح)، الضّمّةُ، والضَّمّةُ المنوّنةُ ( تنوين الضَّمِّ)، والكسرة، والكسرةُ المنوَّنةُ (تنوين الكسر)، والجزمُ.

وأصل المسألة أنه قد جاء في صحيح البخاريِّ (الحديث 6537) عن عمرَ بنِ الخطّابِ، رضيَ اللهُ تعالى عنه، قالَ: سمعتُ هِشَامَ بنَ حَكِيمِ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ في حَيَاةِ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فإذا هو يَقْرَؤها على حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لم يُقْرِئْنِيهَا رسولُ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ في الصَّلَاةِ، فَانتظرتُهُ حتى سَلَّمَ، ثمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ أوْ بردائي، فقلت: مَنْ أَقْرَأَكَ هذه السُّورَةَ؟ قال أَقْرَأَنِيهَا رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قلتُ: كَذَبْتَ فواللهِ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَقْرَأَنِي هذه السورةَ التي سمعتُكَ تقرؤُها، فَانْطَلَقْتُ أَقُودُهُ إلى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إني سمعت هذا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ على حُرُوفٍ لم تُقْرِئْنِيهَا، وأنتَ أقرأْتَني سورةَ الفرقان! فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَرْسِلْهُ يا عمرُ، اقْرَأْ يا هِشامُ، فَقَرَأَ هذهِ الْقِرَاءَةَ التي سَمِعْتُهُ يَقْرَؤُها. قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: هكذا أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ هذا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فاقرؤوا ما تَيَسَّرَ منه"

وهناك  نصٍّ آخرَ في صحيح البخاريِّ (الحديث: .(4706

ثلاثُ ملاحظاتٍ ضروريّةٍ لِمَنْ أرادَ أنْ يفهمَ أوْ أرادَ تفسيراً

أولاً – اختلفَ العلماءُ في المقصودِ بالسبعةِ: هل أُريدَ بها التحديدُ أمِ التكثير؟

أمّا ما أناصرُهُ فهوَ أنَّ الذي أُريدَ بها هوَ التحديدُ، أيْ إنَّ ما قُصِدَ من السبعةِ هوَ بالضبطِ منْ سبعةٍ أوْ سبعٍ، هوَ سبعةٌ على الحقيقةِ. ولا ريْبَ أنَّ الحركاتِ هي سبعٌ بالضبطِ: الفتحة، وتنوين الفتحِ، والضَّمّةُ، وتنوينُ الضَّمِّ، والكسرةُ وتنوينُ الكسرِ، والجزمُ.

ثانياً – هلْ جاءَ في القرآنِ الكريمِ ما يدلُّ على أنَّ الفعل "حرف" يحملُ معنى الحركةِ؟

لقدْ جاءَ من مشتقاتِ "حرف" في القرآنِ ثلاثُ مفرداتٍ، وهيَ: يحرِّفُ، ومتحرِّفٌ، وحرْفٌ.. وما منها إلاّ وقد جاءتْ دالّةً على الحركة:

(1)  فَأمّا "يحرِّفُ" فقد جاءتْ أربعَ مرّاتٍ مرتبطةً بضميرِ الجمع، منها ثلاثٌ يحملُ فيها هذا الفعلُ معنى التحريكِ بشكلٍ جليٍّ:

"مِنَ الذينَ هادوا يحرِّفونَ الكلِمَ عنْ مواضِعهِ ويقولونَ سمعنا وعصَيْنا واسمَعْ غيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا ليّاً بألْسِنَتِهم وطَعْناً في الدين.." (النساء: 46.(

فتحريفُ الكلامِ عنْ مواضِعِهِ هوَ تنقيلٌ لهُ من مكانٍ إلى آخرَ، هوَ تحريكٌ لهُ منْ موضِعٍ إلى موضعٍ آخرَ؛ وحرفُ الجرِّ "عن" هنا يفيدُ المباعدةَ، والمباعدةُ تستوجبُ التحريكَ. واللَّيُّ بالألسنةِ هوَ تغييرٌ للحركاتِ.

"فبِما نقضِهم ميثاقَهم لعنّاهم وجعلْنا قلوبَهم قاسيةً يحرِّفونَ الكَلِمَ عَنْ مواضِعِهِ.." (المائدة: 13).. ولا ريْبَ أنَّ "عن" تفيدُ المباعدةً، والمباعدةُ توجبُ التحريكَ.

"ومِنَ الذينَ هادوا سمّاعونَ للكذِبِ سمّاعونَ لِقوْمٍ آخرينَ لَمْ يأتوكَ يُحرِّفونَ الكَلِم مِنْ بعدِ مواضعِهِ.." ( (المائدة: 41).. "من بعدِ مواضعِهِ" تفيدُ التحريكَ.

وأمّا المرّةُ الرابعةُ التي جاءَ فيها:"أفتطمَعونَ أنْ يؤمِنوا لكم وقدْ كانَ فريقُ منهم يسمعونَ كلامَ اللهِ ثمَّ يحرِّفونَهُ من بعدِ ما عقَلوهُ وهمْ يعلمونَ".. فالفعلُ "عقلَ" هنا هوَ على الأغلبِ بمعنى: ربطَ في المكانِ، والربطُ مقصودٌ للتثبيتِ ولمنعِ الحركةِ. ومنْ هنا؛ فالتحريفُ المقصودُ هوَ التحريكُ.

 (2) وَأمَّا "متحرّف" فقد جاءَتْ مرّةً واحدةً في سياقِ النهيِ عنِ الهربِ منْ ميدانِ القتالِ، وذلكَ في قولِ اللهِ تعالى: "وَمَنْ يُوَلِّهم يومَئذٍ دُبُرَهُ إلاّ متحرّفاً لِقتالٍ أوْ متحيّزاً إلى فئةٍ فقدْ باءَ بغضبٍ منَ اللهِ ومأواهُ جهنّمُ وبئسَ المصيرُ" ( (الأنفال: 16(

فالمتحرّفُ للقتالِ هوَ المتحرّكُ للقتالِ منْ موضعٍ إلى موضعٍ، وهوَ هنا مَنْ يولّي دُبُرَهُ في تحرُّكٍ من موضعٍ للقتالِ إلى موضعٍ آخرَ للقتالِ هوَ مِنْ وِجهةِ نظرِهِ القتاليّةِ أفضلُ منهُ.

 (3)
وأمّا كلمةُ "حَرْفٍ" فقد جاءتْ مرّةً واحدةً في قولِ اللهِ تعالى: "ومِنَ الناسِ مَنْ يعبُدُ الله على حرْفٍ فإنْ أصابَهُ خيرٌ اطمأنَّ بهِ وإنْ أصابَتْهُ فتْنةٌ انقلبَ على وجهِهِ خسرَ الدنيا والآخرةَ ذلكَ هوَ الخُسرانُ المبينُ" (الحج:11)

حسناً، بوجودِ القرينتيْنِ: "اطمأنَّ بهِ"، و"انقلبَ على وجهِهِ"، فإنَّ عبارةَ "على حرْفٍ" تعني: على حركةٍ، أيْ هو متقلقلٌ مضطربٌ في عبادتِهِ؛ فإنْ أصابَهُ خيرٌ زالتْ قلقلتُهُ وذهبَ اضطرابُهُ وسكنَ، وإنْ أصابَهُ السوءُ ابتلاءً تحرّكَ مبتعداً عن عبادةِ اللهِ تعالى.

ثالثاً – وهلْ "حرف" في استعمالِ العربِ تحملُ معنى الحركة؟

لا ريْبَ أنَّ "حرف" في لسانِ العربِ يحملُ معنى الحركةِ مباشرةً أوْ ضمناً. فالانحرافُ هوَ تغييرُ المتحرّكِ اتجاهَ حركتِهِ، أو خطَّ حركتِهِ. وقدْ جاءَ في حديثٍ لأبي هريرةَ: آمنتُ بمحرِّفِ القلوبِ. والمحرِّفُ هنا بمعنى: المحرّكِ، أوِ المقلِّبِ. ويقولُ العربيُّ: ما ليَ عنْ هذا الأمرِ مَحرفٌ؛ والقصدُ منهُ: ما ليَ عنهُ مُتنّحىً، أيْ لا أتحرّكُ عنهُ، ولا أبرحُهُ.

والخلاصةُ هيَ أنَّ الحرفَ يمكنُ أنْ يعنيَ الحركةَ. وبهذا أرى أنَّ العربَ قدْ سمَّتِ الحرفَ، أيْ حرفَ الهجاءِ، حرفاً؛ لأنَّهُ عندَ لفظِهِ لا بُدَّ أنْ يأخذَ إحدى الحركاتِ السبعِ وهيَ: الفتحة، وتنوين الفتح، والضَّمّةُ، وتنوينُ الضَّمِّ، والكسرةُ وتنوين الكسرِ، والجزمُ.. أجلْ، منَ المستحيلِ أنْ تلفظَ حرفَ هجاءٍ بغيْرِ حركةٍ. وإنْ لمْ تصدِّقْ فجرِّبْ.

أجل، إن لغة العرب هو لغة الحركات السبع.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز