موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
سماء فاطمة وطهر فاطمة ورقي فاطمة

أنا في الطائرة. أحلق في العلياء. أنظر من نافذتي البيضاوية إلى الغيم الأبيض مزدحما من تحتي كأنه بحر لجي من ثلج وسراب. أنظر كرّة أخرى فأرى السحاب  بساطا ممتدا ناصعا كالقطن متماوجا مثل غطاء  ابيض وقد  حجب وجه الأرض عن  قرص شمس  منتصف النهار  وحال بينها وبين أشعتها الباهرة الجميلة.

أتأمل من خلال  نافذتي السابحة ذرة في بحر مجرات الكون وأجرامه البعيدة, فتبدو السماء هادئة وشامخة بكل زرقتها وصفاء قلبها.  

تواصل الطائرة رحلتها في ملكوت الفضاء الفسيح.

 أمعن النظر من شباكي, ألمح جناحها الصغير وقد امتد وحيدا وضئيلا في الآفاق الرحيبة.  

أضحت الطائرة جسما سابحا بين غلا لتين رقيقتين, راحت تنساب سمكة منتشية بين أسقف زرق شهية وزرابي متوهجة بالبياض.   

مالت بهيكلها الصقيل ميلة بسيطة نحو جنبها الأيمن ثم بدأت تعدل مسار طيرانها  منخفضة شيئا فشيئا.

 برزت رؤوس الجبال حادة وهامدة مثل براكين خامدة قديمة.

 تمزقت حبكة الغيم وتلاشت خيوط شاشه الأبيض مسفرة عن مشهد الألب والأنهر والبحيرات المتجمدة السحيقة.

 

أي السبيلين؟ الأرض أو السماء؟

 

غابت تضاريس المرتفعات المدلهمة بوجوهها المتغضنة خلف الأجنحة  الثابتة المثابرة الحثيثة. ظهر الساحل المتوسطي لفرنسا. بدت جسور ومرافئ ومراسي كثيرة لسفن بلا أعلام ولا ملامح.

أخيرا أطلّ البحر الأبيض المتوسط بكامل وسامته وأناقته وقد شقّ قميصه الازرق عن صدره مثل شاب شقي موشك على الدخول في عراك بالأيدي.

ظهر صدر البحر مثل صفحة بلا نهاية.

 

لو أني أعرف أن البحر عميق جدا.. ما أبحرت

لو أني أعرف خاتمتي... ما كنت بدأت"

 

سيداتي سادتي بدأنا الآن بالهبوط. بعد قليل سنحط في ارض المطار. نرجو منكم تعديل مقاعدكم وإطفاء أجهزتكم الإلكترونية.  نشكر اختياركم خطوطنا الجوية والسفر على متن طائراتنا. نتمنى لكم استكمال رحلة سعيدة  وقضاء أوقات طيبة ممتعة.

كانت الطائرة قد حسمت وجهتها الأخيرة منحدرة نحو المدّرج الطويل. وكنت قد حسمت وجهتي نحو وجهها وقلبها وسمائها, زاهدا بحطام  لذة عابرة ورغبة بالية وحفنة من بهجة وسراب.


























هذا النص كتب في 02/01/2011 و اعيد نشره اليوم بعدما حصحص الحق وظهر الفرق واضحا وجليا بين الحقيقة والوهم وبين الثريا والثرى وبين منابع الطهر وطواحين السراب.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز