إدريس أحمد
hamada.d.1968@gmail.com
Blog Contributor since:
11 June 2019



Arab Times Blogs
الحاجة الملحة إلى ثورة بداخل عقول مشايخ الدين

 (الكلام الآتي يرجع تاريخ كتابته إلى سنوات مضت…)

 

 

يقيناً الأمة بحاجة إلى ثورة، ثورة بداخل عقول المشايخ !

 

نعم نحن بِأمَس الحاجة إلى ثورة بداخل عقول المشايخ. هذه العقول المُقفِرة إلاَّ من الأوهام، و التي لا زالت مُقفلة تماماً بإحكام. إلاَّ ما رحم ربي. نفوسُهم في حاجة إلى مراجعة شاملة و قاسِية، و كذلك الكثير مِن الأفهام و الأفكار التي هي الآن عِندهم مِن المُسَلَّمات، إن أرادوا أن يصيروا مِن رُوَّاد نهضة حقيقية.

 

و ليبدأوا بِفَتْح قلوبِهم لِكافة الخلق و تَوْسِيع آفاقهم و رَفْع حِسِّهم الإنساني، إن كانت تحدوهم رغبة صادقة و حقيقية في أن يصيروا رحمة للعالَم أجمع. إن كانت لديهم رغبة جادَّة بِأن يكونوا مُساهِمين بفاعِلية و إيجابية في صناعة المستقبل. إن كانوا جادين صادقين في السعي لِبناء مجتمعاتٍ راقية متوازنة في جوانبها المادية و الروحية و أكثر إنسانية.

 

أَمْرُ كثير مِن المُتحدِّثين بِإسم الدين عندنا مُذهِل حقاً : العالَم الذي يُحاوِلون إقناعَه بِأنَّ هَمَّهُم الوحيد هو دعوتُه إلى العِبادة الخالِصة لإله لا حدود لِحَنانِه حَيْث وصفه نَبِيُّه بأنه أَرْحَمُ بِالخلق مِن الأم بِوَلَدِها، يَجِبُ أن يعرف هذه الحقيقة الصادمة المُروِّعة بشأن الدين كما صَيَّرَتْهُ أفهامُهم السَّقيمة، و هِي أنهم يُحَرِّمُون قطعاً على أتباعِهم طَلَب الرحمة مِن هذا الإله الذي هو ربُّ الجميع لِموتى الغير حتى لَوْ كان هؤلاء أزكى مِنهم سيرة في الدنيا !

 

إضافة إلى ما سبق هم في عُمومِهم يجهلون و لا دِراية لهم بقواعد السياسة و لا أبسطِ مبادئها، حِساباتُها المُعقَّدة هي فوق إدراكِهم و إدراكِ الغالِبية العُظمى مِن البشر، و مع ذلك البعض يخوضون فيها بلا تبصُّر و دون ترَوٍّ فيُسيئون و هم يحسبون أنهم يُحسنون : يحسبون ما اقترفوه بِحق أوطاننا و بَقِيَّة العالَم هيِّناً و هو عظيم. و الله أنا أتمنى أن يأتي اليوم الذي تكون فيه السياسة قد اصطلحَتْ مع الأخلاق و لكني أرفض بتاتاً و نِهائياً تسييسَ الدين و اتِّخاذَه مَطِيَّة لتحقيق أغراض دنيوية

 

لقد أَسْهَمَ شيوخُ الهَبل بِمَوَاقِفهم الرَّعناء و الحمقاء في التَّسَبُّبِ بِطوفانٍ مِن الخراب، مسؤولِيَّتُهم في مَصائبِ أمَّتِنا المُتتالية تُعَادِل و ربما تفوق مسؤولية حكام الجَوْر و الإستِبداد و نُخَبِ السوء الأخرى، لقد أغرقونا في بِحار الإضطراب و الحيرة و أَوْصَلنا فَهمُهم لِلدين إلى حافة الفناء. إذاً الكفر البَوَاحُ بِهم و بِتفسيراتِهم الضَّيِّقة لِلدين، المُمِيتة القاتِلة لِروحه و الجالِبَة لِلكوارِث، فَرْضُ عَيْنٍ على كُلِّ مَن يَحترِم آدَمِيَّته، حتى لَوْ لم يَكُن مِمَّن فازوا عِند الوِلادة بِلَقب مسلم. هم صُنَّاع نكد لا صُنَّاع أمل. الأمور اسْتَفْحَلت و ما عاد يُطاق هذا الإنحراف بل الضلال الذي ذهب إلى أبعد الحدود. لم نَعُد نستطيع التحمُّل أكثر فالذي يحدث الآن - بل منذ أمد - يُسمِع الأصمَّ و يُحيي الموتى و يُنطِق الصخر.

 

يا رب رُدَّ شيوخَ الفتنة إلى رُشدِهم عاجِلاً غَيْرَ آجِل، فقد بلغ سَيْلُ الدم المسفوكِ الزُّبى و قلوبنا المُثخَنة بالأسى ما عادت تحتمل المزيدَ من الدمار و الإقتِتال و الفوضى ـ فوضى هدَّامة لِبُلدانِنا و لِمُقوِّماتِها المادية و الروحية و لِطاقاتِها البشرية و لَكِنَّها خلاَّقة لِصالِح الإستِعماريين الجُدد ـ، أو استأصِل شَأْفتَهم و اقطع دَابِرَهم عاجِلاً غَيْرَ آجِل ! مُسكِّنات المرض ما عادت تكفي، لِذا وَجَب اقتلاعُ الدَّاء مِن جذوره.

 

الإصلاحُ مطلوب و واجب، في كل بِلاد العالَم، لَكِنه لا يَتحقَّقُ بهذه الوَسائل. كما لا ينبغي أنْ ننسى أنَّ الإصلاح و التغييرَ مسؤوليةُ و مُهِمة الجميع، كل حَسَبَ طاقتِه و قُدُراته و المركزِ أو المَوْقِع الذي يحتلُّه في المجتمع.

 

و ما لا يَسَعُ أحداً إغفالُه أو نِسيانُه و لا التقليل من شأنه هو ما يلي : ثورةُ الفكر في مجال الدين هي مِفْتاحُ التغيير الحقيقي، الإصلاحِ الفِعلي الجَوْهري الشامل الذي نترقَّب بِشَوْقٍ بزوغَ فجرِه و تتطلعُ إليه الأمة قاطبة بفارغ الصبر فلقد طال كثيراً أمدُ انتظاره، قطعاً و يقيناً و بكل تأكيد هي شرطُ انتعاشنا الحضاري.

 

لا بد من مراجعة صادقة شاملة مَوْضُوعیة لفكرنا الديني المَوْروث، لا بد من إصلاحٍ حقيقي بل إعادةِ بناءٍ لمنظومتنا اللاهوتية بالكامل !

 

 

(مقتبس من كتابي "صرخة قلب من مسلم مقيم في الغرب - أفكار و تأملات من أجل ربيع عربي حقيقي"، دار الماهر للطباعة و النشر و التوزيع، الجزائر، أبريل 2019 ؛ قريباً طبعة جديدة إن شاء الله).

 








تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز