د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
انها بلدة عقربا .. أيقونة فلسطينيّة بجمالها وتاريخها ورجالها ونضالها

لعقربا مكانة خاصّة في نفسي ليس لأنها تكوّن جزأ من محبوبتي فلسطين التي اعشقها حتى الموت، وأشعر بالفخر والاعتزاز بالانتماء لها ولشعبها ومقدساتها وقيمها وأنبيائها، وليس لأنها مسقط رأسي التي قضيت طفولتي في حاراتها وأزقتها وكروم الزيتون والتين والعنب وسهول القمح والشعير والذرة المحيطة بها، وليس لأنني لعبت مع أقراني على بيادرها وأمام بيوتها ودروبها، وضحكت وبكيت وحلمت فيها، وتعلّمت الكثير ممّن كانوا يكبرونني سنّا في دكاكينها ودور ضيافتها، وليس لأنني أكلت العنب والتين والرمان والخوخ من بساتينها وعمائرها، وأكلت الخبيزة، والحمّيضة، والبيسوم، والقرّيص، والدريهمة، والبرّيد، والأصيبعة، والخويخة من حقولها وسفوح جبالها وتلالها وأغوارها، ولكن لأنها كل هذا وأكثر منه، فإنني أعتز بها وبجمالها وتاريخها ورجالها ونضالها.

عقربا بلدة كبيرة مكوّنة من سبع حمائل، تقع في الجنوب الشرقي من مدينة نابلس، وتقوم مبانيها على عدد من التلال والسهول، وتحيط بها مزارع الزيتون والتين والعنب واللوز والرمان، وتزيّن سفوح جبالها وهضابها وتلالها وسهولها وأغوارها الأزهار والورود الطبيعية في فصل الربيع، وتزيدها حقول القمح والشعير بهاء وجمالا؛ وتطلّ على مدينة أريحا والأغوار وجبل صرطبة " القرن" وجبال السلط شرقا، وتحيط بها قرى جوريش، وأوصرين، والمجدل، ويانون، وبيتا، وقبلان، ويمكن مشاهدة العديد من المدن والهضاب والجبال الفلسطينية من منطقتها الشمالية المرتفعة " جبل الكروم "، ولا أبالغ بالقول إنني لم أرى أجمل من لياليها ونجوم سمائها الفلسطيني التي تساهم في إنارة الكون.

عقربا عريقة بتاريخها الذي يعود إلى العهد الكنعاني، وتأثرت بثقافات الكلدانيين والروم والفرس والاغريق والصليبيين الذين سيطروا على فلسطين لفترات زمنية مختلفة وأرغمهم شعب الجبارين الفلسطيني على الانكسار والرحيل؛ وكانت من ضمن مدن فلسطين المزدهرة عندما احتل الرومان القدس عام 63 قبل الميلاد، وعندما زارت كليوباترا المدينة المقدسة عام 34 قبل الميلاد، وعندما ولدت مريم العذراء عام 15 قبل الميلاد.

 وهي مشهورة بآثارها التاريخية المميّزة التي مازالت موجودة حتى الآن ومنها البركة الرومانية الواقعة في منتصف البلد، وكانت مركزا تجاريا لعدد من القرى الأثرية المحيطة بها ومنها يانون وخربة طانا وكفر عطية، وخربة العرمة، وخربة أم الفول، وخربة قرقفة، وخربة كفر عاطية، ويوجد فيها صهريج (مغارة ضخمة) في حامولة بني جابر، وحصن في حامولة بني منيه، وأعداد كبيرة من الكهوف المتقاربة المختلفة الأحجام خاصّة في حمائل الديرية، وبني منيه، وبني جابر التي قد تكون الأقدم بين حمائل عقربا السبع؛ ولهذا فإنه من الممكن القول ان أجدادنا الأوائل، الذين عاشوا في القرية في مراحل تطورها الأولى سكنوا في هذه الكهوف قبل أن يبنوا بيوتا، ثم استخدموها فيما بعد زرائب لحيواناتهم.

وذكرت في التوراة والإنجيل كمدينة مزدهرة، وكان فيها دير مسيحي في منطقة حامولة الديرية، وقد يكون اسم "الديرية"، الذي يعني أهل الدير، له علاقة بهذا الدير الذي ما زالت آثاره موجودة فيها، وكانت فيها كنيسة بيزنطية جميلة ملاصقة للمسجد القديم  ممّا يعني أنها كانت مدينة مسيحية مزدهرة قبل أن يتحوّل أهلها الى الدين الإسلامي، ويقال أن المسيح عليه السلام مرّ منها وهو في طريقة الى الجليل بشمال فلسطين؛ ويوجد فيها مقامات لشيوخ من ضمنهم الشيخ عبد النور في حامولة الديرية، والشيخ أحمد، والشيخ يوسف، وكهف الشيخ كنعان في حامولة بني جابر، والشيخ الرفاعي في حامولة بني فاضل.

وتشتهر عقربا بتعاضد وكرم أهلها، وبصلابة رجالها، ودفاعهم عن الحق ومناصرة المظلومين؛ ولهذا كان اهل القرية يتكاتفون ويقفون وقفة رجل واحد في السراء والضراء، ويساعد بعضهم بعضا في الأفراح والأحزان، وفلاحة الأرض، وحصاد محاصيل القمح والشعير، وقطف الزيتون، ويكرمون الضيف في مضافات حمائلهم وبيوتهم، ويستقبلون ويحمون من يلجؤون إليهم طلبا للحماية.

أما تاريخها النضالي فإنه مفخرة لها ولأهلها؛ فقد شارك عدد من أهلها في ثورة عام 1936، وعندما نودي للجهاد من مسجد القرية في عام 1948، اندفع شبابها للتطوع وحمل السلاح وشكلوا " سرية عقربا " من 200 مقاتل بقيادة المرحوم عبد الحميد أبو ناصر ونائبه أحمد الحلو وشاركوا في قتال الصهاينة، واستشهد بعضهم؛ وانضم العديد من أبناء القرية للفصائل الفلسطينية المقاتلة في لبنان، وشاركوا مشاركة فعالة في انتفاضات 1987، 2000 واستشهد وجرح وسجن المئات منهم.

أهالي عقربا كغيرهم من أبناء شعبنا الفلسطيني المكافح المبدع لا يعرفون لغة الاستسلام والانكسار، وعلى الرغم من ظروف الاحتلال وبطش وظلم الصهاينة، فإنهم بإصرارهم وارادتهم التي لا تلين تمكنوا من تطوير بلدتهم فأصبحت واحدة من أكثر بلدات فلسطين تقدّما وتطوّرا، وأثبتوا هم وأبناء مدن وبلدات وقرى فلسطين أن شعبنا قادر على صنع ما يراه البعض مستحيلا، وأنه تمكّن من الصمود وضرب أمثلة تقتدي بها شعوب العالم في التضحية والفداء والذود عن الوطن.

ألم أقل لكم ان عقربا أيقونة من أيقونات فلسطين، وإنها بالتقدّم الذي حدث فيها وفي مدن وبلدات وقرى فلسطين الأخرى نماذج يحتذى بها، ودلائل على عظمة شعبنا؟ لقد تغيّرت معالم قرية عقربا القديمة بصورة كاملة، وحل مكانها بلدة مزدهرة زادتها الحداثة جمالا وبهاء، وزادت نسب المتعلمين والمثقفين من أبنائها رجالا ونساء بشكل ملاحظ، لكن طيبة وشهامة ووفاء أهلها لم ولن يتغيّر، وكأحد أبنائها الذين يعتزّون بالانتماء إليها ولأهلها وأرهقهم الترحال، ما زالت عقربا معشوقتي التي أتمنّى أن ادفن فيها ليعانق ترابي ترابها ونمتزج معا في وحدة أزلية وحب خالد، وتهزم معا آلام الفراق والتيه في دنيا الله!

   

ابراهيم   تحيات نابلسي   October 2, 2019 5:27 PM
عاشت عقربا و عاش العقرباويين.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز