عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
واصْرِبوهُنَّ لا واضْرِبوهُنَّ فقد جعلوا الصاد ضاداً

"واصْرِبوهُنَّ" لا "واضْرِبوهُنَّ"- فقد جعلوا الصاد ضاداً

 اتفق في الثلاثينات من القرن السابق أن تزامل في الأزهر  فتيانِ خليليَّانِ وكان كلاهما ابناً لشيخ أزهريٍّ. دفع الشوقُ أحدَهما واسمه "إبراهيم" أن يعود إلى الخليل أثناء عطلةٍ صيفيّةٍ، فبعث معه زميلُه "أحمد" برسالة مظروفة يطلب فيه من والده مَدداً ماليّاً وكتب على ظرفِها اسم والده مسبوقاً بكلمتينِ هما: سماحة الشيخ ..... تعبيراً عن توقيره وتبجيله لوالده.

وقبل توصيل "إبراهيم" للرسالة تكرّم بإضافة نقطة إلى حاء كلمة سماحة فصار اسم الشيخ المرسل إليْه مسبوقاً هكذا: سماجة الشيخ  (فلان ابن فلان). فماذا كانت النتيجة؟

طبعاً، كانت النتيجة هي انقطاع المدد عن "أحمد" وقطيعة والده له وحكم الأقارب والمعارف أنه يستأهل الضرب مبرّحاً مقرّحاً.

أجل، إنها مجرد نقطة ولكنها كانت وراء بلاءٍ كبيرٍ وورطة.

ولقد ذكّرتني هذه النقطة بنقطة أخرى جلبت ضرباً للملايينِ ممن لا يستأهلْنَ حتى التلويح بغصنٍ من الريْحان.

فأين هي هذه النقطة؟

إنها التي في ضاد كلمة "واضْربوهن" في قوله تعالى: "ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً" (النساء 34)

فهل دخلت هذه النقطة في "وَٱضْرِبُوهُنَّ" فجعلتِ الصادَ ضاداً؟

من الثابت أن مصاحف الخليفة الراشد عثمان بن عفّان، رضي الله تعالى عنه،  لم تكن مشكولةً ولا منقوطةً، ومن بعد ذلك كانت القراءات واختلافاتها، وهي في أغلبِها كما يرى الإمام الفخر الرازيُّ، الذي هو عندي عقلُ المفسرين، أمور اجتهادية أكثر منها توقيفيّة.

حسناً، إنني أرى أن النقطة في الحرف الثالث من "وَٱضْرِبُوهُنَّ" قد جاءت اجتهاداً لا توقيفاً، أي أن الأصل هو أن نقرأها "وَٱصرِبُوهُنَّ" أو "وَأَصْرِبوهُنَّ".

فما هو الصَّرْب؟

وما هوَ الإصْراب؟  

رجوعاً إلى الآية المتحدثة عن مخافة الأزواج نُشوزَ زوجاتِهم فإنه من الواضح أن هناك ثلاثةَ أوامرَ للرجال لمعالجة من خيفَ نشوزُهن.

وأكتفي في هذا المقال إلى التركيز على أنّ الأمر الثالث هو "وَٱصرِبُوهُنَّ" أو "وَأصْرِبُوهُنَّ" لا "واضْرِبوهُنَّ". فماذا يعني كلٌّ من "الصرب" أو "الإصراب" باختصار؟

فأمّا "وَٱصْرِبُوهُنَّ" فإنه أمر يفيد التضييق على اللاتي يُخافُ نشوزُهنَّ في النفقة والمسكن وسائر المعايش.

وأمّا "وَأَصْرِبُوهُنَّ" فإنه أمر يفيد طلباً بمنع مَنْ يُخافُ نشوزُها من مغادرة منزلِها، أي بجعلِها لصيقة بيتها كأنّها قد أُلْزِقَت به بصمغٍ أو غراءٍ. وهذا الإلزاق بالبيت من شأنه على الأغلب أن يحول بينها وبين الاتصال بمن يُشتبَه بأنها تتهيّأ وتتحضّر ليكون لها عشيقاً أو زوجاً بديلاً، وكذلك فإن اعتقالَها واحتباسَها في منزلِها يجعل وصوله إليها أمراً غيرَ يسيرٍ، علاوة على أنه يجعل مراقبتَها ممكنةً على الدوام.

وما هذا إلا من قبيلِ العلاج الوقائي كأنه حجْرٌ صحيٌّ، أو قُلْ: هو حشرٌ جنسيٌّ.

 وإن شاء الله تعالى نكون هنا في عرب تايمز مع توسعات وشروح في مقالات لاحقة.

من كتاب "التفسير الغائب"








تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز