نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا سوريا ليست دولة(2): انعدام الطبقة الوسطى؟

 

لماذا سوريا ليست دولة(2): انعدام الطبقة الوسطى؟

الكاتب: نضال نعيسة

 18/09/2019

Lattakia07:44GMT

عادة ما تنتشر الجريمة والفساد والرشوة والمخدرات والانحطاط الأخلاقي العام وتنعدم القيم نهائياً في أوساط وفي البيئات الفقيرة المعدمة والمحرومة، فإشباع الحاجات الغريزية الأساسية، علمياً ونفسياً، مرتبط بالاستقرار الاجتماعي، وهو أولوية بشرية وتربوية ونفسية تكبح وتضبط السلوك البشري، فيما يفعل الحرمان والقلق الوجودي مفاعيله المضادة ويثير نقيض كل ذلك من انعدام احترام الذات وغياب الإحساس الذاتي والكرامة والاستعداد التام للجريمة والانحراف، ومقابل ذلك، ومن دون تعميم مطلق، تبقى الطبقة الوسطى وأفرادها، لذلك تحتفظ بقدر من القيم والأخلاق واحترام الذات الناجم عن الاكتفاء الذاتي والطمأنينة والسلام الداخلي والاستقرار الحياتي بشتى أنواعه،  ومن هنا فإفقار وتجويع وقهر وإذلال المجتمعات ونهبها وتشليح الشعوب وابتزازها وفرملة التنمية وإعاقة النمو عبر سياسات تهورية غير واعية كمركزة الاقتصاد والاحتكار(الاحتكار، احتكار أي شيء محظور ويعتبر جريمة بالقانون الأمريكي) المترافقة مع الخطابات الشعبويية التهييجية التحريضية الغريزية الشوارعية العصابية التي تعلن وتريد الصدام والتصادم مع الآخر ومع قيم العصر وإحلال النزعة والروح الورائية الرجعية النكوصية التي تشد المجتمعات لماض متخيل زاه رومانسي كاذب ومزيف، كلها سياسات تدميرية هادفة ومقررة وممنهة ومدروسة تقود لتغييب والقضاء على الطبقة المتوسطة التي لا تنمو إلا في بيئات ومناخات ليبرالية واعية متنورة ومنفتحة.  

 

والآن، ولذلك، هل تعلم أن سوريا هي الدولة الوحيدة بالعالم التي لا يوجد بها، حالياً، طبقة متوسطة وأن90%من الشعب هم من الفقراء والجياع والمحرومين من أبسط مقومات العيش الكريم، وفقاً لمعايير الأمم المتحدة، لأنهم يعيشون على دخل أقل من دولارين باليوم، هذان الدولاران يكفيان  فقط لإطعام جائع وسد رمقه ليس إلا، يعني كأي كائن حي آخر بلا أي هدف أو عمل و من دون أن يقوم بأي نشاط آخر فقط لسد الرمق وعدم الموت جوعاً؟ وهل تعلم أن أقل من 5%من السكان يستأثرون ويتحكمون بالثروة الوطنية، ويستحوذون على ما مقدارة مجمل الناتج الوطني ويتصرقون به كملكية خاصة، ويوزعونه وفقاً لاعتباراتهم ومصالحهم وزبائنهم ومحظييهم ومريديهم وأتباعهم ومن يوالهم ويوالون، وأن مصير 23 مليون إنسان وحياتهم ومعيشتهم ومستقبلهم، هو بيد عدة أفراد وأسماء وعائلات بعينها تقرر لهم ما تشاء، نتيجة لغياب الإدارة الحكومية والوطنية والديمقراطية وتعطيل الدستور وانعدام أي شكل آخر من أشكال العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة الوطنية وللناتج المحلي وتهميش القوانين والافتقاد المطلق للقضاء العادل والنزيه وأي نمط من برامج الدعم الاجتماعي للفقراء، وتكدس جمهرة الجياع والمحرومين والفقراء المعدمين غير القادرين على تلبية أبسط المعايير والحاجات اليومية كالطعام والشراب مما فتح الباب واسعاً لأنماط متعددة من خرق القانون وسهل خروج شرائح عريضة من هؤلاء ووقوعهم في براثن الجريمة والإرهاب وخروجهم عما يمكن تسميته بالصف الوطني وانضوائهم تحت عباءة الآخر والخارج واستثمارهم من قـِبـَله في أعمال خبيثة وشريرة وتدميرية نتيجة غياب الوعي والفهم القيم الناظمة لسلوك الأفراد عند هؤلاء والمفترض أن تتمتع به الطبقة الوسطى، والتي لا وجود لها في الوقت الذي يعتبر وجودها أمراً ضروريا وحيوياً وأساسياً لعافية وبقاء واستمرار وصمود وتماسك أي مجتمع وبالتالي أية دولة بالمجتمع الدولي، الأمر الذي جعل وجود الطبقة الوسطى، التي عادة ما تتمتع بقدر من القيم واحترام الذات والتعلق بالمثل، أمراً غير قابل للتحقيق وباتت عبارة عن شبح ولذلك، ووفقاً لمعايير الأمم المتحدة، ولتلك المعطيات السوداء، تم شطب سوريا من مؤشرات الأمم المتحدة وباتت خارج التصنيف ولم تعد دولة فلا يعقل، وفق المعايير الدولية، أن يكون هناك دولة عالة جل ساكنيها من الفقراء والجياع والمحرومين والمعدمين العاطلين عن العمل وغير القادرين على القيام بأي نشاط بشري ولا يعقل أن تكون دولة مصدر خطر وقلق دائم للمجتمع البشري لا استراتيجية ولا هدفاً أو مشغلة لها سوى إنتاج وتصدير الفقراء والجياع والمحرومين المعدمين واللاجئين الفارين من بلدانهم وحتى الإرهابيين والمجرمين الدوليين..

 

وبالمقابل، ووفق ذات معايير الأمم المتحدة التي تلتزم بها الدولة المحترمة والمصنفة، هل تعلم أن المتوسط اليومي للدخل ونفقات للفرد الواحد المقررة تبلغ 13 يورو، أو ما يعادل 17 دولاراً، و500 دولار شهرياً، هذه تعطى وتمنح، عادة، للاجئ والمهاجر والفقير والعاطل عن العمل المسجل بكشوف اجتماعية ضمن عديمي الدخل وذلك كي يعيش بكرامته ولا يجوع، ولا يرتكب جرائم السرقة والقتل ويبحث عن طرق غير قانونية للعيش وتأمين لقمة العيش، وأماراتب الموظف والتكنوقراط (الطبقة الوسطى)، هنا، فحدّث ولا حرج، ويفوق ذلك بكثير، عادة ما يبلغ آلاف اليوروهات، وكلها أمور من شأنها أن تحافظ على تماسك وقوة المجتمع ومنع انحطاطه وترديه وانحداره للقاع الزرائبي.

 

 أما الدولة الرسمية السورية المقاومة (رجاء عدم الضحك والمسخرة)،  وخطباؤها وأبواقها، فلا تعنيها الأمم المتحدة ولا المواثيق الدولية ومعايير الأمم المتحدة ولها معاييرها ومنطقها الخاص، وتطلق على هذا الواقع والسياسات والممارسات التدميرية والبدائية اسم مقاومة ونهجاً قومياً مقدساً وعروبة وإسلاماً يعتزون بها وصموداً وتصدياً وتحدياً و"بعثاً" لأمتهم العربية وتأكيداً على عروبة سوريا وصوابية نهجها الفريد غير المسبوق، ووو وإلى آخر هذه المصفوفات اللفظية المستهلكة والمقززة والمقرفة والتي جعلت سوريا على ما هي عليه اليوم من وضع مأساوي شاذ وغريب بين أمم وشعوب العالم، فالأمم المتحدة لم تصل لهذه القناعة لأن سوريا دولة "مقاومة" ونضال وحقوق وقيم نبيلة تقارع الإمبريالية والصهيونية ووو بل لافتقارها لأدنى معايير ومقومات الدول ومنها وجود طبقة متوسطة  تجعل عادة من الدولة دولة محترمة، وقورة، ومن الشعوب شعوبا محترمة تعيش بكرامتها وتعطي وتعمل وتبدع وتخدم البشرية وترفدها بكل ما هو نبيل وجميل.

 

فهل عرفتم الآن لماذا شطبوا اسم سوريا من تصنيف الدول ومؤشرات الأمم المتحدة ولم تعد تحمل مواصفات دولة؟

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز