بهيجة الرفيفي
bahijayahmad@gmail.com
Blog Contributor since:
24 October 2019



Arab Times Blogs
الومضة الثالثة : اقتصاد الحمير .. و عاصمة الكلاب

هناك الكثير من الصحفيين صادفتهم في حياتي يحبون العناوين الغريبة و يتعمدون اللعب على المعاني الملتبسة و يفتشون تفتيشا عن المتشابه لا المحكم لكي يستعملوه في خلط الأوراق و لخبطة المفاهيم .. يُبهجهم ان يحوموا حول الحمى و يتلذذون بالوقوع فيه .. كل شيء مباح و مستباح في مقابل أن يكون الخبر رنانا و جذابا و من ثمَّ مقروءً .. حتى لو شعر القارئ بخيبة أمل في الدقائق الأولى بعد بدء القراءة ثم سب الكاتب و من رباه و من علمه فهم لا يعبؤون   ..
تقنية اختيار الألفاظ الصحيحة و الموضوعية و المحايدة و الصادقة و الراقية و القريبة إلى المعنى و البعيدة عن الابتذال ، هي علم و أخلاق في الآن ذاته و كلاهما صارا من الندرة بمكان بين صحفيي هذا الزمان .
لقد كنت أكتب قبل أزيد من خمسة و ثلاثين عاما على حداثة سني وضعف خبرتي وقتها ، و أنا أستحضر الرابط الإنساني و الميثاق الأخلاقي بيني و بين القارئ فلا أخط له ما يجرح بصره أو يخدش حياءه أو يستهين بذكائه أو ما يدفعه إلى تكوين عتاد معرفي مغلوط ، كنت أعلم أن أول من سيقرؤني هو أبي رحمه الله و كنت أتمثل هيبته و وقاره و سمو أخلاقه في كل القراء فلا أكتب ما يحرجني أو يصغرني أمامه أو أمامهم .
و هذا كان حال معظم الكتاب من جيلي ، طبعا كنا نخطئ و كنا نصيب لكننا كنا نجتهد ما وسعنا الاجتهاد ، و لا حرج على المغلوب إذا كان قد غالب نفسه حتى غلبته . أما أن تكون الأقلام منذ البدء و من الأصل مأجورة مغرورة مكرورة فهذا وباء أخلاقي كبير أصاب جسد الصحافة بشكل يجعلنا نتقزز من الوضع و نأنف أحيانا حتى أن نقرأ لبعضهم و نخاف على أنفسنا و على أولادنا من أن يقرؤوا ما يفسد عقولهم و يلوث معارفهم حتى بتنا نقول أحيانا لأن يهجر الولد القراءة خير له من أن يقرأ كتبا تعبث بمبادئه و تفسد شخصيته و تشكله على غير النمط السوي و تملأ رأسه بمعلومات مغلوطة و مزيفة لا علاقة لها بالواقع.


في هذا السياق عرفت في حياتي صديقة دخلت مجال الصحافة من بوابة الصورة الصحفية و قد كانت عربية الأصل و المولد و النشأة ، أجنبية الجنسية ، اِلْتَوى لسانها في البداية تصنعا و تكلفا و تحيزا لجنسيتها الأجنبية على حساب عروبتها الأصلية لكن مع الوقت إضمحلت فعلا عربيتها التي لم تكن تتقن منها إلا اللسان الدارج أما العربية الفصحى فمنذ الأصل لم تكن تجمعها بها إلا علاقة العداوة و الترفع .. و فجأة و بلا سابق إنذار قررت أن تتحول من صحافة الصورة إلى الصحافة المكتوبة فهذه الأخيرة كانت وقتها تجلب من المال و النفوذ و المعارف و العلاقات أكثر بكثير مما قد تجلبه صحافة الصورة ، المغمورة آنذاك ..
هكذا بدأت صاحبتنا تكتب ، معولةً في ذلك على القليل من قدراتها و على الكثير من سلطة جمالها على رئيس التحرير ، و معتمدةً أيضا  على المساعدات الأجنبية : مني و من غيري ، و على تسامح القراء و تقبلهم لرداءة كتاباتها مقابل جمال صورتها المعلقة بجانب مقالها  .و كنت في البداية أساعدها بقدر ما أعلم سواء في اللغة أو في غيرها لكني وجدت منها تعنتا غريبا و مقاربة متناقضة في فهم الأشياء لهذا تركتها لمصيرها تفعل كيف شاءت بمقالاتها التي أرادت لها أن تُكتب بالقلم و بأحمر الشفاه معا ، في حين ديانتي و مذهبي في الكتابة أنَ قول الحق لا يميز بين امرأة و رجل و أنهما سواء في الذمة الأخلاقية و العلمية  و لا مسوغ أبدا أن تكون الأخطاء العلمية أو التجاوزات الأخلاقية مقبولة من المرأة أكثر من الرجل بشفاعة جمالها و إلا عُد ذلك عهرا صحفيا و ما أكثره في هذا الزمان للأسف .
المهم .. طفقت صاحبتنا تكتب فإذا بي أفاجأ يوما أنها نشرت مقالا في صحيفة أجنبية عن بلد عربي بعنوان : هكذا يكون إقتصاد الحمير !! طبعا من العنوان يكاد يستنتج القارئ أن القيمين على الاقتصاد في هذه المنطقة حمير . فإذا كان الأمر صحيحا و إذا كان أداؤهم رديئا فعلا فاستعمال لفظ الحمير يعد مسبة و مَعيَرة و بوسع من ينتقد أن يكون أكثر تهذيبا في ألفاظه ، و تهذيب الأسلوب لا يعني أن الصحفي سيجامل في الحق أو سيزور  في الحقائق ، أو سيستر أخطاء أو اختلالات أو تجاوزات وقعت أمام عينيه، بل من صميم وظيفته أن يفضحها فذلك واجب الصحفي و أساس عمله ، على أن يكون منصفا نزيها عادلا في انتقاده بدون مجامَلات و لا مجمِّلات و لكن دون سب للآخرين و دون إهانتهم بألفاظ نابية و دون تحقيرهم .
المفاجأة أنه في متن المقال نكتشف أن ما كانت تعنيه الأخت الفاضلة أمر آخر. فالمدينة المقصودة باقتصاد الحمير  حسب تعبيرها هي إحدى الحواضر العريقة في العالم العربي المصنفة من قبل اليونسكو كموقع تراثي عالمي و التي يصل عمرها إلى قرابة ألف و مائتي سنة .

يتعلق الأمر بمدينة فاس المغربية ، مدينة أحسب أن جزء شاسعا منها تغطيه المدينة العتيقة و هذه الأخيرة صممت عمارتها منذ إثني عشر قرنا بجعل كل أحيائها عبارة عن حواري و دروب ضيقة مليئة بالدكاكين و المحلات التجارية ، و أوراش الصناعات التقليدية و التراثية الموزعة على حارات متخصصة في تجارة بعينها فتجد حارة الحلي و حارة الدباغة و حارة الأطعمة و حارة المنسوجات و حارة البهارات و حارة الجبس و حارة النقش على الخشب و حارة الزخرفة على النحاس و غيرها و كلها صناعات تقليدية  تنتج منتجات رفيعة الجودة و رائعة الجمال  ،  ذات قيمة تراثية فنية عالية توارثتها الأجيال عبر مئات السنين .
و سواء تعلق الأمر بالإنتاج أو بالبيع لا يمكن بأي حال من الأحوال التعامل في تلك الدروب الضيقة لنقل البضائع و تخزينها أو شحنها إلا عبر تحميل ظهور البغال أو الحمير ، و  في بعض الحواري الأوسع قليلا يمكن الاستعانة بالعربات المجرورة بالدواب و إن على مضض ، فإذا خرجت الدابة المحملة بالبضائع خارج أسوار المدينة العتيقة وجدت في انتظارها سيارات تقوم بإتمام المهمة ، لهذا فإن النشاط الاقتصادي و الرواج التجاري في شق النقل يعتمد فعلا داخل أسوار المدينة القديمة على استعمال الحمار أو البغل كوسيلة أساسية لنقل البضائع و المواد الأولية و المنتجات  .
و طبعا لا يمكن أن تخضع هذه الحواري لأي عملية توسعة تجعلها قادرة على استيعاب سيارات النقل أولا  لأن قيمتها التاريخية هي في الحفاظ عليها كما هي و ثانيا لأنه تقنيا لا يمكن ذلك فالدُور و الدكاكين و أوراش الصناعات التقليدية ، جميعها تصطف وفق طراز معماري قديم جعل بناءها من الأصل مصمما بذلك الشكل و أي تغيير يعني إفساد كل شيء بل إنها كلما تم ترميمها كان الحفاظ على تلك التركيبة شرطا أساسيا لنجاح عملية الترميم .
و إذا كان للحمار دور في إنجاح العملية الاقتصادية في المدن العتيقة إجمالا بحكم عمارتها فهذه مكرمة أخرى تنضاف إلى مكارم أخلاق هذا الحيوان الظريف الذي أجده في أحيان كثيرة أخف دما و أوفر ذكاء و أحسن تأدبا و ذوقا و صبرا و صوتا من الكثير من البشر .

فهل يكون منطقيا أن يسمى النشاط التجاري في هذه المنطقة اقتصاد الحمير ؟

لعلها وجهات نظر .. و للقراء واسع النظر !!!

أما قصة عاصمة الكلاب ففيها أيضا من منطق القصة السابقة ، إلا أن الأمر يتعلق هذه المرة بعاصمة الفاتحين و عاصمة المآذن و المساجد إسطنبول ، حيث فاجأتني صديقة فرنسية مدوِنة بأنها تعتزم كتابة مدوَنة لها عن آخر رحلاتها إلى تركيا تتحدث فيها عن السياحة في إسطنبول و ستعنونها ب : إسطنبول .. عاصمة الكلاب ، و لأنني أعرف إسطنبول جيدا و خبرت من أحيائها و شوارعها و أسرار الحياة فيها ما يكفي لكي أحبها و أحترم تاريخها ، فقد شعرت بالغيرة على هذه المدينة التي يرقد فيها رفات بعض من عظماء الأمة الإسلامية مثل الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري الذي مات شهيدا عند أسوار القسطنطينية في أول محاولات المسلمين فتحها سنة 52 لهجرة الرسول صلى الله عليه و سلم ، كما تحوي إسطنبول رفات السلطان محمد الفاتح فاتح القسطنطينية و ابنه الغازي السلطان بايزيد الثاني و السلطان سليمان القانوني و السلطان أحمد و السلطان يافوز و السلطان سليم الأول و الثاني ، وجلهم من عظماء الفاتحين الذين قضوا شطرا كبيرا من حياتهم مجاهدين على صهوات خيولهم بغية توسيع دولة الإسلام و التوطين لها .

المهم حين ناقشت صاحبتنا و قلت لها إن العنوان سيخلق سوء فهم لدى القارئ فكأنك بذلك تسبين سكان المدينة كلهم و هم أكثر من ستة عشر مليون شخص أتراكا و أجانب ، أوضحت لي أنها تقصد ذلك كون المدينة مليئة بالكلاب الطليقة التي لا صاحب لها و التي تتجول بحرية بين الناس و أحيانا تضايقهم أو حتى قد تشكل خطرا عليهم و أنها تجد ذلك مسلكا غير حضاري في عاصمة سياحية تستضيف مئات الجنسيات و آلاف السائحين ، و أنه من الجميل أن نترفق بالحيوان و لكن الرفق بالإنسان أولى ، ثم إن وجود كلاب طليقة لا يُعد رفقا بها فهي بالنهاية تعيش حياة التشرد تحت البرد و الحر و المطر و قد تأكل من المزابل و قد تنقل الأمراض وقد تتعرض لحوادث أو تتسبب فيها ، ثم أضافت مندهشة أنها حين سألت مرة أحدهم من أهل البلد قال لها إذا كان البشر يتعايشون مع الطيور التي تحلق في السماء قريبة منا فما العيب في تعايشهم مع كلاب بريئة تتقاسم معهم أديم الأرض ؟؟.

 مبدئيا وجود كلاب كثيرة جدا في مختلف مدن تركيا بما فيها إسطنبول هو أمر حقيقي حيث تتولى البلديات العناية بهذه القطعان من الكلاب و إطعامها و تلقيحها و ترقيمها عبر قصاصات تعقب صغيرة مثبتة على أذنيها لكنها تتركها طليقة تتجول في المدينة كما شاءت ، و تختلف الإحصائيات بشأن عدد الكلاب الطليقة في إسطنبول ، فهناك من يقول إن عددها لا يتجاوز مائتي ألف كلب وهناك من يقول إن عددها يصل إلى ثمان مائة كلب في إسطنبول وحدها، و هي كلابٌ ذات حظوة خاصة بين الأتراك و سكان المدينة الأصليين فالجميع يعتني بها و يلاعبها و يطعمها و قد تجد من يُخرج لها من بيته بطاطين و أغطية تتدثر بها خلال أيام تساقط الثلوج على إسطنبول ، كما تجد جزاري الأحياء يتعهدونها بقطع سمينة من اللحم لا أعتقد أن كثيرا من البشر لديهم ميزانية منتظمة لشرائها خارج أيام الأعياد ، و حتى المؤسسات الرسمية التركية لا تقصر في علاجها و رعايتها بيطريا لكن الظاهرة كلها قد تكون جديدةً على مواطنة فرنسية لا يمكن أن ترى في بلدها كلبا طليقا إلا إذا كان استثناء فر  فيه من صاحبه ، أو لعل خوفها من الكلاب هي شخصيا جعل سياحتها في إسطنبول أياما في الجحيم ، و الواقع أن الكلاب في إسطنبول مخيفة لمن عنده استعداد لذلك فهي سمينةُ المظهر ، متينة البنية ، مدللة الطبع ، قوية الشخصية ، و عليك أن تتوقع أنك إذا اجتمعت بأحدها أو بجماعة منها في زقاق ضيق و في ساعة معتمة فلن تتركك حتى تزمجر في وجهك ثم تشم يديك ثم تتفحصك و ربما إذا رضيت عليك و اطمأنت لك ، لعقتك قليلا أو تمرغت على ساقك تطلب منك أن تلاعبها و تربث على ظهرها و تلعب في فروها ، فإذا كنت من الذين يخافون من الكلاب يكون أجلك قد انقضى من الخوف منذ لحظة التعارف أو التحرش الأولى ، و للأمانة فإن هذه الكلاب في النهار و في الأماكن المزدحمة هي مسالمة نسبيا لكن إذا كان الوقتُ ساعةً متأخرةً من الليل و إذا صادفتك مجتمعة مع قائدها في أماكن بعيدة عن الصخب البشري ، فإنها تكون أحيانا خطيرة . علما أن حادثة مدينة كرشهير الواقعة على بعد مائة و أربعين كيلومتر من أنقرة لم تحدث ليلا و إنما وقعت في الصباح في وقت دخول الأطفال للمدارس حيث هاجمت مجموعة من الكلاب طفلة و هي في باب منزلها تنتظر المواصلات المدرسية ثم اعتدت بشراسة على الأم حين هبت لنجدة ابنتها .  و إذا كانت هذه الحادثة يتيمة وحيدة لم يُسمع في البلاد غيرها على مدى عشرات السنين إلا أنها كانت كافية لتبث الرعب أو تجدده في قلوب من يخافون من الكلاب أصلا و يضطرون للتعايش معها طليقة في البلد .

و لعل صديقتنا الفرنسية كانت منهم إلا أنها بدل من أن تعرض الحقائق في مدونتها بوضوح و حياد و تنبه أيضا إلى أن ظاهرة تدليل هذه الكلاب و ملاعبتها و الاعتناء بها هي جزء من الثقافة المجتمعية المتجذرة في تركيا و أنه على السائح أن يتكيف معها بأن يأخذ تدابيره لنفسه كأن يصحب معه جهاز الموجات فوق الصوتية الذي يبعد الكلاب، أو أن يبتعد كلية عن المناطق الخالية لأن كلابها أشرس ، أو أن يحرص على البقاء في الأماكن المزدحمة بالبشر لأن كلابها أهدأ و ألطف ، أو أن يعدل عن السياحة أصلا في إسطنبول إذا كان خوفه من الكلاب الطليقة يصل إلى حد الرُهاب أو الفوبيا ، بدلا عن كل هذا تختار صاحبتنا طريقة العناوين الرنانة المثيرة التي لا تخلو من بعض الزيف و الكثير من سوء الأدب في نقل الحقائق فتستعمل تعبير : عاصمة الكلاب و كأنها بذلك تسب أهل العاصمة جميعا.

 

قلت لها  في معرض نقاشنا : تعلمين أن بعض شوارع باريس كانت في القرون الوسطى مثل مكب نفايات مفتوح و أن الناس كانوا يقضون حاجاتهم في الشوارع و أنهم فضلا عن ذلك كله كانوا يمضون عمرهم كاملا يمسحون أجسادهم بدون استحمام فهل يجوز اختزال عراقة عاصمة الأنوار كلها تحت مسمى عاصمة العرق و القذارة ؟؟  وهل يجوز أن ننسى الوهج البريطاني كله لنلقب لندن بعاصمة الفئران و الجرذان فقط لأني رأيت مرة فأرا في أحد أفخم مطاعم لندن ؟ ؟ و هل يمكن تسمية اليابان بلاد الركوع و الخنوع فقط لأن ثقافة أهلها تقوم على تقديم التحية بالانحناء للآخر ؟؟ و هل يمكن أن ننسى للهند تاريخها وحاضرها لنختزلها في بلد الروائح المزعجة فقط لأنهم يكثرون من البهارات في أطباقهم و في بيوتهم ؟؟؟؟ و هل يمكن أن نغض الطرف عن كل إنجازات أمريكا لشعبها فنسميها أرض الجوع و الشراهة لأن فيها ثمانين مليون شخصا مصابا بالسمنة المفرطة ؟؟؟

قطعا لا و ألف لا ..

أنا لست ضد النقد بالعكس دائما كنت أومن أن النقد هو أصدق و أرقى أنواع المحبة ، فأنت تنتقد ربما إبنك أكثر من إبن الجيران لأنك تغار عليه أكثر و تريده أن يكون الأفضل و لكن إن لم يكن في نقدنا للآخرين رقي و أدب و ذوق و حب فهو يصبح إهانة للآخر لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تبررها باختلافك معه في الرأي أو تحفظك على طريقته في الحياة . و حتى حين يتعلق الأمر بانتقاد مسؤولين لصوص أو مقصرين في أداء واجبهم و ما أكثرهم ، فأنا لا تهمني عيوبهم الجسدية أو ميولهم الشخصية ، لا أنتقد دينهم أو عِرقهم أو لونهم أو خِلقَتهم ، و إنما أصب جام غضبي على تقصيرهم في عملهم كمسؤولين و على حقوق العباد عندهم و على عثرات أدائهم التي يخونون بها مهنتهم.

 

ختاما ، لعلي سلكت المسلك ذاته في هذا المقال إذ نقلت هذين العنوانين المستفزين كما هما ، لكن غايتي لم تكن استفزاز القارئ و إنما التحسيس بأن هذا النوع من الكتابة أو من التعامل الذي يَصِم مكانا جغرافيا أو عرقا بشريا أو غيرهما بوصمة معينة ، بُنيت على أحكام جاهزة و متسرعة لا روية فيها و لا منطق ، هو أكبر أنواع الظلم الذي نتورط فيه اتجاه بعضنا البعض دون أن ندقق . و لنتذكر أن الشيء الأساسي الذي يجعل الإنسان إنسانا هي أخلاقه ، و أن أكبر جهاد يُفترض أن يقوده الإنسان كل يوم ضد نفسه هو جهادُ الحفاظ على أخلاقه ، في كل الظروف و في كل الأحوال و في كل المواقف ، ومهما ساءت أخلاق الآخرين من حوله.

لقد سمعتُ مرةً من أحدهم كلاما جميلا لا أملك صراحة من الثقافة الشرعية ما يكفي لأموضع مكانه من الدين الإسلامي لكن نفسي مالت إليه ، يقول فيه صاحبه ما معناه أن اللهَ تعالى خلقَ الحيوانَ غريزةً بلا عقل و لا خُلق ، و خَلق الملائكةَ بنقاء فطري لا تشوبه شائبة و لا تشوهه غريزة ، وخَلق الإنسانَ بغريزةٍ مع عقلٍ و قلب يُفترض أن يحدا من جموحها فإذا ترك الإنسان غريزته تغلبه كان في منزلةٍ أحطَ من منزلة الحيوان لأنه يملك أداة أخرى غير الغريزة و لم يشغلها ، لكن إذا غلَّب الإنسانُ نقاءَ قلبه و سمو عقله على غريزته كان في منزلة تفوق منزلةَ الملائكة التي غلَّبت النقاء و هي لا تملك غيره ، أما الإنسان فيكون قد غلَّب النقاء بعد مجاهدة النفس و محاربة الغريزة ، و قد أمر الله عز و جل ملائكته بالسجود لآدم تكريما له فسجدت إلا إبليس ، رفض السجود لأبينا آدم ومع ذلك لا زلنا نتحالف مع عدونا ضد أنفسنا و نسمع منه وسوسته و ننفذ له مؤامراته ضد ذواتنا .

 

اللهم ثبتنا و ألهمنا ما يرضيك عنا و اجعل كلامنا صدقة جارية علينا بعد ذهابنا و ومضة نور تمكث في الأرض و تنفع الناس .

 

و إلى الومضة المقبلة بإذن الله







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز