مريم الحسن
seccar4@wanadoo.fr
Blog Contributor since:
16 October 2012

 More articles 


Arab Times Blogs
البحث المنهجي كأسلوب حياة... وسيلة للتطور و للإرتقاء
مقدمة
أ ـ البحث فعل فطري إنساني:
منذ لحظة الوجود الأولى و حتى يومنا هذا, رافق فعلُ البحثِ الإنسانَ في مختلف مراحل تطوره. فالبحث, عدى أنه نشاط فكري و فعل حركي, هو أيضاً سلوكٌ حيوي يتشارك به الإنسان و الحيوان على حد سواء, كونه المحرك الخفي و الشرط الضروري لضمان عملية استمرارية الوجود و بقاء الكائنات الحية على قيد الحياة.
لطالما كان البحث هاجس الإنسان الأول, و لا يزال مرافقه الدائم في كل مرحلة من مراحل حياته, لا بل هو ملازم له  في كل خطوة يخطوها و في كل نفس يتنفسه, كأنه الرئة الخفية التي يتنفس بواسطتها أسباب بقائه و ضمان استمرار وجوده. فالبحث, بالإضافة إلى أنه فعل إرادي يقوم به الكائن الحي عن وعي و إدراك في سبيل تحقيق هدفٍ معيّن, هو أيضاً, و في الوقت عينه, سلوكٌ غريزي لا إرادي كونه مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بوظائف الكائن الحي الحيوية المؤمنة له أسباب حياته, و بحواسه الحسية الضابطة لمختلف أشكال تواصله مع محيطَه الخارجي, على المستويَين البيئي و الاجتماعي من ناحية, و مع بيئته الداخلية بشقَيها النفسي و العضوي من ناحية أخرى.

ب ـ معنى كلمة بحث:
إذا ألقينا نظرة على قواميس المعاني, بأي لغة كانت, و طالعنا صفحاتها بهدف الاستدلال على معانٍ مرادفة لكلمة "بحث", لوجدنا أن لفظة كلمة "بحث"كفعل هي مرادفة لمجموعة معانٍ و أفعال تصب كلها في معان السعي خلف هدف ما أو ضالة ما. فـ"بحث"تعني: فتّش, نقّب, سعى خلف حاجة أو هدف. كما لو أن الكلمة تدلل على نشاط حركي مكرر في شكله و مستمر في ذاته و متسلسل في خطواته, تحركه فكرة ذهنية تقود عمليته الحركية, و تدفعه باتجاه واحد هو الوصول إلى الهدف المؤسس لوجود الفكرة ذاتها التي أوجبت انطلاق عميلة النشاط و وجّهت خطواته. أي بمعنى آخر, أن فعل البحث بذاته هو عبارة عن خارطة وصول متشكلة من عدة عمليات ذهنية و حركية متسلسلة و متواصلة بشكل مستمر بحيث أنها لا تتوقف إلا بانقضاء حاجتها أو انتفاء أسباب وجودها أو بتبديلها بإعادة تشكيلها و صياغتها لتتناسب مع أهداف الفكرة المؤسسة لوجودها.

أما المعنى الاصل لكلمة بحث كما أوردته معاجم اللغة العربية فهو كالآتي :
في معجم تاج العروس" بَحَثَ " تعني : طَلَبُكَ الشَّيءَ في التُّرابِ . بَحَثَه يَبْحَثُه بَحْثاً وابْتَحَثَه فهو يَتَعَدَّى بنفسه وكثيراً ما يستعمله المُصَنِّفُون مُتعَدّياً بفي فيقولون : بَحَثَ فيهِ والمشهورُ التَّعْدِيةُ بَعَنْ كما للمصَنّف تَبعاً للجوهريّ وأَربابِ الأَفعالِ . والبَحْثُ : أَنْ يَسْأَلَ عن شَيْءٍ ويَسْتَخْبِرَ . وَبَحَثَ " عنه كمَنَعَ " يَبْحَثُ بَحْثاً : سَأَلَ . كذلك " اسْتَبْحَثَ " واسْتَبْحَثَ عَنْه . قال الأَزْهَرِيّ : " ابْتَحَثَ وتَبَحَّثَ " عن الشَّيْءِ بمعنىً واحدٍ أَي " فَتَّشَ " عنه وفي نسختنا : انبحثَ بدل ابْتحثَ وهو خطأٌ . وفي المثل : " كالباحِثِ عن الشَّفْرَةِ " وفي آخَرَ " كبَاحِثَةٍ عن حَتْفِها بِظِلْفِها " وذلك أَنَّ شاةً بَحثتْ عن سِكِّينٍ في التُّرَاب بِظِلْفِها ثم ذُبِحَت به . قولهم : ترَكْتُه بِمَبَاحِث البَقرِ : " مَبَاحِثُ البَقَرِ " : المَكانُ " القَفْرُ أَو المكانُ المَجهولُ " يعني بِحَيْثُ لا يُدْرَي أَين هو . " والبَحْثُ : المَعْدِنُ " يُبْحَث فِيه عن الذَّهَب والفِضَّة قاله شمِرٌ . البَحْثُ " : الحَيَّةُ العظِيمةُ " لأَنها تَبحَثُ التُّرَابَ.

و في معجم لسان العرب "بحث " تعني : طَلَبُكَ الشيءَ في التُّراب بَحَثَه يَبْحَثُه بَحْثاً وابْتَحَثَه وفي المثل كالباحِثِ عن الشَّفْرة وفي آخر كباحِثةٍ عن حَتْفها بظِلْفها وذلك أَن شاةً بَحَثَتْ عن سِكِّين في التراب بظِلْفِها ثم ذُبِحَتْ به الأَزهري البَحُوثُ من الإِبل التي إِذا سارتْ بحثت الترابَ بأَيديها أُخُراً أَي ترمِي إِلى خَلْفِها قاله أَبو عمرو والبَحوثُ الإِبلُ تَبْتَحثُ الترابَ بأَخْفافِها أُخُراً في سَيرها والبَحْثُ أَن تَسْأَل عن شيء وتَسْتَخْبر وبَحَثَ عن الخَبر وبَحَثَه يَبْحَثُه بَحْثاً سأَل وكذلك اسْتَبْحَثَه واسْتَبْحَثَ عنه الأَزهري اسْتَبْحَثْتُ وابْتَحَثْتُ وتَبَحَّثْتُ عن الشيء بمعنى واحد أَي فَتَّشْتُ عنه والبَحْث الحَيَّةُ العظيمة لأَنها تَبْحَثُ التُّرابَ وتَرَكْتُه بمباحِثِ البَقَر أَي بالمكان القَفْر يعني بحيثُ لا يُدْرى أَين هو والباحِثاء من جِحرَة اليرابيع تُرابٌ يُخَيَّلُ إِليكَ أَنه القاصِعاء وليس بها والجمعُ باحِثاواتُ وسُورةُ بَراءةَ كان يقال لها البُحُوثُ سمِّيت بذلك لأَنها بَحَثَتْ عن المنافقين وأَسرارهم أَي اسْتَثارتْها وفَتَشَتْ عنها وفي حديث المِقداد أَبَتْ علينا سُورةُ البُحوثِ انْفِرُوا خِفافاً وثِقالاً يعني سورةَ التوبة والبُحوثُ جمع بَحْثٍ قال ابن الأَثير ورأَيت في الفائق سورة البَحُوث بفتح الباء قال فإِن صحت فهي فَعُول من أَبنية المبالغة ويقع على الذكر والأُنثى كامرأَة صَبور ويكون في باب إِضافة الموصوف إِلى الصفة وقال ابن شميل البُحَّيْثى مثال خُلَّيْطَى لُعْبة يَلْعَبون بها بالتراب كالبُحْثَة وقال شمر جاء في الحديث أَن غُلامين كانا يَلْعَبانِ البُحْثَةَ ( * قوله « يلعبان البحثة » ضبطت البحثة بضم الموحدة بالأَصل كالنهاية وضبطت في القاموس كالتكملة والتهذيب بفتحها ) وهو لعبٌ بالتراب قال البَحْثُ المَعْدِنُ يُبْحَثُ فيه عن الذَّهَبِ والفِضَّةِ قال والبُحاثَة التُّراب الذي يُبْحَثُ عما يُطْلَبُ فيها.
 
ج ـ عن ماذا نبحث؟
البحث بشكله الحركي سُنة من سُنن الحياة التي تعزز البقاء و الإستمرار, و البحث بشكله الفكري سُنة من سُنن التطور التي تؤدي إلى  الإرتقاء و الإزدهار. و بما أن لا انفصال بين سنن الحياة و الإستمرار و سنن التطور و الإزدهار, كذلك أيضاً لا يوجد انفصال بين عمليات البحث و التخطيط و التدبير و بين عمليات التطور و التنوّر و التنوير. فنحن ككائنات بشرية على سبيل المثال, نقوم بفعل البحث بشكل مستمر منذ لحظة استيقاظنا حتى لحظة سُباتنا و خلودنا إلى النوم. و قد يرافقنا فعل البحث أيضاً في منامنا عبر الأحلام, فبحسب بعض النظريات الفلسفية التي تحاوِل تفسير أسباب وجود الأحلام و شرح مصادر مضامينها, و علاقة هذه المضامين بين الأعمال التي نقوم بها في يقظتنا في حالة الوعي, و حركة الأفكار و استمرارها في حالة اللا وعي و  إعادة تشكّلها و انصياغها على هيئة أحلام مُستمدة في أغلبها من عناصر و وقائع أو أحداث أحاطت بمداركنا في حالة الوعي, ما يمكنه أن يدلل على أن الحلم ما هو إلا محاولات ذهنية مستمرة لاستكمال عمليات البحث التي بدأها الإنسان في وعيه و أدارها في لحظة يقظته واستكملت هي مسارها و وجهتها بمعزل عن إدارته لها و بشكل عشوائي في حالات لا وعيه أثناء منامه.
و بما أن فعل البحث لصيق بنشاطنا اليومي حتى في أحلامنا و في حالات لا وعينا, يمكننا بالتالي أن نستنتج أن فعل البحث سلوك يدلل على أصله الفطري في تركيبتنا الجينية. و هذا ما يمكن أن يسمح لنا بأن نصنف استخدامنا له على أنه نزعة غريزية نحوه, و بالتالي تفسيره على أنه حاجة حيوية ضرورية و شرطية لبقائنا و استمرار وجودنا. فإذا تتبعنا مسار نشاطنا اليومي في أوقات صحونا, للاحظنا بأننا غالباً ما نكون في وضعية أو حالة البحث عن شيء ما. فعلى سبيل المثال: إذا أردنا أن نشرب بحثنا عن الماء, و إذا أردنا أن نأكل بحثنا عن الطعام, و إذا أردنا أن نكتسي بحثنا عن الملبس, و إذا شعرنا بالخوف بحثنا عن الأمان, و إذا شعرنا بالبرد بحثنا عن الدفء, و إذا شعرنا بالوحدة بحثنا عن التواصل الإجتماعي, و إذا أردنا أن نحسّن مستوى و نمط معيشتنا بحثنا عن الوسائل الموصلة إلى تحقيقها مثل العمل و التجارة و الإستثمار و التعلم, و إذا أضعنا شيئاً ما بحثنا عنه, و إذا أردنا أن نستفهم أو نستفسر عن معلومة أو واقعة أو حدث ما بحثنا عنها في مصادر الإستعلام, و إذا أردنا أن نتعرف على حقيقة معيّنة بحثنا عنها في مراجع المعارف و العلوم, و إذا أردنا أن نستكشف الغوامض المحيطة بنا و بكينونة وجودنا بحثنا عن الوسائل المُوصلة إلى استكشافها, و إذا أردنا أن نتعرف على أنفسنا بحثنا عنها في دواخلنا. و هكذا دواليك و باستمرار, منذ لحظة وجودنا حتى لحظة رحيلنا عن هذه الحياة, نحن في حالة بحث متواصلة و دائمة لا تتوقف إلا مع توقف تنفسنا و انتهاء آجالنا بالموت.

(2) كيف تتم عملية البحث؟
أ ـ خطة و خارطة وصول:
بما أننا دائماً في حالة بحث مستمرة, كما بيّنا و دللنا سابقاً, فنحن أيضاً في حالة تخطيط مستمرة. ذلك أن البحث و التخطيط هما نشاطان متلازما المسار دائماً. فنحن حين نتجه للبحث عن هدف معين نبتدئ دائماً من نقطةٍ افتراضية في أذهاننا هي اللبنة الأولي من نظريةٍ مفترضةٍ لخطةٍ وضعها وعينا للوصول إليه. و حين نضع خطة ما في سبيل الوصول إلى هدف معين نكون قد رصدنا مسبقاً هدفنا و بدأنا مسار الوصول إليه عبر خريطة أو إستراتيجية لتحقيقه أو لبلوغه, أي خطة بحث.

و بالتالي يمكننا أن نستنتج أن لكل عملية بحث هناك خطة أو خارطة وصول ملازمة لها من المفترض أن تحقق لها أهدافها.هذه الخارطة أو الخطة تكون عادة إما مستترة و عشوائية,بمعنى أننا نضعها بشكل عفوي و نباشر بتنفيذها من دون وعي واضح منا لأهمية التراتبية في خطواتها و التسلسل في مراحلها, بحيث ممكن أن تحل مرحلة قبل أخرى أو تُحذف مرحلة لتدمج بأخرى سابقة أو لاحقة, أو حتى ممكن أن تهمل مراحل مهمة في عملية البحث قد تؤدي للفشل في عملية الوصول لأن التخطيط منذ البدء تم في حالة من اللا الوعي الكامل لعميلة التخطيط أو لأنه لم يحترم قاعدة التسلسل في المراحل و التدرج في الخطوات.
مقابل الخطة المستترة أو العشوائية, هناك الخطة الظاهرة أو الممنهجة. و هذا النوع من الخطط على عكس النوع الأول العشوائي, يتسم بالوضوح في الأهداف و بالوعي الكامل لأهمية التسلسل بالمراحل و التدرج بالخطوات بحيث أنه يأتي منظماً موجهاً باتحاد كافة مهارات التخطيط التي قد تتفاوت من ذكاءٍ إلى آخر بحسب مؤهلات وقدرات مُخطِطها, إلا أن هذا التفاوت في المؤهلات لا ينفي صفة المنهجة عن بعضها حتى لو تدنّت مؤهلات واضعها. غالباً ما ينجح هذا النوع من الخطط بتحقيق أهدافه التي وضع لأجلها, كونه مُصمّم وفق منهج يعتمد تنظيم تسلسل المراحل و ترتيب خطوات التنقل بينها.

هذا النوع من الخطط أو الخطة الممنهجة هو ما يعنينا في موضوع بحثنا و ما سنتناوله لاحقاً بشكل مفصل أكثر لنحاول تبيان أهميته لسببين لهما علاقة بهذا البحث, أولاً لأن الخطة الممنهجة هي أُس و عماد البحث المنهجي, ثانياً لأن البحث المنهجي يمكن اعتباره أحدى أهم ركائز عملية التطور و الإرتقاء الحضاري, هذا إذا ما اعتمد كأسلوب حياة و كمنهاج ثابت في عمليات البحث في شتى الميادين المختلفة و ليس فقط في اختصاصات معينة أو لأهدافٍ بعينها.

ب ـ أسئلة لا بد منها:

(ماذا؟)
وضع أي خطة يستلزم دائماً طرح مجموعة من الأسئلة لابد منها لتوضيح مسار الوصول إلى الهدف المرجو من عملية البحث. فنحن حين نرصد هدفاً ما, و نشرع بالبحث عنه نكون قد أجبنا مسبقاً على السؤال الأول من لائحة أسئلة هي عماد أي عمل بحثي منظم. السؤال الأول هو "ماذا؟". لا بد لنا قبل البدء بأي عملية بحث أو أي عمل ذي هدف نهائي أن نسأل أنفسنا أولاً السؤال المفتاح ألا و هو "ماذا؟", عن ماذا نبحث؟ أي ما هو الهدف المرصود. و ما مدى أهمية هذا الهدف الذي نبحث عنه؟ ما هي قيمته؟ إن كان على المستوى الشخصي أو العملي او الاجتماعي أو الإنساني أو الوجودي. هل هو هدف واقعي أو غير واقعي؟ هل الهدف قابل للوصول إليه أم أنه ضرب من خيال؟ هل الهدف له مردود نفعي قابل للإستثمار اقله على المستوى الشخصي؟ أم أن مردوده النفعي (معنوياً كان أم مادي) لا يغطّي كلفة الوقت و المجهود اللذين بذلا لأجله؟

أسئلة من هذا القبيل, هي أسئلة تقييميه تسمح لنا بتقييم الهدف الذي سنوليه جزءاً من اهتمامنا لفترة من الزمن قد تقصر أو تطول بحسب نوع الهدف و قيمته, و أيضاً بحسب مؤهلات الباحث و خلفيته الثقافية أو العلمية التي قد تمكنه, إن حُسّنت و تعمقت , من طرح هكذا نوع من الاسئلة  و الإجابة عنها بذكاء و بنجاح . إذن, "ماذا؟"هو ليس فقط سؤال رصدٍ لهدف ما, بل هو سؤال رصدٍ لهدف معين تمت دراسة أهميته من أكثر من جانب و حوّل إلى هدفِ لبحثٍ موسّع أو أعمق بعد تدقيق و تحليل و تقييم. و بالتالي فإن جواب سؤال "ماذا؟"هو قيمة تستحق البحث و بذل الجهد و الوقت ما يعني أن هدف البحث هو قيمة نفعية قابلة للإستثمار إن كان على المدى القصير(مثلاً : الوقت الراهن أو العصر الراهن...) أو على المدى البعيد ( لسنوات أو عقود لاحقة أو ربما في عصور قادمة).

(لماذ؟)
إجابتنا على سؤال "ماذا؟"التقييمي سيقودنا حكماً إلى السؤال الثاني في قائمة أسئلة البحث المنظم, و السؤال التالي الذي يطرح نفسه  بعد سؤال "ماذا؟"هو "لماذا؟". بعد تقييمنا لهدف العمل الذي نقوم به و إدراكنا لقيمته النفعية سنكون مضطرين إلى تقييمه على مستوى آخر و بنوع  آخر من الأسئلة التقييمية التي يقودنا إليها بشكل مباشر سؤال "لماذا؟". "لماذا؟"هو السؤال الذي سيحدد وجهة البحث أو العمل الذي نقوم به, وهو عملياً أهم سؤال في خطة البحث و منه ستولد أجوبة الأسئلة اللاحقة بيسر و وفق خطة ينظمها إدراكنا بعد وعينا لجدوى العمل الذي نقوم به. لأن سؤال "لماذا؟"سيمدنا بالحوافز التي ستدفعنا إلى استكمال خطة البحث, و سيحرك فينا القدرة على الجد خلف هدفها.

"لماذا؟"هو النتيجة الافتراضية المرجو تحقيقها من السير في خطة البحث. هو جواب بحثنا الإفتراضي على سؤال بحثنا الذي ما زال قيد التحقيق و ما زال هدفاً افتراضياً. الأسئلة المتفرعة من سؤال"لماذا؟"هي أسئلة لصيقة بالأسئلة التي تفرعت من السؤال الأول "ماذا",  و تأتي عادة مكملة لها و موضحة لها بعد أن فرغنا من مهمة التقييم الأول , و هي عادة ما تكون على الشكل التالي: لماذا أبحث عن ماذا؟ (لماذا هذا الهدف بالذات؟), أي استخدام أرجوه من "ماذا؟" (الهدف من بحثي عن هذا الهدف؟), ما هو العائد النفعي المرجو منه و في أي المجالات يمكن استثماره؟ البحث عن "ماذا؟"نابع من محفز شخصي؟(خيار شخصي؟) أم أن محركاته خارجية؟ (واجبات مهنية, اجتماعية, إنسانية, وظيفية...الخ).
كما نلاحظ فإن مجموعة الأسئلة المتفرعة من سؤال "لماذا"هي مشابهة و مكملة لمجموعة أسئلة "ماذا؟"لأن هامش الإفتراق بين السؤالَين "ماذا؟ و لماذا؟"جداً دقيق و غير مرئي, كون السؤالَين هما وجهان لعملة واحدة هي منبع طرحهما و علّة وجودهما في الأصل, أي أنهما عين الهدف الذي يرمي السؤالان إلى تحقيقه لكن قبل تحقيقه. "ماذا؟ و لماذا؟"هما هدف البحث لكن في شكله الإفتراضي قبل أن يتحول بواسطة السعي إليه إلى هدف واقعي محقق. "ماذا؟ و لماذ؟"هما فكرة الهدف و هما المحفزان و المحركان لعملية البحث كلها, لذا التقييم الجيد لهما و دراستهما بشكل علمي و منظم عبر طرح أسئلتهما الفرعية و الإجابة عنها بذكاء و حكمة و دراستها و تقييمها بشكل عميق ستنتج بحثاً ذا قيمة استثمارية قد يعوّل عليه فيما بعد لإنتاج بحوث أخرى مشابهة أو مكملة له أو قد يصار إلى تطبيقه عملياً على أرض الواقع إذا امتلك صفات و شروط التطبيق العملي.

(أين؟)
معرفة قيمة الهدف المراد الوصول إليه و إدراك مستويات أهميته أو عدمها سيفرضان حالة جديدة على عملية البحث ,هي القرار. القرار بالسير قدماً نحو الهدف الذي رسمت أولى معالمه كما تبين سابقاً الإجابات التي تفاعلت مع محفزٍ ما (إما خارجي و إما  داخلي), أو إهماله و البحث عن هدف آخر أجدى و أكثر منفعة. هذه الوضعية الجديدة ستعزز طاقة الباحث لاستكمال سعيه خلف هدفه بجدية أكبر, ذلك بعد أن عرف قيمته النفعية و أدرك أهميته على اختلاف  مستوياتها بحسب نوع البحث و مجال الاستثمار الذي سيصار إلى صب نتائجه فيه, و بعد أن استطاع (أي الباحث) استشراف أفاق و حدود استخدامات بحثه لاحقاً, إن كان بواسطته عبر استكمال بحثه و تطويره في مراحل لاحقة, أو بواسطة باحثين آخرين قد يتطلعون على عمله, و قد يروون فيه بذرة مشروع ممكن استثماره في أبحاث مكملة إن كان في نفس حقل البحث ذاته أو في حقول أبحاث أخرى رديفة أو شقيقة.
اتخاذ قرار استكمال البحث سيقود الباحث مباشرة إلى مرحلة مهمة و أساسية في عملية بحثه, بناءً عليها سيتوضّح مجال البحث و حقله المُراد استثمار نتائج البحث فيه. و حين نتكلم عن الاتجاه, فالسؤال الأول الذي يطرح نفسه مباشرة أمام سلة أفكارنا التي تنتظر بشوق بدء عملية إفراغها و نشر محتواها هو سؤال "أين؟". "أين؟"هو السؤال المهم الذي سيقود عملية البحث لاحقاً و يردفها بالمعلومات اللازمة لاستكمال مسيرتها. فالبحث عملياً هو مسارُ خطةِ عملٍ في حالة عطش دائم إلى المعلومات, و هذه المسيرة أو الخطة لا تكتفي بكمية المعلومات الأولية التي أطلقت شرارة انطلاقها, و هي بحاجة دائمة إلى استسقاء المعلومات من المصادر الرديفة ذات الصلة, و ذلك  بهدف دعم استمرارها و استكمال مسيرة تقصيها لهدفها. لذا, فمرادفات سؤال "أين؟"في أي عمل بحثي هي: "مصدر المعلومات", "خزّان المعلومات", "مراجع", "دراسات", "أبحاث", "وقائع و شهادات موثقة بأدلة علمية", "بيانات", "إحصاءات", "معاجم علمية", "معاجم لغوية".

كما نلاحظ, فأن حجم مرادفات سؤال "أين؟"ضخم و متشعب و كبير, و الغوص فيه يتطلب جهداً و وقت هائلين, لكن عبور مرحلة التقييم و استخراج أجوبة أسئلتها بطريقة ذكية ناجحة ستسهل مهمة الباحث, الذي فور معرفته عن ماذا يبحث و لماذا و ما الهدف المرجو من بحثه و تقديره للقيمة النفعية المتأتية من عمله و في أي المضامير ممكن أن تستثمر نتائجه سيتجه فوراً إلى المصادر و المراجع و الموارد التي يُرادف محتواها مضامين أسئلة تقييم الهدف. أي أنه بمجرد إتقان توصيف الهدف ستتجه "أين؟سؤالِهِ"بشكل تلقائي لتقوده بشكل مباشر إلى المصادر التي تتماهى مع صفات هذا الهدف لتعزيز المعلومة الأولية التي أشعلت جذوة انطلاقة عملية البحث لتدعمها و تردفها بما يلزمها من معلومات تنقصها بهدف استمرار توقدها و تغذية قوة منطقها و إنجاح ظهور بيان حجتها.
مرحلة سؤال "أين؟"يمكن تشبيهها بعملية "الفلترة". حيث أن الباحث في هذه المرحلة سيستثني من قائمة مصادره الرادفة لعملية بحثه أي مرجع معرفي أو مصدر معلوماتي لا يتماهى في محتواه مع صفات اتجاه بحثه حتى لو تضمن المرجع او المصدر المستثنى معلومات عن هدف البحث. لأن هذه المراجع أو المصادر قد تحتوي على معلومات مشابهة للهدف, حضوراً و رمزاً في الشكل و المعنى, لكنها بعيدة عن اتجاه معناه المُراد منه من خلال عملية البحث عنه, أي أن المعلومة المستثناة لا تفيد البحث كون معناها يغذي مضمار آخر لا علاقة له بالمضمار الذي ستُصب نتائج بحث الباحث فيه. على سبيل المثال قد نبحث مثلاً عن موضوع معين لا يعنينا من مختلف أوجهه المطروحة في كم المراجع التي في متناولنا إلا الوجه الفلسفي منه فقط, حينها سنستثني من عملية البحث أية مراجع لا تتناول مضامينُها هدف بحثنا من منظوره الفلسفي, و سنصب اهتمامنا فقط على المراجع التي تتناوله في هذا السياق.

(متى؟)
كل عملية بحث لا بد أن يلازمها توقيت, و لا بد للباحث أن يعرف متى يبدأ بحثه و متى يجب عليه أن ينهيه, أو على الأقل أن يبرمج خطة بحثه على سلم زمني معروف الأجل مسبقاً أو متوقع مبدئياً على أقل تقدير. هذا بالنسبة لتوقيت البحث و بالنسبة لبرمجة مدة إنجازه . لكن سؤال "متى؟"يعنينا منه أيضاً شقه البحثي. "متى؟"تعني التاريخ, التأريخ, الزمن, الوقت, العصر, الحقبة, المُعاصَرة, الحداثة, ما بعد الحداثة, الماضي, الحاضر, المستقبل. في الحقيقة "متى؟ سؤال جداً كبير مرتبط ارتباطاً لصيقاً بالإنسان و بالوجود لكن للأسف غالباً ما نستسخف قيمته أو نستهين بأهميته و نختصره بثلاث خانات تعنون تاريخ إنجاز العمل فقط : خانة اليوم و خانة الشهر و خانة السنة. على الباحث أن يعي أهمية الوقت و هو في طور تنظيم خطة بحثه. و يسأل نفسه السؤال "متى؟"من هذا المنظور,خاصة حين يباشر عملية استقصاء و استسقاء المعلومات و البحث عن المصادر او بتعبير آخر عن الأدلة التي ستقوده إلى ما يرنو إليه من أهداف. و حتى يعي أهمية الوقت و يعي مدى تأثيره على بحثه عليه أن يعي قبلها مدى ارتباط الأدلة التي يسعى خلفها بالزمن و مقدار تأثرها به, و بعد هذا الإستدلال يمكننا أن نستنتج أن الأدلة الأقرب إلى أي هدف هي الأدلة الأحدث و الأقرب إليه زمنياً.
إذن, "متى؟"هي أيضاً عملية "فلترة"و تنظيم للمراجع بحسب تراتبها و تسلسلها الزمني. فمثلاً, إن كان هدف البحث معني بإيجاد حلول لمشكلة ما في عصره الراهن, فالأجدى بالباحث أن يبحث عن أدلة تقوده إلى الحلول المرتجاة من بحثه في الظروف المعاصرة لزمانه, لا أن يستجلب حلولاً أثبتت نجاحها و جدوتها في أزمنة سابقة و في ظروف مغايرة. و إذا كان الباحث يبحث عن إثبات نظرية ما لحالة اجتماعية أو نفسية ما, عليه أن يتقصى ظروف و أنماط و مستويات الحالات الإجتماعية المعاصرة لزمان بحثه  و أن يستشهد بنظريات مشابهة للظروف الإجتماعية و الزمانية ذاتها, لا أن يدلل على ثبات نظريته اعتماداً على نظريات وُضعت في أزمنة مغايرة, و في ظروف مغايرة , و وفق نمطيات تفكير مغايرة, و انطلاقاً من مستويات ذكاء مغايرة قد تكون بعيدة جداً في منطقها عن المنطق السائد في وقت البحث الراهن.
أما إذا كان الباحث يبحث عن إثبات حدثٍ تاريخيٍ ما أو تصحيح تاريخ واقعةٍ تاريخيةٍ ما أو إعادة دراستها من جديد وفق معطيات جديدة, هنا في هذه الحالة و في هذا النوع من الأبحاث لا بد للباحث من أن يغوص في أدق التفاصيل و أن لا يهمل أي دليل و أن لا يستثني أي مرجع معلوماتي قد يقوده إلى هدف بحثه, لماذا؟ لأن "متى؟"اليوم أو الوقت الراهن متّصلة اتصالاً وثيقاً بـ "متى؟"الماضي, و في كل مراحله و حقباته و ظروفه الاجتماعية و النفسية و بمختلف مستويات ذكائه. و بهذه الحالة تكون وقائع "متى؟"اليوم مشروطة بوقائع "متى؟"الماضي لأنها إما كانت ناجمة عن أحداثها, و إما أنها أتت نتيجة قراءة خاطئة لها, فأي تعديل أو تصحيح أو إعادة قراءة لوقائع "متى؟"الماضي سيكون له تأثير مباشر على وقائع "متى؟"الحاضر, ما قد يستوجب إعادة قراءتها هي أيضاً بمنظور مختلف يأخذ بعين الإعتبار المتغيرات التي جرت على "متى؟"الماضي بفعل إعادة دراستها أو تعديل تشكل تأريخها.

(كيف؟)
كما رأينا و دلّلنا سابقاً, فإن لكل عمل بحثي منظم منهج عام يجب على اي باحث أن يسلكه ليصوغ بحثه وفق قواعده حتى يتمكن من تقديم فكرته بشكل مقنع, و بأسلوب يسير, بمَن يريد أن يطّلع على بحثه,على خط سليم في التقديم يقوده إلى فهم وجهة نظر الباحث و ملامسة الهدف من بحثه بصورة واضحة تُخوّله فيما بعد من استكمال الفكرةعبر تطويرها أو انتقادها أو نفي صحتها و جدواها . هذا المنهج العام المكَوّن من الأسئلة التقيمية الأساسية يتفرع منه منهج خاص تختلف شكل ضوابطه و خارطة تشكله بحسب المضمار أو السياق الذي يُراد للبحث أن يصب نتائجه فيه. إذن, كيف؟ هي عنوان المجموعة الأولى من الأسئلة التي فصّلنا مراحلها و أشكالها سابقاً. و من هذه الكيف؟ ستنبثق كيف؟ أخرى تتميز بالتخصيص لتتماهى مع الغاية من عملية البحث. فبمعرفة غاية البحث و أهدافه بعد عملية  "الفلترة"التي قادت المرحلة الأولى من خطة البحث, سيتوجب على الباحث أن يظبط بحثه بحسب القواعد المنهجية للمضمار الذي خصص بحثه فيه, و هذا ما يقودنا بالتالي إلى ضرورة  التعرف على أنواع و أشكال البحوث الموجودة أو المتعارف عليها, و منها سننتقل إلى محاولة تعريف البحث المنهجي و تقديمه بالصورة التي انطلقنا بها مع عنوان بحثنا هذا.

(3) أنواع البحوث أو الأبحاث:
كما قدمنا و أبرزنا سابقاً في المقدمة أعلاه, فإن البحث جزء من حياة الإنسان لأن الإنسان غالباً ما يكون في عملية بحث مستمرة. و هذا الأمر سُنة من سُنن الوجود الإنساني و لصيق سعينا الدائم إلى التقدم و الاستكشاف و التطور. لكن ما يهمنا من بحثنا هنا , هو إثبات أهمية المنهجية في أي عملية بحثية, و عدم اختصار هذه المنهجية فقط على أنواع البحوث التي لها صفات علمية, كما إثبات أهمية البحث المنهجي المنظم إذا ما اعتمد كوسيلة دائمة في جميع شؤون الحياة, أي في جميع أنواع البحوث التي ممكن أن تصادف المرء خلال حياته, إن كانت أهداف هذه البحوث شخصية أو مهنية أو لغايات علمية أو تنويرية.

أ ـ البحث الشخصي
البحث قد يأخذ طابعاً شخصياً, كأن يبحث الباحث مثلاً عن معلومة ما, أو عن معرفة ما, أو عن حقيقة معينة, لا لينقلها إلى مرؤوسيه أو ليطورها وفق وجهة نظر خاصة به, بل ليتثقف بها و ليتنور بها, أو ليرتقي بها كإنسان يبحث له عن هوية بين أقرانه في مجتمعه, كأن ينتمي عبر هذه المعلومة أو المعرفة إلى فريق مجتمعي معين, سياسي كان أو ثقافي أو فني أو رياضي أو أي فريق نشاطي من هذا القبيل أو غيره. في هذه الحالة, فإن أهداف بحث المرء تكون محض شخصية, و غاياتها محض خاصة, ترمي بشكل أولي و على المدى الأقرب إلى التنور و التثقف الذاتي بهدف تنمية الوعي, و تذهب في مداها الأبعد, في مرحلة لاحقة ربما, إلى بناء شخصية خاصة للمرء يبتغي هذا الأخير من ورائها فرصة تمكنه من الانتماء إلى مجموعة اجتماعية بعينها, يتطلب منه الانتماء إليها البحث و التعمق في الأفكار التي قد تقوده إلى أن يصبح فرداً فيها.

ب ـ البحث المهني
و قد يأخذ البحث أيضاً طابعاً شخصي لكن من نوع آخر تكون دوافع و أهداف المرء فيه مزيج بين الشخصي و المهني  , كأن يبحث المرء مثلاً عن مكان إقامة مناسب بهدف تحسين مستوى حياته أو تطويرها, مثل أن ينتقل من مكان إلى آخر بهدف البحث عن ظروف عيش أرقى أو إيجاد فرص عمل أنسب أو أفضل, أو سعياً خلف فُرصِ استثمار أو خلف أفكارٍ ترفع أو تحسن ظروفه الإقتصادية و الإجتماعية أو تتيح له إكتشاف إمكاناته و مواهبه في المجال الإقتصادي, كأن  يبحث مثلاً عن منزل جديد, لا ليلبي حاجة مُلحة إلى السكن فيه بل لشرائه أو لاستثماره بهدف الاستفادة منه اقتصادياً. كما نلاحظ البحث في هذه الحالة يكون ذو طابع مهني, هدف المرء فيه هو تحسين شروط حياته الاقتصادية أو تطويرها,إما عن طريق البحث عن مهنة أفضل, إما عن طريق البحث عن سُبل التربح عبر الاستثمار أو ما شابه, إما عبر البحث عن فكرة ما يستطيع المرء أن يطوّر عبرها أعماله أو أن يوجد بواسطتها عملاً له.
هذا النوع من البحث المهني يمتزج أيضاً في جزء منه بالبحث الشخصي كونه بحث مهني مستقل و لدوافع شخصية و لو كان عنوانه العريض هو البحث عن مهنة أو عن عمل, لكننا أيضاً لا يمكننا أن ننفي عنه الطابع المهني لأن الهدف النهائي منه قد يصب في صالح المصلحة العامة. لماذ؟ لأن البحث عن مهن جديدة و عن تحديث المهن و السعي خلف الابتكار المهني, و لو كان مردوده النفعي الأول يصب على المدى القريب في صالح الباحيثين عنه, إلا أنه على المدى البعيد يصب أيضاً في صالح المجتمع و الإنسانية ككل, لأن التقدم الاجتماعي و التطور الإنساني كان و لا يزال نتيجة بحث الإنسان عن فرص عمل جديدة و عن مهن جديدة, والسعي الدائم خلف الأفكار الخلاقة, و نتيجة لميله الفطري نحو التجديد و التحديث و التغيير و الخلق و الإبتكار
هذا النوع من السعي خلف التحسين و الابتكار أوجد نوع آخر من البحث المهني لكن ذو شكل مؤسساتي, يتم بناءً على طلب خارجي يلتزم فيه الباحث بتقديم تقرير مفصل و منهجي في نهاية عميلة بحثه. هذا الطلب الخارجي قد يكون من قبل رب العمل أو من قبل المؤسسة التي يعمل فيها الباحث, و يكون البحث فيها جزء من عمل الباحث, بحيث أن وظيفة الباحث في هذه المؤسسة هي البحث عن تطويرها و تحديثها و إيجاد أفضل و أنسب السبل إلى ذلك, عبر دراسات دورية, و بحوث ممنهجة تُقدم بانتظام عبر تقارير ترفع إلى مرؤوسيه للنظر فيها و لتطبيقها بغية تحسين ظروف و شروط عمل المؤسسة المعنية, أو لتطوير إنتاجها و بالتالي زيادة كفاءاتها و رفع مستوى آدائها , مما يساهم في ترسيخ وجودها المعنوي كمؤسسة فاعلة في المجتمع و مساهمة في تطوّره و تقدّمه.

(4) البحث العلمي
البحث العلمي يشمل عدة أنواع من البحوث, منها ما هو نظري, و منها ما هو تطبيقي.
(البحث النظري)
النظري من البحوث العلمية  غايته نشر المعارف و العلوم و نقلها إلى الأخرين. كما أيضاً من أهدافه تطويرالعلوم و المعارف عبراستخراج النظريات و القوانين منها بعد التعمق فيها و دراستها, و بعد الإلمام بكل الأراء المطروحة حولها من دون إغفال نقد ما  جانب الصواب منها, لكن بحجة مقنعة ومن خلال برهان يثبت صحة التوجه نحو النقد, كما أيضاً تثبيت ما قارب  الصواب فيها من أفكار ساهمت في تطورها من خلال التأكيد على صحة هذه الأفكار أو النظريات لكن أيضاً بحجة و دليل و برهان يؤكد صحتها.
(البحث التطبيقي)
أما التطبيقي من البحوث العلمية, فهو ما يهدف إلى تطبيق القوانين و النظريات التي استخرجتها و طرحتها الأبحاث النظرية, و ذلك بإخضاع هذه النظريات و القوانين إلى تجارب مخبرية بهدف إثبات صحتها من عدمها أو تطويرها عبر إيجاد نظريات أخرى بديلة أو مقابلة أو مكملة لها أظهرت التجربة إمكانية وجودها أو نجاح تطبيقها. هدف هذا النوع من البحوث عادةً هو إيجاد حلول لمشاكل, لمعضلات أو لظواهر موجودة على أرض الواقع في شتى ميادين الإنسان الحيوية.
كما يمكننا تقسيم البحوث العلمية وفقاً للأساليب المعتمدة في إنجازها, و هي عادة ثلاتة أساليب متعارف عليها : التوصيفي, التحقيقي والتجريبي.
(البحث التوصيفي)
هذا النوع من البحوث يهدف عادة إلى توصيف الظواهر أو المشاكل أو المعضلات وتقديم تقارير عنها عبر إحصائها وفق معيارَين معتمدَين في جمعها : النوعي, الكمي أو الإثنين معاً. الإحصاء النوعي هو أسلوب يعتمد إذا أردنا دراسة ظاهرة ما بناءً على نوعها و إظهار مدى العلاقة بين نوع هذه الظاهرة و بين محيطها و مقدار تأثرها بها أو تأثيرها فيه, بمعنى آخر مقدار تفاعل البيئة أو المحيط مع الظاهرة بحسب نوعها.
الإحصاء الكمي, على عكس الإحصاء النوعي, يهدف إلى دراسة التفاعل بين المحيط أو البيئة مع الظاهرة بحسب حجمها أو عددها أو كميتها في محيط وجودها لا بحسب نوعها.
(البحث التحقيقي)
يُعنى هذا النوع من الأبحاث بدراسة الظواهر الإنسانية أو الطبيعية من خلال مراقبة  تغيرها عبر الزمن عبر مقارنتها مع مثيلاتها في مراحل زمنية مختلفة و الغاية منه هي تقديم المعالجات الممكنة لهذه الظاهرة عبر دراسة تطورها و أسباب نشوئها. كما أن البحث التحقيقي هوالأسلوب المعتمد في الأبحاث التاريخية, بحيث يقوم الباحث بدراسة البيانات و الوثائق و المراجع في أدق تفاصليها و بمختلف أنواعها الثانوي منها و الأساسي و الرديف  الأولي بهدف التحقيق في واقعة تاريخية ما أو  كتابة السيرة الذاتية لشخصية تاريخية معينة.
(البحث التجريبي)
و هو الأسلوب الذي تطرقنا إليها في فقرة البحث التجريبي, بحيث يقوم الباحث فيه بدراسة الظاهرة عبر تقديم النظريات المطروحة حولها و إخضاعها لاختبار التجربة العملية لمراقبة مدى صحتها أو عدمها أو إمكانية إيجاد نظريات آخرى شبيهة تصلح لأن تكون قوانين أونظريات بديلة قابلة للتطبيق على أرض الواقع, و الهدف من هذا النوع من الأبحاث هو إما إيجاد حلول لمشاكل هذه الظاهرة على أرض الواقع, إما تطويرها لتحسين أدائها, إما دراسة تفاعلها مع محيطها و قياس مدى تأثرها بالمحيط و مدى تأثر المحيط بها.

(5) البحث المنهجي:
أ ـ ما هو؟
هو بحثٌ مظبوطٌ بخطةٍ واضحةٌ واعيةُ الأهدافِ تحترم قواعد و أصول البحث العلمي, يسعى من خلاله الباحث إلى دراسة المعارف و العلوم و الظواهر و نقلها إلى الأخرين عبر نشرها و تطريرها إذا أمكن عبراستخراج النظريات و القوانين التي تحكم طبيعتها من خلال التعمق بكافة الأراء المطروحة حولها آخذاً بعين اعتباره  جميع الأراء التي تحاول معالجتها و فهمها حتى لو أتت هذه الإراء مخالفة لمعتقداته السابقة عنها أو مناقضة لفهمه الشخصي لها.    
ب ـ لماذ؟
يهدف البحث العلمي إلى أيجاد شروحات للظواهر المحيطة بالوجود الإنساني اعتماداً على المنطق العلمي الممنهج في خطة سيره نحو اكتشاف أسباب وجود هذه الظواهر و أنواع تفاعلاتها مع محيطها لفهمهما و تفسيرها بمنطق عقلي و علمي , مما يسمح بالإبتعاد عن التفسيرات المبسطة للأمورالناجمة عن الفهم الشخصي المستمد في أغلبه من المتوارث من المعتقدات التي غالباً ما تعتمد السطحية و الخرافة في تفسيراتها.
ج ـ وسائله:
الأسئلة التقييمية الأساسية. خطة و استراتيجية وصول تعتمد التنظيم و الترابية في المراحل. تحديد الهدف النهائي من البحث و ظبطه وفق معيار و أسلوب معين يأخذ بعين الاعتبار نوع البحث المراد السير قدماً فيه مما يسهل عملية استكماله أو تطويره فيما ما بعد من قبل متخصصين في نفس المجال العلمي أو المعرفي الذي سيق البحث فيه و خرج منه. اعتماد الموضوعية عبر دراسة و مناقشة و نقد  جميع الأراء المطروحة حول الهدف دون تمييز,  مما يساهم في عملية  نشر و تطوير البحث لاحقاً أو مناقشته من قبل المؤيدين و المعارضين لفكرته أو لموضوعه. السير في البحث دائماً انطلاقاً من العام إلى الخاص, و من السهل نحو الأصعب, و من المعروف نحو اللا معروف. اعتماد الدقة و التدقيق و التحقيق و اللجوء إلى المصادر الموثوقة و اهمال كل ما هو غير موثوق المصدر.
د ـ غاياته:
أسلوب تفكير منطقي, و عمل علمي منظم مُكرس لنهج سليم في التعاطي مع الأمور و الظواهر مما يسمح بتطوير الفكر  و العقل للخروج به من دائرة الجمود و التطرف نحو التطور و الانفتاح على جميع الأراء. نهج يعزز سلوك المشاركة و التعاون و تقبل وجهات النظر المختلفة حتى لو أتت مناقضة لمعتقدات سائدة أو لأراء رسّخت و جودها عبر التقادم و مرور الزمن, تكريس الحس النقدي العلمي و نشر مفاهيمه و اساليبه في المجتمعات بهدف تطويرها و تحديثها والارتقاء بإنسانها عبر تعويم لغة المنطق و الأسلوب العلمي في قراءة المعطيات و الظواهر المحيطة بالوجود الإنساني بدل و اللجوء البدائي إلى التفسيرات البسيطة التي غالباً ما تتغذى  إما على الخرافة, إما على الابتعاد عن الموضوعية و المنطق العقلي.
ذو العزة والجلال   البحث المنهجي الالهى   August 16, 2018 6:56 AM
لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم!







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز