د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
جريمة شرف

ولد يوسف ومريم في حيّ من أحياء المدينة الفقيرة وربطتهما منذ طفولتهما علاقات جوار؛ كانا يلعبان معا ويستمتعان بطفولتهما وبراءتهما بلا قيود، والتحقا بمدارس الحي وحصلا على شهادة الثانوية العامة في نفس العام. كان والد يوسف يملك متجرا للملابس يوفّر دخله حياة كريمة آمنة لأسرته، ووالد مريم يعمل في مصنع لمشتقات الألبان ويكافح لسدّ احتياجات أسرته.

لم يجد يوسف وظيفة بعد حصوله على الثانويّة العامّة وانضم للعمل كبائع في متجر والده، أما مريم فلم تجد عملا وبقيت في بيتها، كمعظم الفتيات العربيّات اللواتي يتخرّجن من المدارس الثانويّة والجامعات، تنتظر مصيرها الذي سيقرّره والدها والظروف والعادات والتقاليد التي لا تؤمن بملائمتها للعصر، لكنّها لا تستطيع أن ترفضها أو تتمرّد عليها.

كان يوسف طيّبا خلوقا محبّا للحياة وراضيا عن عمله مع والده، وكشاب في مقتبل العمر يحلم بأن يجد " بنت الحلال"، ويتزوج ويستقرّ ويبني بيتا ويكوّن أسرة، ويعيش حياته كما يعيشها أبناء جيله وبيئته الاجتماعيّة. أما مريم فكانت شابّة جميلة تعشق القراءة، قويّة الشخصيّة، منفتحة على الحياة، حسنة السمعة تحبّ أسرتها، وتطيع أوامر والديها، وتحترم أقاربها وجيرانها.

وبما أن صداقات الطفولة والجوار لا تمحى من الذاكرة، استمرت علاقات الصداقة التي ربطت يوسف بمريم منذ طفولتهما؛ وكانت تمرّ على متجر والده لتشتري بعض ما يلزمها من ملابس، وتتحدث معه عندما يكون وحيدا في المتجر، أو عندما يلتقيان صدفة في الشارع أو في مكان عام. ولأنهما كانا صديقين في بداية شبابهما ويعرف كلاهما الآخر جيّدا، بدأ كل منهما يشعر بالانجذاب للآخر، وتحوّل ذلك إلى مشاعر وأحاسيس جميلة صامتة يشعران بوجودها من خلال شوقهما الدفين للقاءاتهما العفويّة.

 في إحدى الأمسيات ذهبت مريم لشراء فستان من المتجر لارتدائه في حفل زفاف إحدى صديقاتها. كان يوسف وحيدا وعندما دخلت شعر بسعادة غامرة؛ أخبرته بما تريد ولماذا؛ وساعدها في اختيار الفستان الذي كانت تبحث عنه وبادرها بالقول:

" هذا فستان ممتاز سيزيدك جمالا يا مريم."

احمرّ وجهها خجلا ونظرت إليه برقّة وشكرته على إطرائه واستجمعت شجاعتها وسألته:

" هل تعتقد بما تقول؟ "

" إنك أجمل فتاة عرفتها."

" توقف عن المبالغة؛ أنت تعرفني منذ الطفولة؛ أنا إنسانة عاديّة لا أختلف عن الأخريات في شيء."

" أنت عندي أجمل ممّا تتصوّرين؛ إنّني أرى فيك ما لا ترينه؛ إنني أرى فيك جمال الجسد والروح والطيبة والوفاء."

" شكرا لك."

" ما رأيك في فنجان من القهوة في إحدى المقاهي؛ إنني استمتع بالحديث معك، وبيننا الكثير من الذكريات الجميلة المشتركة، وأود أن أطلعك على أمر شخصي مهم. هذا رقم هاتفي، هل يمكنني الحصول كذلك على رقم هاتفك وسأتصل بك لنتّفق على المكان والزمان إذا كنت ترغبين في ذلك." أعطته رقم هاتفها بتردّد مصطنع وغادرت المكان وقلبها يخفق من شدّة الانفعال، لكنها لم تفاجأ بما قاله لها لأنها كانت تعلم في أعماقها بأنّه كان يميل إليها، ويندمج في الحديث معها، ويحرص على إرضائها.

وفي اليوم التالي قرع جرس هاتفها وكان يوسف على الخط؛ دعاها إلى فنجان من القهوة في مقهى معيّن واتفقا على أن يلتقيا بعد عصر يوم الجمعة. كان كلاهما متحمّسا للقاء ويفكّر في الطريقة التي يكشف فيها عن مشاعره للآخر؛ لكن المهم في الأمر أن كلاهما كان صادقا في مشاعره، ونظيفا في نواياه، وغيورا على سمعة وكرامة الآخر، ومستعدا للتضحية من أجله.

كان والدا مريم شبه أميين لم يحصلا إلا على القليل من التعليم، وشقيقها مطيع فشل وترك المدرسة الابتدائية، وشقيقها الآخر وشقيقتيها ما زالوا في المدارس؛ كانت العائلة فقيرة بسيطة محافظة جدّا لا تسمح لمريم بلقاء شاب على انفراد حتى إذا كان ذلك في مكان عام؛ وعندما اقترب وقت اللقاء، اضطرت مريم أن تخبر والدتها أنّها ذاهبة للسوق مع بعض صديقاتها؛ ثمّ ودّعتها وخرجت من البيت وقطعت الشارع  ووقفت تنتظر سيارة أجرة؛ كان هذا لقاءها الأول مع شاب في مكان عام؛ ولهذا كانت منفعلة ومتردّدة وخائفة أن يراها أحد وفكّرت في عدم الذهاب، لكن شعورها وأحلامها وميلها إلى يوسف انتصرت على مخاوفها.

  وصل يوسف المكان قبل مريم بدقائق، وبدأ قلبه بالخفقان عندما رآها قادمة؛ استقبلها بالترحاب ومشاعر الود، وطلبا فنجانين من القهوة.

" أنا سعيد جدا أن أراك هنا يا مريم."

" وأنا كذلك."

" طمئنيني عنك! كيف أحوالك وأحوال الأسرة؟ عساكم جميعا بخير، وهل حصلت تطوّرات جديدة؟"

" الحمد لله؛ لا جديد! الأمور صعبة، وحياتنا رتيبة تسير بسرعة السلحفاة، نكافح من أجل البقاء، وأنا أدمنت على القراءة من قلّة الشغل."

" إنني أعرف ظروف عائلتك وأقدّر التضحيات التي يبذلها والدك، ويسرّني أن أعلم أنك تقرئين كثيرا وتعملين على تثقيف نفسك باستمرار."

" وأنت كيف أحوالك؟ "

" عملي جيد ومربح؛ إنني أمضي أيامي في تنظيم وتنظيف المحل وفي التعامل مع شرائح مختلفة من الزبائن واستفيد من تجاربي الجيدة والسيئة معهم، والأسرة بخير وكما يقولون مستورة والحمد لله."

وبدآ الحديث عن أيام طفولتهما والأوقات الجميلة التي أمضياها معا؛ وأخبرته بأن شقيقها مطيع، الذي ترك مقاعد الدراسة بعد أن رسب في الصف الرابع الابتدائي، وجد عملا كسائق حافلة في شركة، وإنه يساعد والدها في تحمّل جزء من نفقات وأعباء الأسرة.

وفجأة بادرها يوسف بالقول " مريم! إنني أفكّر فيك معظم الوقت؛ أنت إنسانة جميلة جدّا ورائعة، وقادرة على أن تكوني مثالا للزوجة والحبيبة والأم، وأشعر أن كلانا يفهم الآخر، وإن الله خلقنا لنكون معا حسب أوامره وعلى سنّة رسوله، ولهذا أقول لك إنّني أحبّك من أعماق قلبي، واشعر بأنّك الإنسانة القادرة على مشاركتي حياتي، وأتمنّى أن تحبّيني كما أحبّك لنفكّر معا، ونكافح معا، ونخفق وننجح معا، ونبكي ونضحك معا، ونكوّن اسرة سعيدة ناجحة معا، ونستمتع بكل دقيقة من حياتنا معا، ونهرم معا، ونغادر هذا العالم مرتاحا البال بعد أن استمتعنا بوجودنا وحقّقنا ما نريد.

ازداد وجهها احمرارا، لكنّها لم تفاجأ بما قاله لأنها كانت تبادله نفس الأحاسيس والمشاعر. وبعد تردّد واضح أجابت باستحياء: " لم أتوقع ان تفاتحني بهذا الموضوع في لقائنا الأوّل لكنني لم أفاجأ؛ إنني أكن لك الكثير من التقدير، وأثق بك، وأشاركك مشاعرك؛ لكنّني لا أفهم ماذا تقصد بالضبط، ولا أعرف ما هي خطّتك للمستقبل."

" إنني أحبك كما قلت وأرغب أن أتقدم لخطبتك في الوقت المناسب وأن نتزوج خلال عام من الآن."

" هل اخبرت والدك بنواياك؟ وهل تعتقد بأنّه سيوافق على زواجك من بنت عائلة فقيرة؟"

" الفقر ليس عيبا ومعظم الناس في هذا الحي فقراء؛ والدي ميسور الحال وليس غنيا، لكنّه رجل ناضج اختبر الناس والحياة ويريدني أن أكون سعيدا وينعم بمشاهدة أحفاده؛ ولهذا أعتقد أنّه سيوافق."

" هل فكّرت في نفقات الزواج، واستئجار شقة، وفتح بيت، ومتطلبات الحياة الزوجيّة الأخرى؟"

" نعم فكرت في كل ذلك؛ إن وضعي المالي جيد وأستطيع أن أقوم بتلك الأعباء؛ ولكن هل تعتقدين أن أهلك سيوافقون؟"

 "أعتقد أنهم سيوافقون، لكنني أقترح أن نتريّث قليلا حتى يعرف كل منا الآخر أكثر، وانشاء الله بصير خير."

اتّفقا على اللقاء يوم الجمعة القادم في نفس المكان، وغادرا المقهى وهما في قمّة السعادة؛ لقد تأكد كلّ منهما أن مشاعرهما كانت مشتركة، وان روحاهما تعانقتا بعلاقة حبّ طاهرة ستتوّج بالزواج وتتحقق أحلامهما في بناء عش سعيد.

التقيا في الأسبوع التالي في نفس المكان، وبينما كانا منسجمين في الحديث ظهر واصف، أحد أبناء الحي، وبادرهما بالتحية وانصرف. كان واصف بغيضا حقودا فاشلا يتدخل في شؤون الآخرين ويهوى اختلاق الاشاعات وبثّها؛ وفي إحدى الأمسيات كان في مقهى الحي مع ثلة من أصدقائه السيئين الفاشلين مثله وبادرهم بالسؤال:

" هل تعرفون ما هي آخر أخبار الحي؟

" لا " قال أحدهم وسأل " ما هي؟ "

" يوسف ومريم متورّطان في علاقة حب."

" ماذا تقول؟ انت كذّاب! كيف عرفت؟ "

" لقد رأيتهما معا في عدد من الأماكن."

" وما العيب في ذلك؟ الكثير من الشباب والشابات يخرجون معا إلى الأماكن العامة."

" أنا رأيتهما مرتين في أماكن منعزلة وشعرا بالارتباك الشديد عندما شاهداني؛ إنني أعتقد أنهما مرتبطان بعلاقة غرامية"

" انت تكذب يا واصف. يوسف ومريم طيبين ومحترمين ولا يمكن أن يتورّطا بأعمال لا أخلاقيّة كما تدّعي."

" يا جماعة، كل شيء جائز هذه الأيام والناس فقدوا الحياء." قال آخر

" انني لا أكذب! لقد رأيتهما بعيني؛ إن ما يفعلانه شيئا معيبا يتنافى مع قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا."

" الله أكبر! وصلت السفاله لهلحد؛ ما ظلش حيا." قال ثالث

وخلال فترة وجيزة لا تتجاوز الشهر بدأت إشاعة وجود علاقة غراميّة محرّمة بين يوسف ومريم تنتشر، وبدأ سكان الحي يتهامسون، ويعلّقون على علاقة مختلقة لا وجود لها، ويوسف ومريم غافلان لا يعلمان بما يجري حولهما، وينعمان بلقاءاتهما البريئة، ويفكران في الخطبة والزواج والمستقبل السعيد.

لاحظت مريم نظرات بعض أهل الحي الغير مريحة لها وشعرت ان هنالك شيئا سيّئا يخصها يتداوله الناس في الحي، لكنّها لم تكن تتصوّر أن سمعتها قد شوّهت وان الأمر يتعلّق بكرامتها؛ أخبرت يوسف بشكوكها وأخبرها بدوره أنه لاحظ أيضا أن بعض الناس ينظرون اليه بنوع من الازدراء؛ وان معظم اصدقاءه قد ابتعدوا عنه.

كان ليوسف صديقا وفيا اسمه صادق؛ اتصل يوسف به تلفونيا وأخبره انه يريد التحدث معه عن أمر هام، واتفقا على اللقاء في مكان منعزل؛ التقيا في المكان المعين وبادر يوسف صادق بالقول:

" صادق انت أعزّ صديق لي وأثق بك ثقة مطلقة وأودّ أن أفاتحك بأمر مهمّ يشغلني؛ لقد لاحظت مؤخرا أن أصدقائي يبتعدون عني وان بعض الناس يتغامزون عندما يروني؛ إنني لا أعرف ما هو السبب؛ هل عندك معلومات عن أسباب تصرفات هؤلاء نحوي؟"

" يوسف يؤسفني أن أقول لك أن بعض أهل الحي يتكلمون عن علاقة غرامية محرّمة بينك وبين مريم."

" ماذا تقول؟ علاقة غراميّة محرّمة! هل هؤلاء الناس مجانين؟ ألا يخافون الله؟ أنا أحبّ مريم واحترمها، وأحرص على كرامتها كما أحرص على كرامة شقيقاتي، وأريد أن أتزوجها، ومستعد للتضحية بروحي دفاعا عنها وعن سمعتها؛ إنني لا أصدق أن هناك قاذورات بشريّة تسمح لنفسها بتشويه سمعة أناس أبرياء بهذا النوع من البذائة الذي لا يقبله العقل؛ أنا ومريم ملتزمان دينيا واخلاقيا وعلاقتنا نظيفة وأهدافها نبيلة؛ فلماذا يلوّثونها بأكاذيبهم وافتراءاتهم وإشاعاتهم التي تدلّ على غبائهم وخبثهم وعدم قدرتهم على التفكير المنطقي السليم؟"

" إنني أعرفك أنت ومريم جيدا، واثق بكما، ولا يخامرني الشكّ بنقائكما وسموّ أخلاقكما وان علاقتكما نبيلة وطاهرة، وأعتقد ان هذه الإشاعة مبنيّة على حقد وأكاذيب ولا علاقة لها بالحقيقة؛ لكن عددا من أهل الحي يتداولونها ويشوهونها بتفاصيل مختلقة كاذبة ومسيئة، وأخشى أن تتسع دائرة هذه الشائعة في الحي وتقود إلى ما لا تحمد عقباه."

" ما العمل إذا يا صادق؟ إنني مشوّش ومنفعل جدا ولا أدري كيف اتعامل مع هذا الظلم والافتراء."

" أنا لا أعرف ما هو الحلّ مثلك؛ أنت تدرك اننا نعيش في مجتمع متخلّف لا يرحم وتنتشر فيه الشائعات بسرعة البرق؛ الناس هنا بسطاء لا يفهمون لغة المنطق وأهمية البحث عن الحقيقة والدفاع عنها، ويصدقون ما يقال لهم خاصة الأخبار والإشاعات السيّئة دون تفكير؛ إنني أقترح أن تخفّفا من لقاءاتكما حتى تهدأ الأمور وان تتقدّم لخطبتها في أسرع وقت ممكن."

" أنني أتّفق معك فيما قلت، وسوف أتكلّم مع والدي وأتقدّم لخطبتها رسميّا في أقرب وقت."







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز