نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
خرافة التوحيد: البشرية بين إله وإله

لا شك سيلاحظ أي متتبع لمفهوم وتصور وسلوك الآلهة المفترض عبر الزمان بأن هناك فرقاً وتبايناً واضحاً بمفهوم الله والألوهية والربوبية بشكل عام والذي نما وتطور كسلطة إدارية كونية علياً بين الثقافات والحضارات والشعوب وبيئاتها المختلفة حيث نشأ وتطور مفهوم وتصور الله عند المجتمعات المختلفة وذلك طبقاً لطبيعة الدعاة "الرسل" الذين تبنوا ترويج الفكرة وطرحها، وعلاقة ذلك إلى حد كبير بتكوينهم النفسي وطفولتهم وتربيتهم وحياتهم ونشأتهم وحتى بيئتهم الطبيعية بين السهل والجبل والأدغال ولصحراء، فلكل منها إلهه الخاص به الذي تطور ونشأ في هذه البيئة وهذه المجتمعات، حيث كانت تتكاثر وتتعدد الآلهة طبقاً للحاجة الاجتماعية والإنتاجية لها، حتى وصلت درجة انعدامها تماماً ونفيها والتخلص منها في المجتمعات الصناعية الإمبريالية المتطورة جداً حيث لا حاجة لخدمات الآلهة على الإطلاق.

سنلاحظ مثلاً وجود فرق هائل وفاقع بين إله طيب وديع ودود عادل رحيم حنون معصوم خجول منكفئ لا يتدخل بشؤون مخلوقاته نزيه يدعو للمحبة والتسامح والتعايش بين البشر ويقول لأتباعه من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر وعنده محرمات ووصايا عشر وأوامر ناهية لأتباعه بألا يفعلوا ما يحلله إله آخر، وبوذا، مثلاً، الإله البشري الذي يدعو للسلم ويمنع الحرب والغزو وهتك الأعراض واحترام الآخر ويقول لأتباعه الكائنات كلها ترتعد أمام العنف كلها تحب الحياة وتكره الموت ولا يقول لهم وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل يقول لهم: عش بسعادة عش بالمحبة حتى بين أولئك الذين يحقدون عش بسعادة بفرح بالصحة حتى بين البؤساء ويزيد في قوله  إن الكراهية لا توقفها الكراهية، فقط الحب يوقفها، هذه قاعدة عالمية، ويوصي الإله بوذا أتباعه بالقول: عش بسعادة عش بالمحبة حتى بين أولئك الذين يحقدون عش بسعادة بفرح بالصحة حتى بين البؤساء

  لكن هناك، وفي مكان آخر،  إله آخر يـُعبد هو إله غاضب معتوه مسعور موتور حائر متناقض بقراراته وأقواله مجنون جبار عنصري حاقد يميز بين مخلوقاته ويرفع بني إسرائيل وبأنه يفضلهم على العالمين  آلهة تقدس الأنثى وتعبدها وتجعلها ربة معبودة وآلهة تشبهها بالغائط والكلب والحمار وتقول بأن كل سكان جهنم وقودها النار، إله داعية قتل ماكر داعر يحلل المتعة ويطلب أتباعه بدفع أجور لمن يستمتعوا بهن ويدعو لاستباحة وسبي النساء وانتهاك أعراض الناس والسطو على ممتلكاتها وغنمها والغزو واحتلال والاعتداء على المجتمعات الآمنة وابتزاز البشر يعمل قوادا وسمسارا ومسهل دعارة عند أحد مخلوقاته ويخطب ويزوج أجمل النساء وأكثرهن إثارة ولا يضيره زواجه من طفلة صغيرة ويبرر شطحات أحد مخلوقاته "السكسية" وانحرافاته وممارساته الجنسية ومع ذلك اصطفاه دون العالمين  وصلى عليه هو وملائكته  في الوقت الذي تمنع وتغضب وتحرّم آلهة أخرى كل هذه الموبقات والانحرافات.

هذا كله ينسف من الجذور والأساس فكرة وحدة الآلهة ووحدة المفهوم والتصور وبالتالي وحدة الأديان التي تتباين بعمق وحدة فيما بينها وفيما بين تصوراتها وفقاً وتبعاً لرسم وتصور الإله الذي رسمته وارتضته لنفسها كمؤشر وبوصلة تعيش من خلال آلهتها وتبرر لنفسها موقعها ومكانتها وسلوكها البشري. إذن لم تتوحد البشرية يوماً على مفهوم وفكرة الله والقول بوجود إله مفترض واحد يقدم ويطرح منظومة قيمية وتشريعية واحدة هو قول مبالغ فيه وغير واقعي طالما لا يوجد هذا الشيء لا على أرض الواقع ولا في أذهان البشر والأتباع فلكل إلهه الخاص ومفهومه وتصوره الخاص عنه فلا يمكن إقناع الناس بوجود إله رحيم في الوقت الذي يدعو فيه إله آخر للقتل والسبي والغزو وهتك الأعراض، هذا أمر مستحيل، وبالتالي ففكرة توحيد الآلهة التي جاهد أمنحتب "إخناتون" في رسمها واجتراحها هي فكرة مستحيلة وغير عملية وغير قابلة للتطبيق طالما هناك رؤى وتصورات مختلفة للآلهة وطبيعتها وسلوكها ولا يمكن الإيمان بوجود إله واحد بوجود بيئات مختلفة تحكمها افتراضاً وتديرها هذه الآلهة فهناك آلهة عادلة في المجتمعات العادلة، وهناك آلهة ظالمة حيث يتواجد الظلم بكثرة، وهناك آلهة طيبة حيث تكثر الطيبة، وهناك آلهة شريرة حيث يكثر الأشرار والشياطين..

والآن عزيزي القارئ ما عليك إلا الاختيار بين تشكيلة ومصفوفة الآلهة هذه الإله الذي تعشق وتريد هذا إن كنت تؤمن بوجود أي إله؟

 

 

 

 

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز