موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
العابرون: بين هايم الشوربة وزرقاء اليمامة وليالي برلين الحزينة

  ( كن عزيزا. وإياك أن تنحني مهما كان الأمر ضروريا فربما لا تأتيك الفرصة كي ترفع رأسك مرة أخرى ) عمر المختار.

 

حدثني صديقي من مانهايم فقال:

 قبل سنوات طويلة كنت  ناشطا ثقافيا ضمن  الجالية اللبنانية في ألمانيا. تعرفت على الكثير من الأفراد والعائلات ومن بين هؤلاء رجل في منتصف الخمسين يدعى أبو هيثم.

كان أبو هيثم شخصا عاديا يعيش مع عائلته الكبيرة ولا يخلو من الطيبة ولا من غرابة الأطوار.  بعد مدة من مخالطتي للناس ومن وضوح الرؤية  لدي بدأت خارطة علاقاتي الاجتماعية تأخذ شكلها النهائي.

ضمن معارفي الجدد رجل يدعى سليم كنت أواظب على زيارته كلما أمكنني ذلك. واتفق أنه كان جارا لأبي هيثم وكان يسكن في البناية الملاصقة.

كان سليم يستقبلني بحفاوة ويخصص لي   في بلكون بيته مقعدا وثيرا مطلا  على الطريق والغابة المقابلة.

في معظم الأحيان كنت ألمح من مكاني أبا هيثم مارا في الشارع خارجا من بيته أو عائدا إليه. ومرة بعد مرة لاحظت شيئا غريبا.. لاحظت أن أبا هيثم في ذهابه وفي إيابه لا يرفع ناظريه عن الأرض بل انه يمشي وقد نظر الى أسفل كأنه يمشط إسفلت الطريق بعينيه.

أشحتُ بوجهي لصديقي: انظر يبدو أن جارك أضاع شيئا وهو يبحث عنه, أجابني ببسمة ماكرة: أنا أيضا ظننت ذلك من قبل فلما سألته تبين لي أنه لم يفقد شيئا.

قلت في نفسي سبحان الله... ليس الرجل من أهل السير والسلوك ولا أسلوبه في غض الطرف مماثل للغض لدى الأولياء والسالكين...فما الأمر يا ترى؟؟؟ 

وعزمت على أن أساله واستوضح الأمر منه.

بعد أيام قليلة كنت مدعوا لإلقاء خطبة في مناسبة وطنية من ضمن فعاليات أقامتها السفارة اللبنانية في مدينة بون وكان أبو هيثم موجودا فتقدم مني بعد الخطاب وسلم علي وشكرني على كلماتي الجميلة والمعبرة على حد وصفه. أثنيت عليه ورديت الشكر بالشكر واللطافة بالكياسة والإطالة بسعة الصدر.   ثم خلوت به وسألته..  هل عندك آلام في العمود الفقري ؟ وهل تشعر بتشنجات في العضلات؟؟؟ احمر وجهه وابتسم مستغربا ثم قال: الحمد لله لا أعاني من أي مشكل صحي ثم استدرك: لولا السكري لكنت في صحة تامة وهمة كاملة... ولكن لماذا تسأل... هل أخبرك احد إني مريض أو إني أعاني؟؟ أجبته: لم يخبرني أحد شيئا ولكني رأيتك مرات عديدة وأنت تمر جيئة وذهابا ولاحظت انك تمشي دائما وأنت منحني الظهر وعيناك ملتصقتان بالأرض..فتوقعت أن تكون أضعت شيئا تبحث عنه, فلما رايتك بعد شهور تمشي بنفس الانحناء أيقنت انك لم تضع شيئا ففكرت ربما يكون عندك أسباب طبية لمشيتك تلك.

نظر إلي  أبو هيثم  بعينين ضيقتين وقال سأخبرك عن سر مشيتي المنحنية وسبب انحراف  بصري الدائم نحو الأسفل والتصاقه بتفاصيل  الحجارة وأعقاب السجائر والمهملات  وحتى بذرات التراب والغبار المتناثر فوق الأرصفة والطرقات..

أنصتُ  إليه بصمت ولم أعقب فتنفس وبدأ يسرد الحكاية:

عندما وصلت إلى ألمانيا قبل خمسة عشر عاما نقلت مع عائلتي إلى (هايم) للاجئين في مقاطعة (باير مينشن). كانت تلك المقاطعة من أكثر المقاطعات يمينية وبغضا للأجانب. وكانت حكومتها تفرض شروطا وإجراءات  قاسية في حق اللاجئين, على سبيل المثال, اللاجئون إلى ألمانيا في كل الولايات يحصلون على رواتب ماليه ويترك لهم حرية شراء ما يريدون أكله  أو لبسه إلا في باير حيث لا يسمح للاجئ الحصول على الطعام إلا من مطبخ (الهايم) ...لدرجة ان ذلك المكان صار  معروفا  بين المهاجرين باسم (هايم الشوربة) لان الشيء الوحيد المتاح للاجئين  في باير الحصول عليه بدون تصعيب وتعقيدات هو صحن الحساء.

ابتسم ثم أضاف: الأجنبي الذي قطع البحار والمحيطات لكي يصل إلى ألمانيا, إن كان حظه جيدا يكون فرزه من كارلسروة  إلى هامبورغ او بادن فيرتمبرج حيث يحصل بسرعة على منزل مستقل وراتب  سخي له ولعائلته.. أما إذا كان حظه عاطلا, فيفرز من كارلسروة الى باير  حيث تقول له الملائكة: أهلا بك في هايم الشوربة . هناك في تلك البقعة المقطوعة من العالم لديك حساب حساء مفتوح  فلك الحق في  ان تحصل دائما على الشوربة المخزنة  في براميل كبيرة متجاورة  مثبتة على قواعد تتراقص من  تحتها ألسنة اللهب التي تعمل بالغاز  وتبقى طوال النهار  ساخنة وجاهزة للتقديم عبر حنفيات مثبتة أسفل البراميل  كأنها صف من حنفيات الوضوء في المساجد ... فإذا أردت أن تأكل او تشرب او تتحلى, فما عليك إلا أن تأخذ طاساتك وتذهب إلى احد  تلك البراميل الموضوعة  على النار , تفتح الحنفية تملأ الطاسات بالحساء الساخن ثم ترجع الى غرفتك الضيقة تتناول ما في الطاس  بصمت وسكون على وقع ضجيج الأولاد وعجيج اللاجئين.  

ازدحمت عينا أبي هيثم بسحابة عابرة  فزفر تنهيدة  ثم أكمل قصته:  كنا نجلس طوال النهار ...لا نفعل شيئا سوى الانتظار.. ولا نأكل شيئا سوى من تلك البراميل اللعينة. في المرات القليلة التي سمح لنا فيها بمغادرة الهايم.. كنا نجول على المحلات.. نتأمل الواجهات... نشتهي كلّ شيء ولا نشتري شيئا لأننا لم نكن نملك المال.

وفي يوم من الأيام قررت أن أخرج من الهايم دون أذن ولا دستور ... فتحت باب الحديد وخرجت...رحت أتجول في الطرقات على غير هدى .. لم أنظر الى الناس, لم انظر الى السيارات ...كانت عيناي ملتصقتان بالإسفلت ... لوهلة شعرت أني اعمل مسحا  للشوارع  والأرصفة والممرات كأنني ألة سكانر او كأنني كاسحة ألغام.

مضى النهار وأنا أسير ناظرا الى الأسفل أغربل بناظري مخلفات قليلة متناثرة في الطريق كأعقاب السجائر وعلب التبغ الفارغة وبعضا من أغلفة الواقي الذكري المستعملة.. .فجأة وقبيل الغروب ببنما أنا في طريق العودة  إلى الهايم وقد أدركني اليأس والتعب...فتحت عيني على وسعهما ولم اصدق نفسي...خلت لوهلة إني أحلم أو أني أتوهم... لم يطل بي الأمر حتى أكملت انحنائي الى الأرض.. أخذتها بيدي المرتعشة من الفرح والانفعال قبلتها ووضعتها على رأسي .. عاودت النظر إليها وأنا أكاد لا اصدق... يا لها من ورقة زرقاء جديدة لماعة من فئة المائة مارك ألماني. ومن تلك الورقة الساحرة  ظهر وجه إمراءة  تشبه الموناليزا.

منذ ذلك اليوم وقعت في هوى زرقاء اليمامة, وعلى الرغم من مغادرتنا باير  والتخلص من نير  براميل الحساء التي لا تنضب والانتقال الى منطقة روتفايل حيث البيت الجميل والمال والسيارة, إلا أنني أصبحت مدمنا على السير وأنا أنظر إلى أسفل على أمل أن أجد حبيبتي الغالية...حالة انحنائي تضاعفت بمرور الوقت وقد ثبتتها الأيام وزادها مضي السنين رسوخا....فلم يعد بمقدوري أن امشي مشية أخرى  ولا أن انظر إلى أعلى, ومازلت إلى الآن وحتى هذه اللحظة أمشي بنفس الطريقة دون أن اشعر باليأس أو أن أقطع الأمل في انتظار أن يبتسم لي الحظ مجددا فأجد سيدتي الفاتنة بعد طول غياب وبعد فراق.

توقف صديقي عن السرد, ركز نظره في ساعة يده كأنه يمهد لختام قصته, ثم أضاف: سألت أبا هيثم هل وجدت ورقة نقدية أخرى بعد تلك الورقة ؟؟؟

أجابني بضيق وانزعاج: للأسف كانت أول ورقة وآخر ورقة من فئة المائة, ثم استدرك متابعا... في مرة من المرات وجدت ورقة من فئة العشرين ماركا, سوى ذلك لا أذكر أني وجدت شيئا جديرا بالذكر.  ولكن من يدري؟؟ ربما غدا يكون الملتقى؟؟

 تابع صديقي حكايته إلى خواتيمها: عدت إلى حياتي وتابع ابو هيثم انشغاله بالبحث عن زرقاء اليمامة  دون أن يجد لها أثرا في شوارع برلين ولا في غيرها من المدن.. وفي غضون ذلك كان قد أهمل عائلته تماما بل قسم زوادته عن زوجته وأولاده فصار له  في المنزل خزانة خاصة يضع فيها طعامه  الخاص ثم يقفلها بالمفتاح. وصار له تلفزيونه الخاص..وأدواته المنزلية الخاصة.

وفي ليلة ليلاء جمع ثروته التي خزنها على مدار سنوات طويلة عبر ادخار مبالغ كان يحصل عليها من مركز المساعدات الاجتماعية وصندوق الطفولة مخصصة لإطعام زوجته وأولاده. رتبها في حقيبة السفر أكداسا أكداسا. وعند الصباح شمّع الخيط وراح, ترك أسرته نهبا للتيه والضياع وفر عائدا بمفرده إلى لبنان.

هناك في بلد الأرز بعث أبو هيثم من جديد كأنه طائر فيينيق خرافي, بدأ ربيع حياته الثاني, صار عريسا جديدا,  تزوج بفتاة صغيرة وسكن معها في شقة كبيرة, شقة كان من المفترض أن تكون مسكنا لأم هيثم وأولادها بعد عودتهم إلى ربوع الوطن, تلك الشقة  دُفع ثمنها بالقهر والحرمان وسُددت  أقساطها عبر سنوات صبر طويلة  قضاها أولاده  بين الإملاق والكفاف.

وصل خبر العرس إلى  أم هيثم, أصيبت المرأة بالجنون, راحت تمشي في شوارع برلين على غير هدى, أوقفت من قبل الشرطة ثم أدخلت إلى المصح لفترة وجيزة قبل أن تنقل للسكن في بناية مخصصة للعجائز المشردين والمدمنين على الكحول والمخدرات. لم يطل بها المقام. ماتت بين أقربائها الجدد من الغرباء والمنبوذين.

 لم تحتمل ابنة أبي هيثم وضعها الجديد كأم بديلة لأخوتها الأربعة الصغار ففرت من البيت لتتزوج بغجري من أصول رومانية. اتصل الجيران بالإدارة المختصة, وصل موظفو مكتب الرعاية الاجتماعية, وجدوا الأطفال في حالة يرثى لها أخذ ثلاثة منهم  إلى هايم  الأيتام  وأدخل الرابع  إلى المصحة النفسية بسبب نوبات قلق وصعوبات في التنفس.

هيثم, الولد البكر,  كان قد شب عن الطوق فلم يتعطل وإنما ذهب ليسكن مع صديقته البولندية.

تبددت عائلة أبي هيثم وتفرّق شملها وأعطي البيت الكئيب لعائلة مهاجرة جديدة وصلت حديثا من ألبانيا.

كانت سماء برلين في ذلك اليوم حزينة  كوجه طفل تقلص استعدادا للنحيب والبكاء. أما في أحد الأبراج العالية للمدينة العريقة فخرج صوت مرح من  نافذة مكتب فخم يقول بلهجة واثقة: ما يعطى اليوم سيستعاد غدا, فالاستثمار  في الدماء الطازجة الشابة مجد حتما, وهؤلاء  الصغار, بغض النظر عن خلفيتهم الاتنية  أو الثقافية, سيتحولون إلى طاقات مبدعة  وسيشكلون نسيجا حيويا مهما وسيسهمون إسهاما حاسما في إعادة بناء وترميم الهرم السكاني المتداعي للقارة العجوز.  
سهيل   بين الغرب والشرق   September 2, 2018 6:34 PM
هذه البلاد الغريبة /الكافرة/ قدمت لنا المسكن ودفعت لتعلّمنا وفتحت لنا أبواب العمل
احترمتنا وعاملتنا كمواطنين لنا حقوقنا كسكان البلد الأصليين وعلينا واجباتهم
بينما تخلت عنا البلاد الشقيقة /المؤمنة/ أو رمتنا في الشوارع
وإن كنا من المحظوظين حصلنا على خيمة بالمقابل انتهكت أعراض النساء واضطر الأطفال
للعمل وغالبا الشحادة وبيعت الفتيات وسرقت أموال المساعدات التي تقدمها الدول الغربية
أما كيف تعاملنا مع هؤلاء الكفار وأتحدث عن البعض وليس الجميع
نستلم المساعدات ونعمل بالأسود ونغتصب الفتيات ونتأفف من مظاهر الكفر كبيع الخمور
ونمتعض لأن هؤلاء الكفار لا يحترمون مشاعرنا في رمضان فتجدهم يأكلون ويشربون
فيغضب القلة فيذهبوا لتكسير قسم الخمور في المحلات موضحين أن هذا لا يرضاه الله
ونصلي في الشوارع مانعين المرور ونكسر الصلبان ونرمي القمامة في مقابرهم
ونخرج في مظاهرات منادين الله أكبر مطالبين تطبيق الشريعة
نحتفل لأننا استطعنا أن نجعل أحدهم مسلما رغم أنه لا يفهم العربية ونقتل من تتزوج
منهم دفاعا عن شرف الأمة والإسلام
نتكلم عن فجور هذه المجتمعات وهشاشة العلاقات الأسرية ونرفع رأسنا عاليا لأن
نساءنا وحتى طفلاتنا عفيفات شريفات والدليل قطعة القماش تلك على الرأس
ننتظر إذا خرجنا إلى الشارع أن يضحك الجميع في وجوهنا ويبدؤونا السلام
فإن فعلوا سلموا وإلا فإنهم عنصريون حاقدون كارهون للإسلام
فهل سيأتي يوم نفيق فيه من غفوتنا

سهيل   المغزى   September 2, 2018 7:24 PM
بدأتها بمقولة عن الأنفة والكبرياء
وقدمت بطل القصة كشخص تافه لا يمكن احترامه
فمن يجد /مفقودات/ في هذه البلاد إما يتركها مكانها
أو يذهب بها إلى قسم الشرطة
ثم وصفته حزينا لأن عمله كماسح طبوغرافي للشوارع
لم يكافئه بالكثير من الأموال المفقودة
متأففا من عنصرية الألمان في منطقته وبخلهم
حاسدا للآخرين المحظوظين في مناطق أخرى
سارق للمعونات المقدمة لزوجته وأولاده
متخليا عنهم مدمرا لأسرته بعد سنوات طويلة
وعائد بالأموال المسروقة ليشتري بيتا وعروسا صغيرة
تبا له ولتلك العائلة التي أعطته بنتهم الصغيرة زوجة
لو كنت مكان زوجته وأولاده لركلته في مؤخرته
طاردا له من البيت متحررا من هكذا شخص أناني تافه
وأخيرا أنهيت قصتك بأن أوروبا القارة العجوز
تجدد شبابها بأطفال المهاجرين
هل تعلم أن كل عائلة مهاجرة تكلف الدولة أكثر من مائة ألف بالسنة
هذا دون حساب الطبابة والتعليم وعدم دفع الضرائب نتيجة العمل بالأسود ووووو
فلو أرادت الدولة تجديد شبابها /حسب قولك/ فيكفيها أن تعطي مكافئة عشرة آلاف
لكل مولود فستحصل على ما يزيد عن حاجتها /إن كانت بحاجة/
ولكانت تخلصت من معاناتها في تقويم الإعوجاج الأخلاقي في معظم المهاجرين
ولما ابتلت بازدياد الفساد والجريمة....
هذا الشعار الإسلامي المنتشر بين المهاجرين يدل على الجحود
فبدلا من شكر الغربيين لكرمهم نتمنّن عليهم بأنهم هم كانوا بحاجتنا







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز