حسين كركوكلي
huseinkerkuk@hotmail.com
Blog Contributor since:
27 June 2010



Arab Times Blogs
وطن ضاع في المتاهات ، هل ينهض ا لعراق بالمظاهرات الدموية والانقلابات ؟

 

لعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم اكثر من سابقته :هل ان المظاهرات والانقلابات تحقق المعجزة .وهل تمتلك النخبة العراقية والساسة العاملون في الساحة مشروعا وخطة تنمية وطنية شاملة وواضحة المعالم للنهوض بالبلد ؟؟.

منذ الانقلاب العسكري  يوم 14 تموز عام 1958 والذي اخرج الدولة العراقية عن سكتها الطبيعية في  التطور والتنمية  والبناء في كافة المجالات  , لم يرى العراق اجواءا سياسية هادئة سوى لفترات محدودة بانتظار العاصفة الهوجاء القادمة!.

الانقلابات العسكرية  فتحت في العراق ابواب عدم الاستقرار والمجازر والحروب  الطويلة وغزو الدول  الجارة للعراق , وبدلا من التنمية والنهضة الشاملة ظهرت الشعارات  الوحدوية والاشتراكية والعدالة  وقسم منها شعارات من  احلام العصافير مثل الوحدة بين الدول العربية فسقطت هذه الشعارات تباعا واحدة تلو الاخرى !.

وبدلا  من ان تتعاون الاحزاب اليسارية والقومية بعد الانقلاب العسكري في تموز 1958  في العراق فيما بينهم  لبناء مزدهر  تقاتلوا فيما بينهم حد افناء بعضهم البعض الاخر!. ولم يمنحوا حتى فرصة صغيرة لتبلور افكار  ديمقراطية ليبرالية .

كانت الاحزاب اليسارية والقومية  في العراق  فيها من الكفاءات الكثيرة في الاختصاصات والعلوم المختلفة قادرة على بناء دولة قوية  متطورة ينعم شعبها بالرفاه .

فدخل العراق دوامة الانقلابات الدموية  والتي تسمى (حصريا)  في الشرق الاوسط فقط بالثورات!  وبالحروب الكارثية والحكومات الفردية الدكتاتورية والعشائرية.

وتزامنا مع ارهاصات نجاح الثورة الاسلامية في ايران  غزت العراق افكار الاسلام السياسي والتي كانت طارئة  هي الاخرى اكثر من غيرها من الافكار وحامليها على عجلة من امرهم  لاستلام السلطة تقليدا  لما جرى في ايران بدون ان تكون لدى اصحابها ا اية فكرة عن بناء الدولة والاقتصاد او خبرة في التنمية  او الاندماج السكاني  والتوازن بين القوة والحريات والحاجة الى تحديد  النسل والحفاظ على البيئة وتوسيع المساحات الخضراء وتوفير فرص العمل   , بل تبين فيما بعد ان ليس لهم اية  ضبط نفسي في المحافظة على المال العام وبدلا من ذلك  توغلوا  في الفساد  وغاصوا  في  نهب ثروات البلد وهدرها  بشكل سافر.

هرول المعارضون العراقيون  قبل السقوط  في 2003  وراء المشروع الامريكي  نحو العراق وهو امريكي  بظاهره  واسرائيلي  بعمقه وتفصيلاته , وحصدوا ثمار هرولتهم بعد الغزو العسكري الامريكي للعراق بمشاركتهم في حكم العراق والاستئثار  بالمناصب  وعقود المشاريع والرواتب وغيرها.

اجادت هذه النخب السياسية التي هرولت الى وسط الساحة السياسية العراقية التي كانت فارغة وخالية من السياسيين بفعل تصفيات النظام السابق وخنقه للحريات لعقود طويلة لذلك خلت الساحة من نخب سياسية تعرف وتستطيع بناء دولة.

  والمعاروضون الذين جاؤو  من دول الجوار واوربا ومن وراء البحار  لم يكن يحملون  اية  فكرة او خطة او سياسة او برنامج  وطني  للنهوض بالبلد بل ان اكثر هذه النخب والقيادات الحزبية  كانت اصبحت لها عقود طويلة في بلدان المهجر   ليست  لها اية فكرة عن العراق وشعبه والتغيرات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي طرأت عليه  نتيجة الحروب والحصار , لكنها  استطاعت  ان تقنع غالبية  الشعب باهمية الانتخابات والديمقراطية كبديل عن نظام فردي شمولي , ولكن بدلا ان يبنوا دولة عمودية وهرمية  شكلوا حكومة افقية  فاصبحت الافكار والعقائد المختلفة  والمتناقضة  والمتضاربة  لنخب الطوائف والاحزاب والتيارات في الحكومة والبرلمان والقضاء  مرتبطة مصالحها بالاخرى والكل اصبح ضمن السلطة وشريكا في تقسيم الكعكة ( حسب تعبيرهم) !!!. فلا معارضة في البرلمان ولا مساءلة الرئيس او رئيس الوزراء  وحتى استجواب الوزراء كانت ولازالت  حالة نادرة جدا وبدون نتيجة مادام الكل يأكلون على نفس المائدة  ويتقاسمون السرقات  فيما بينهم. بل الاغرب  ان اصبحت القوة القضائية تحت امرة الجهاز التنفيذي  عمليا لانها ضمن المحاصصة الحزبية والطائفية والقومية , فمثلا رئيس مجلس القضاء الاعلى  مدحت المحمود (كردي فيلي) نتاج لهذه  التشكيلة الحكومية  الافقية والمحاصصة.

فهو كردي يعني  احدى يداه   مع الاحزاب الكردية  وفيلي يعني شيعي يده الاخرى مع الاحزاب الشيعية وكان عضو شعبة بعثي أيد قانون  قطع صيوان  الاذن للفارين من الخدمة العسكرية  في زمن النظام السابق!  

وكانت الاحزاب الكردية بعد السقوط  اكثر اجادة وبراعة  في  استغلال الاحداث و الاستفادة والاستحواذ وامتصاص اموال العراق وبث السموم   والتي عملت بالمعادلة التالية : نصف العراق لنا  وشركاء  في النصف الآخر!. مستفيدة من انشغال الغالبية العربية في العراق بالحروب الطائفية والمشاكل والسجالات  التاريخية العقيمة والاتكال على الاجنبي حسب الانتماء الطائفي بالاضافة الى ضعف الادارة والارادة!.

 

فالاخوة الاعداء (حسب تعبير الاديب الروسي دستوفيسكي )  اصبحوا  في اي تشكيل حكومة  اصدقاء في السلطة  ومتحالفون في الغنيمة والاموال, واعداء  ومخالفون  على شاشات التلفزيون  ووسائل الاعلام  !.

فكان من نتيجة المحاصصة بين سنة 2004 الى سنة 2014 ارتقع عدد الذين يتقاضون  الرواتب والامتيازات من الدولة بشكل كبير جدا حيث  بلغ عدد الموظفين في العراق حوالي 2 مليون وعدد المتقاعدين اكثر من 2 مليون وعدد القوات المسلحة والامنية  والحشد والبيشمركة ما يقارب 2 مليون ايضا , اي ان ما يقارب من 8 ملايين عراقي مع عوائلهم اتكلوا على الدولة لان النخبة الحاكمة(كما اسلفنا)  لم تكن لديها اية خطة او برنامج  لتوسيع القطاع الخاص وبناء مدن صناعية او تخصيص اراضي لبناء المعامل والشركات المنتجة  فظهرت  فروقات طبقية  بين الاشخاص والعوائل التي تعمل في دوائر الدولة وشركاتها وبين الشباب العاطلين عن العمل والذين  وجهوا اعينهم صوب  التعينات في مرافق الدولة !.

والغريب انه حسب احصاء سنة 2018  ان ما يقارب من مليون عمالة اجنبية وغالبيتها من الدول شبه القارة الهندية واسيا يعملون في المجالات الخدمية في العراق !.

لذلك اصبحت الميزانية  لا تفي بحاجة الرواتب المتصاعدة  فاقترضت الحكومة العراقية اكثر من 100  مليار دولار من البنوك العالمية والبنك الدولي بعد السقوط وحتى سنة 2018

فالذي يطرح اليوم من خطة  للانقلابات العسكرية  والمظاهرات الدموية  ليست حلا  لازمة العراق الراهنة.

تاريخ العراق الحديث مليئة بالانقلابات والمظاهرات الدموية  فكلها فشلت وسقطت  بسبب نرجسية اصحابها او تبعيتها اوعاطفيتها  لذلك اصطدمت  بصخرة الواقع!.

فالتنمية وفرص العمل ونظافة البلد واعمارها ينبغي ان تبنى البلد من الادنى ومن اصغر المشاريع مثل المجاري والتشجير والشوارع والجسور وصولا الى الاعلى  وليس العكس.

ربما تكون المظاهرة عامل ضغط  على الحكومة لاستعجال مشروع معين او زيادة راتب عمال شركة  او قطاع معين كما  تحصل في اوربا وخاصة فرنسا ولكنها ليست الحل لنهوض وتطور امة!.

وحتى الانتخابات في العراق  بدلا ان تكون مفتاح حل اصبحت عملية مقززة لكثرة الفساد والتزوير وتبذير المال العام  في شراء الاجهزة بمئات الملايين من الدولارات وهدر الوقت والنتيجة تبادل نفس الوجوه لادوارها!.

فالذين يحكمون العراق ليسوا مستوردين من المريخ وانما هم نتاج  ثقافة هذا الشعب !!.

فالمظاهرات في العراق سحابة صيف ثم تنقشع والنتيجة لا شئ سوى  موت شباب الفقراء من الاحياء الشعبية والعشوائية ووعود واصلاحات ترقيعية من الحكومة.

فربما ينطبق مقولة المفكر الالماني كارل ماركس على وضعنا الحالي : الشعوب تستحق مصائرها! .

فالظاهر ليست هناك في الفترة المنظورة  في العراق  اية علامات على اصلاحات سريعة واساسية في نهج المحاصصة المقيتة والقضاء على الفساد.

 

 

حسين كركوكلي (زينل)

huseinkerkuk@hotmail.com

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز