احمد علي
ahmed.laarfi@outlook.com
Blog Contributor since:
15 July 2019



Arab Times Blogs
تغريبة بني هلال او قبائل المشواش والليبيو (الرواية الليبية للتغريبة مختلفة) جزء 4


تغريبة بني ليبو!

ترددت كثيرا في نشر هذه الخاطرة الطويلة التي كتبتها وانا أستمع لمناظرة بين الأخوة مرشحي الرئاسة التوانسة. نهنئهم على عرسهم الديمقراطي ويحزنني بالمقابل الاحتراب والموت والدمار في بلدي ليبيا. أجلت نشر هذا ليومين تقريبا رغم أنه لا يمس الشعوب في كل الدول التي تعرضت لها. أؤمن بأن أبعد دولة عن الأزمة الليبية هي تونس، ولا ينفي هذا مشاركة البعض كافراد. كما أنني لا أتبنأ ما ورد فيها من حكايا "شعبية" وأعتذر إن تمت إساءة في الفهم! 


درجت العادة حين نخاطب ثلة من المسئولين يمكن أن يساهموا معا او فرادى في حل أي قضية أن نوجه الخطاب "إلى من يهمه الأمر". بما أنني أكتب للمواطنين فقط والذين هم الضد للمسئولين الذين لا يتجاوز عددهم بـ"التابعين" 888 مواطنا، فإن خطابي حتما سيكون هذه المرة "إلى من لا يهمه الأمر" لكون الـ888 مواطنا مسئولا إما هم في سبات عميق أو لسبب ما تنازلوا عن وصفهخم بمن يهمهم الامر، او أنهم نسوا لسبب ما أنهم ممن يهمهم الأمر.

التغريبة لها عدة مدلولات وللقاريء حرية الإستنباط، تعني السفر للاتجاه الجغرافي المسمى غرب. تعني أيضا الغربة والإغتراب، وحين يلتقي السفر بالإغتراب ودوما هو كذلك يكون قاسيا جدا. هذا في أقلها.

 

__________________________________

عودة للسيرة الهلالية، فالليبيون يرون أنهم أبطالها ولولاهم ماوصلت هذه القبائل لقصور تونس. وينظروا بفوقية وهذه الروايات قديمة تعود لأكثر من مائة وخمسون عاما وكثيرا ما سمعتها طفلا كاملة من جدتي رحمها الله التي كانت تحفظها بكامل اشعارها وتسغرق في سردها ساعتين ربما. لا أتذكر الا طشاشا منها الان وياليتني قمت بتسجيلها فقد غفلت عن ذلك.

بداية القصة تبدأ بانتداب بوزيد كما نقول بالليبي ليكون طليعة القوم إلى الغرب، فتخير أن يكون معه ابناء اخته الجازية الثلاثة مرعي ويحي ويونس. وكانوا هم سرية الاستطلاع ولا تخلوا مهامهم من مغامرات وفكاهة وتراجيدا. وكانوا قلة كي لا يتعرف أحد عليهم فيحذر منهم. طبعا بوزيد فارس الفوارس البطل الهمام الذي لايشق له غبار وصاحب كل الصنائع والمهارات. كما كانت لكل من ابناء اخته الثلاثة مواهبهم الخاصة وفروسيتهم واقدامهم.

تنقل بوزيد الى الغرب مارا بالمدن والقبائل وفقد إثنين من ابناء اخته حيث غيبهما الموت بل وتم استعباد بوزيد البطل وتشغيله، من هنا ظهرت العديد من الامثال الشعبية، مثل "عفريتة بوزيد" ولها قصة واشعارا، ومثل "حرفة بوزيد" ولها قصة واشعارا، اما هذه فاتذكر منها شيئا. حين استعبد بوزيد شغٌله سيده في الحرف المتاحة وقتها، مثلا في رعاية البقر قال له صاحب البقر "ادخل البقر رأسا رأسا" فاخذ يقطع راس البقرة ويرميه في الحظيرة، نقله الى حرف أخرى فتظاهر بوزيد بالعبط ليتهرب منها، فاشتغل في رعاية الاطفال الصغار، يقولوا له "راسا والساس" أي راعي أن لا يرتطم راسه بالجدار فيفهمها بعكس المقصد وينطح راس الطفل بالجدار فيصرخ او حتى يموت وهناك شعرا لهذا ايضا، ومنها الزراعة فاخذ يفسد الارض بدلا من أن يفلحها ويرتجز: ”لو كان بوزيد عمار عمر سواني ابلادا ... ومن حاش بوزيد خراب على الله تصبح حمادة“، غير قابلة للزراعة.

وصل هو وابن اخته يونس تونس، وقد كان غاية في الوسامة فاحبته السفيرة عزيزة، وأحتجزته في قصرها. وصلت الاخبار باشكال مختلفة الا ان معظمها يتفق على أن بوزيد ضيع ابناء اخته. استغرقت الرحلة الاستطلاعية اكثر من عشرين عاما عاد بعدها بوزيد شيخا مسنا يجد صعوبة في المشي تغيرت ملامحه وفقد عينه في رواية ”العفريتة“، لدرجة انه حين عاد لنجوع قبائلهم في الشرق لم تعرفه شقيقته التي تحبه كثيرا وكانت قريبة منه. بوزيد كان رجلا قويا جدا، ولازالت بعض ملامح القوى تبدو عليه. ضيفته، وادخلته لـ“بيت“ عرب، خيمة، ومن عادة بوزيد كما تروي الحكاية، انه يجلس في منتصف البيت وخلفه "الجابر"، وهو عمود البيت الاهم الي يتوسطه وفي العادة هم أكثر من واحد لدى علية القوم.

جابر البيت، عمود قوي غليظ مثبت بعناية لا يصدر صوتا الا فقط حين يتكيء عليه بوزيد حينها يصدر "زقيقا" وهو صوت يشبه الانين لقوة بوزيد. حدث ذلك فلفت نظر الجازية "الذكية"، وكانت ماهرة في لعب "السيزة"، لعبة شعبية فكرية ليبية تتكون من تسع واربعين خانة في مربع من ثمان خطوط طول ومثلها عرض. حينها سالته إن كان يلعب "السيزة" فقال ولما لا، فغلبها ولا يغلبها الا بوزيد سالته انت بوزيد اجابها بنعم عانقته كثيرا وقص حكايتهم كاملة شعرا فاخفته عن القبيلتين. وأعدت غداءا نحرت فيه الابل وامرت بازالة العظام من اللحم وحرصت على أن يتحرى حراسها أن الجميع استجابوا لدعوتها دون احضار سلاح معهم وتم التأكد فعلا وكان بوزيد مطلوبا، فاظهرته لهم وصرخت "بوزيد ياطالباتا" أي يا من يطلبه للثار، وذهب هذا مثلا ايضا، والسيرة الهلالية غنية بالاشعار والامثال بالعموم. فرموه باللحم، إلا ان هناك عبدا زنجيا عندهم لم يفطنوا ان كان معه قوسه وسهمه فسدد نحوه فاخطأ السهم بوزيد وأصاب عمامته الملفوفة سبع لفات ومرق منها وانتهى الى ان حفر حفرة في نهايتها افعى غليظة طويلة، فقتلها.

من ضمن امثال بوزيد المستعملة "بوزيد لابس بوزيد عريان" أي ان بوزيد هو هو لا تغيره ملابس ولا شكليات ولذلك قصة طريفة. حكى بوزيد عن الرحلة للقوم شعرا ولا أتذكر سوى اخر بيت شعر حيث تحدث عن كل منطقة ومزاياها وعيوبها وما تعرضوا له فيها. كان البيت عن تونس فقال ”على لسان الرواة“: ( كلا تونس لولا يونس لاهي بلاد ولا يمتشالها)، طبعا هي رواية تعتمد مخيال الراوي فربما أراد بهذا البيت ايصال رسالة أن بوزيد الهلالي كان ناقما جدا على تونس ولذا لم ير اي شيئا حسنا فيها ولم يتذكر الا الآلآم التي واجهها وأهمها احتجاز آخر أبناء أخته. قصد أيضا أنهم يجب عليهم التوجه للغرب والوصول لقصر السفيرة عزيزة وتخليص يونس الذي لولاه لما نصحهم تجشم عناء الذهاب هناك كونها بلاد لاموارد بها، هذه مجرد إفتراضات لموقف بوزيد من تونس، سكانها صعاب المراس، وكون أن مصر كانت منارة ومهوى لافئدة الناس والباحثين عن العمل والعلم وكانت بلاد متنوعة غنية أرضها خصبة، فأن أغلب الهجرات لم تك تغريبة بل نحو الشرق مهبط الرسالات وأرض الحضارة ولا ينفي ذلك وجود حضارات موغلة في القدم في المغرب.

الرواية الليبية تختلف عن مثيلاتها المصرية والتونسية وفيها تعالي واضح من بوزيد شيخ بني هلال وفارسها وهم جاءوا من غرب الاردن ولا علاقة له بالحضارات، ولا يعرف شيئا عن تونس وحضاراتها ولا مصر ايضا. تنتهي القصة بغزوة قوية باتجاه الغرب الى تونس تحت قيادة ذئاب ابوالليل فارس بنو سليم(بالضم) واحترابه مع الزناتي خليفة زعيم الامازيغ وانتصاره عليه وزواجه من ابنته "سعدة" التي ينسب لها قبائل السعادي "اكبر فروع قبائل برقة"، وعاد معه إبنه يونس وتفرق بنو سليم وهلال بين شرق ليبيا وغرب الجزائر مرورا بتونس وصولا للمغرب.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز