أحمد قويدر
ahmedkouider55@yahoo.fr
Blog Contributor since:
19 March 2014

 More articles 


Arab Times Blogs
اتخاذ القرار والمال العام في البلدان المسماة عربية

يحكى أن أعرابيا فقيرا كان ذاهبا إلى مورد ماء ليملأ جرة كانت معه . وفي الطريق رأى جمعا من الناس ، فسأل عن سبب تجمعهم ، فقيل له أنهم شعراء في طريقهم إلى خليفة (أو وال )لإلقاء قصائد أمامه لمدحه بمناسبة حلول العيد . دفعه الفضول فذهب معهم ليحظى برؤية الخليفة . تعاقب الشعراء على مدح الخليفة  الذي أغدق عليهم دنانير ذهب ودراهم فضة ، ولم يبق إلا هو ، فسأله الخليفة عما في جعبته قائلا له : ماذا عندك يا صاحب الجرة ! ، فأجاب الأعرابي :

ولما رأيت الناس شدوا رحالهم  @@   إلى بحرك الطامي أتيت بجرتي

أعجب الخليفة بنباهة الرجل وسرعة بديهته ، فأمر بأن تملأ جرة الرجل ذهبا . سر الأعرابي بما حصل عليه من الخليفة ، ومن شدة سروره أنه عندما خرج بدأ في توزيع جزء من المال الذي منحه له الخليفة على الفقراء والمساكين . ولما بلغ الخليفة ما قام به الأعرابي ، وبخه ولامه وقال له : أنت لا تعرف قيمة المال الذي أعطيتك إياه ، فقمت بتوزيعه على مجموعة من الصعاليك . عندئذ أنشد الأعرابي البيت التالي :

يجود علينا الخيرون بمالهم  @@ ونحن بمال الخيرين نجود

زاد إعجاب الخليفة بالأعرابي ، وأمر أن تملأ جرته عشر مرات ذهبا . وعندها قال الأعرابي : الحمد لله ، الحسنة بعشر أمثالها !

سواء كانت هذه القصة صحيحة أو هي من نسج خيال صاحبها ، فهي تدل على ثقافة وتفكير المجتمعات العربية والمستعربة . لو أننا قصصناها على مرتادي المنتديات المختلفة والشبكات الاجتماعية الذين ينتمون إلى مجتمعاتنا ، لوجدت استحسانا لديهم .

ولو قمنا بتحليلها باستخدام العقل وقواعد المنطق لوجدنا أن ما قام به الخليفة  فيه إضرار بمصلحة رعيته . من أين أتى هذا الخليفة بالمال الذي وزعه على الشعراء الذين مدحوه وعلى صاحب الجرة ؟ هل هو من ماله الخاص ؟ هل أجر راعي الرعية محدد في موازنة الدولة Budget de l’Etat  ووفق قوانين منشورة في الجريدة الرسمية للبلد ؟ أم أن بيت مال المسلمين ( الخزينة العمومية =Trésor public ) هو ملكية خاصة للحاكم يتصرف فيها كما يشاء ؟ ربما يقول البعض أن ما حدث في ذلك الوقت كان يناسب تلك المرحلة من التاريخ .

المشكلة هي أن تلك التصرفات التي كانت موجودة في القرون الوسطى لم تختف من « دولنا » ( « جمهوريات » ، «جملوكيات = جمهوريات وراثية » و« ملكيات  = إقطاعيات »)
هل « البرلمانات » تراقب المال العام في بلدان العرب والمنتسبين إليهم ؟ هل الرئيس أو الملك أو الأمير يتصرف في المال العام وفق قانون مسطر يخضع لمراقبة الهيئتين ، التشريعية والقضائية ؟ إليكم أمثلة عن تصرف ملوك ورؤساء « دولنا » في المال العام .
لقد قرأت مؤخرا خبرا يفيد بأن الجزائر مسحت ديون 14 دولة فقيرة ، والتي بلغت خمسة ملايير دولار أمريكي ! عندئذ تساءلت عمن اتخذ هذا القرار ؟ هل هي الهيئة التشريعية التي «تمثل » الشعب ؟ هل هو رئيس الجمهورية ؟ هل يعتبر ذلك من صلاحياته ؟ ما هي الفائدة الاقتصادية والسياسية التي ستجنيها الجزائر من وراء ذلك ؟ حسب علمي ، تلجأ الدول المحترمة إلى مثل هذه التصرفات للحصول على مزايا اقتصادية وسياسية . فمثلا تفتح الدول المستفيدة من المسح أسواقها لمنتجات الدول الماسحة ، أو تسمح لها بالاستثمار بمنحها شروطا تفضيلية ، هذا من الناحية الاقتصادية . ومن الناحية السياسية تصوت الدول المستفيدة لصالح الدول المفيدة في قضايا سياسية في المحافل الدولية . وهل الوضعية الاقتصادية للجزائر تسمح لهل بـ « التكرم » على دول آخرى ؟ الجزائر والمغرب تتنافسان على نيل الحظوة عند دول العالم الثالث في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ، الأولى لكسب الدعم لدى هذه الدول لقضية الصحراء الغربية ، والثانية لدفعها لسحب اعترافها بالجمهورية الصحراوية !

مثال آخر أسوقه لكم من « الممالك والإمارات = المشيخات » . قرار السعودية بشراء ما قيمته عشرات الملايير من الدولارات الأمريكية  من الأسلحة ، واستثمار مئات الملايير من الأوراق الخضراء في الاقتصاد الأمريكي، ودفع تكاليف القوات والقواعد العسكرية الأمريكية في الخليج وفي سوريا ، هل يتخذ على مستوى مؤسسات ممثلة للشعب ، أم أن فردا واحدا هو الذي اتخذه ، الملك أو الأمير أو ولي العهد ؟
من اتخذ قرار تنظيم كأس العالم القادمة في سنة 2022 ، في قطر ، هل هو « الشعب » القطري الذي لا يتجاوز عدد سكانه ربع مليون نسمة ، أم  أمير قطر وصاحب قناة الجزيرة التي تريد إعطاء بقية العرب والمستعربين دروسا في الديمقراطية وحرية التعبير ، وهي ليس فيها برلمان ولا حرية تعبير ولا صحافة حرة ؟ كم كلفت وستكلف كأس العالم التي اشترتها قطر بدفع رشاوى إلى شخصيات سياسية ورياضية ، كالرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي ، ونائب الفيدرالية الدولية لكرة القدم السابق ميشال بلاتيني ، واللاعب الفرنسي من أصول جزائرية زين الدين زيدان  ؟ تقول مصادر مختلفة أن تكلفة كأس العالم للعام 2022 ستتجاوز 50 مليار دولار !!
دائما، أتساءل من أين أتى ناصر الخلايفي بالأموال الطائلة التي اشترى بها فريق باريس سان جرمان ؟ هل بإمكان شخص واحد أن يشترى لاعبين بعشرات الملايين من اليوروهات ، وكأن آخرهم نايمار الذي دفع فيه أكثر من 220 مليون يورو !!

لماذا تنظم الدول التظاهرات الرياضية المختلفة ؟ الهدفان الأساسيان من وراء ذلك هما التعريف بالبلد لتشجيع السياحة إليه ، وخلق بنية تحتية رياضية تساعد على تشجيع الرياضة فيه . الهدفان غير متوافرين في قطر، لأن قطر بلد إقطاعي وشمولي يعيش بمنطق القرون الوسطى في القرن الواحد والعشرين ، ولكم في نظام « الكافل » الذي على كل زائر أن يحصل عليه أحسن مثال ، مع ما يتبع ذلك من مصادرة لجواز السفر! هل جرب أحدكم أيها العرب والمستعربون زيارة قطر أو الكويت أو الإمارات أو العربية السعودية ( فيما عدا موسم الحج أو العمرة ) ؟ زيارة إسرائيل أسهل بكثير من زيارة بلدان « إخوتكم » في « العروبة والإسلام » !!! ، إذن قطر لا تصلح لأن تكون وجهة سياحية . لا يمكن للرياضة أن تنجح في قطر ، لأن الذهنيات غير مستعدة لقبول ممارسة الرياضة من قبل النساء مثلا ، والرياضة لا يمكن أن تنجح بشراء فرق كاملة ، كفريق كرة اليد « القطري » !

مثال ثالث آخر يخص العراق . صدام حسين لما اتخذ قرار غزو إيران ثم قرار غزو الكويت فيما بعد ، هل استشار مؤسسة من مؤسسات « الجمهورية » العراقية للإقدام على مثل هذه الخطوة الخطيرة التي أدت إلى انتهاء العراق ؟ كل المحيطين به لم تكن لديهم الجرأة لمعارضته وتنبيهه إلى العواقب الوخيمة التي ستترتب عن ذلك ؟

مثال رابع يخص ليبيا. الأموال الضخمة الآتية من عائدات صادرات البترول جعلت من ليبيا دولة غنية ، وفي نفس الوقت أفقدت العقيد معمر القذافي صوابه . قام في البداية بتمويل الحركات المتمردة على بلدانها ، كحركتي ETA الباسكية و IRA في إيرلندا الشمالية . ثم أنه قام بتدبير وتمويل تفجير الطائرات المدنية والأماكن العمومية . وحاول إنشاء دولة للطوارق في الصحراء الكبرى ، وبدأ بتبديد ثروات الشعب الليبي ، ونصب نفسه « إمبراطورا » على أفريقيا !

رغم ما انجر من عواقب وخيمة عن الحكم الفردي في البلدان التي تسمي نفسها عربية ، إلا أننا نجد بعض الناس يهللون للدكتاتوريين ويكيلون لهم المديح لكي يملأوا جرارهم ذهبا ! وإلا كيف نفسر عبارات المديح : « بالدم ، بالروح ، نفديك يا فلان ! » التي نسمعها في الكيانات العربية والمستعربة الشمولية ؟؟
مازلت أتذكر عبارة المديح هذه التي كانت حناجر العراقيين تصدح بها للرئيس الراحل صدام حسين عندما تعرض العراق للغزو من قبل الأمريكان ، وكنت متيقنا أن العراقيين كانوا يرددونها إما تملقا أو خوفا من الطاغية . ومازال ماثلا أمام عيني انهيار الجيش العراقي ، الذي كان يصنف كرابع جيش في العالم ! أين ذهبت نخبة الجيش العراقي ، الحرس الجمهوري ؟
ولا زالت صورة الزعيم العراقي صدام حسين، المخدر الذي أخرج من الجحر وكأنه فأر ( معذرة )، وصورة إعدامه على المباشر ، لا تفارق مخيلتي ! أمريكا كانت تريد من وراء ذلك ترويع وإرهاب إذلال وإهانة كل عربي ومستعرب ومسلم ، وفعلا وصلت إلى هدفها!

صورة أخرى لم أستطع نسيانها للزعيم الليبي وهو يقتل شر قتلة على المباشر ! أين مرددوا الشعارات : « بالدم ، بالروح ، ...) و « الله، معمر ، وليبيا وبس » ! ، و ...

هؤلاء الدكتاتوريون من رؤساء وملوك وأمراء لا يتمتعون بأدنى شعبية ، لأن وصولهم إلى الحكم جاء بالقهر والتزوير والخداع وتشويه الحقائق ، وهم يتصرفون في المال العام وكأنه ملكيتهم الخاصة ،  لذلك فهم لا يتمتعون بأدنى شعبية في البلدان التي يحكمونها بالحديد والنار ، باستثناء مرتزقة يطبلون ويزمرون لهم في وسائل الإعلام المختلفة .

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز