نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
أنقاض الثقافة والوطن وأنقاض الذات .. إعادة اعمار الضوء

ليست الأنقاض التي نراها في الطرقات هي النتيجة التي انتهت بها الحرب على سورية والربيع العربي .. وليست الأبنية وحدها هي التي انهارت .. بل كل شيء تصدع وتشقق .. ومهمتنا ليست فقط إعادة اعمار الأبنية وإزالة الردم والانقاض وإصلاح الأبنية التي ترنحت .. فماذا يعني اعمار المصابيح اذا لم لم نعد اعمار الضوء ذاته .. فما تكسر ليس المصباح فقط والزجاجة بل النور ذاته والضوء ذاته .. فللضوء أنقاضه أيضا .. !!

أستطيع ان أقول بأن كل شيء قد تحطم وتشقق وترنح .. وأن مانراه في الطرقات المدمرة هو نفوسنا وثقافتنا وديننا وأنقاض الذات .. فنحن عندما ننظر الى تلك الأنقاض انما ننظر الى أنفسنا ونطل على أعماقنا الخفية .. فما ترمقه عيوننا المذهولة ليس الا نحن من الداخل بعد هذه التجربة القاسية ... نحن الآن نرى بأم أعيننا أنقاض الثقافة والطبقات والدين والايمان والأحزاب والشعارات والاحلام .. وحتى الله نفسه وصلت اليه السكاكين وتلطخ ثوبه ببقع الدم ووصل رذاذ الدم الى وجهه .. والقذائف والصواريخ وقذائف الهاون كانت لاتسقط على الأجساد والطرقات بل كانت تهوي وتنفجر على أرصفة التراث والاحاديث النبوية وأعتاب الكتب المقدسة .. وفي أحيان كثيرة علينا ان نسأل ماذا بقي من الله الذي نعرفه في الشرق منذ آلاف السنين لأنه هو الذي كان محور الصراع والحرب .. وفي أحيان كثيرة كان هو محور الصراع وأداته ..

أظن ان فرصتنا لاتفوت في ان ننتهز هذه الفرصة في إعادة اعمار الثقافة وتكوين الطبقات والايمان والأحزاب .. وتعريف الانسان .. ولكن هذا سيبقى كلاما ودعوات خطابية تذكرني بخطابات المهرجانات والاحتفالات الحزبية (أي حزب ولاأستثني حزبا) ..

علينا ان نفكر في وسيلة وبرنامج شامل يتحول الى بلدوزرات ثقافية تجرف هذه الأنقاض .. ويكون مثل شحنات الدينامبت او الآلات التي تهدم الأبنية المتزعزعة والمترنحة .. فلا يكفي ان ننتصر في هذه الحرب لأن الانتصار في حرب دون ات نستفيد من دروسها سيحول النصر الى جولة كسبناها .. والجولة القادمة لاشك ستكون أقسى لأن العدو اذا فكر بطريقة للاستفادة من دروس هذه المرحلة وتجاوز ثغراته سيجعل قدرتنا على كسب الجولة القادمة اقل حظا .. فالخصم لم يذب ولم يتبخر بل هو طاقة تتحول .. لاشك انها كامنة الآن ومشلولة نسبيا .. لكنها تبحث عن طريقة للاشتعال ..

والخصم هنا هو الغرب وإسرائيل بالدرجة الأولى .. ولكن علينا ان نقول ان أخطر مافي الخصم هو أدواته التي استخدمها في هذا الربيع .. فقد استخدم الفرد العربي والمسلم مثل الترس والسيف .. واستخدم الدين والله ببراعة لاتنكر .. وجعل النبي قائدا للحملة الغربية علينا عن طريق استيلائه على وسيلة التخاطب .. وسرقته للمساجد وسطوه على الإسلام والطوائف .. وهذه الأسلحة هي ذاتها التي استخدمها نفس العدو مع مشروع ناصر القومي ومع مشروع الخميني الإسلامي ومشروع البعث العراقي والسوري والمشاريع اليسارية والتحررية .. بما فيها مشروع المقاومة ..

هل الحل كما يقول الكثيرون يكمن في تنقية الدين وإعادة توزيعه بعد ان يخضع لعلاج مكثف ضد الأورام والانتانات والخثرات التي اصابته في شرايينه المتصلبة .. وهل هذه التنقية عملية لها حظ كاف للنجاح ؟؟ وهل سينجو الدين ويخرج من غرفة العمليات كما كان من غير أورامه وخثراته حتى لو زرعنا فيه قلبا جديدا ورئة جديدة وأعضاء جديدة؟؟
هل يكمن الحل في خوض نزال جديد مع التراث ومحاكمته في محاكمات ميدانية واطلاق الرصاص عليه او اخضاعه لصدمات كهربائية كما يخضع الموتى لصدمات تطلق نبضات قلوبهم ؟؟

هل هشاشة الثقافة وحدها هي المسؤول عما حدث حيث تهاوت الطبقات الثقافية .. او كما قالت لي احدى الصديقات ان في الثقافة طبقات .. فكما ان هناك طبقة وسطى في المجتمع تقررها ثروتها ووسائل انتاجها فان في الثقافة طبقة وسطى تلاشت في الحرب وصارت الثقافة في الشرق منقسمة الى ثقافتين .. واحدة متطرفة جدا في لاهوتيتها وأورامها المذهبية التي تنمو عليها بشكل طبيعي كالفطريات والبثور .. وواحدة مفرطة في علمانيتها الى حد دمر فيها خصوصيتها الثقافية وتحولت الى مائع ثقافي هائم على وجهه ..
الجواب ليس سهلا لأننا لانزال لانعرف ماهو السؤال الصائب ولانعرف السؤال الذي سيكون مفتاحا لمغارة علي بابا حيث الكنوز المسروقة من المعرفة والاجابات الضائعة والمفقودة ..

ماأعرفه هو ان ماخضناه كان جولة طالت تسع سنوات ولاتزال مستمرة ولكن هذه الجولة هي واحدة من الجولات التي خضناها .. ولكن لايبدو من الحصيف ان ننتظر الجولة القادمة .. بل يجب البدء بهجوم معاكس قبل ان يستقر العدو ويعيد تنظيم صفوفه ..
الحركات الإسلامية والدينية عموما التي هزمت كما قلت لم تتلاش .. بل انزوت وهي تنتظر مثل الجراثيم الانتهازية التي تدمر الجسد عندما يتعرض للبرد او لضعف في قدراته المناعية لأي سبب .. وهي ستبقى وسيلة لايستغني عنها الخصم الغربي والإسرائيلي في إعادة انتاجها باشكال أكثر عدوانية وشراسة طالما انها ترى ا إعادة سيرة الرسول لاتكون الا بإعادة انتاج الجهاد في غزوات بدر و أحد من أجل قافلة السلطة ولاترى بعد ذلك أي جهاد ..

الدين سيبقى لأنه جزء من تركيبة هذا الشرق وتكوين انسانه .. ولايكفي مثلا ان ننتقد التدين والقبيسيات وذلك المشهد المخيف لامرأة تقدم يدها لتقبلها مريداتها وتابعاتها بخشوع وتذلل يثيران الذعر والخجل في آن معا في حين غابت كل الحركات النسوية في المجتمع ولم يظهر منذ تفكيك الاتحاد العام النسائي أي تنظيم بديل ليوازن هذه الحالة النسوية التي تؤسس لطبقة مخدرة منومة مغناطيسيا وفيها طقوس ماسونية انثوية من الولاء والانقياد .. ولايكفي ان نطلق التيارات العلمانية الرومانسية التي تعزل نفسها في قوقعة وكأنها تحدث نفسها دون ان تواجه التيار الديني القروسطي بكل طروحاته ونظرياته في مناظرات وسجالات مدروسة تشكل حالة صدمة للقاء الطرفين بعيدا عن تقنيات برامج الجزيرة وصراع الديكة.. وتستدعى كل حادثة وكل حكاية للتحقيق معها امام الملأ ومحاكمتها بمنطق العلم والتطور وفطرة الانسان السليمة .. وان يدخل النقاش الى المدارس والعملية التدريسية وتنطلق صيغة الاحتكاك والتصادم الإيجابي منذ السنوات الأولى للنشأة والتربية بحيث ان الجيل القادم يتم تهيئته للنقاش حول المتناقضات ولكن نبني طبقة وسطى ثقافية تبتلع التطرف والميوعة العلمانية .. ويتم تكوينها الذهني على علاقة إيجابية مع النقائض واسقاط القداسة عن الرموز الدينية والقناعات المذهبية وكذلك عن الأفكار الحديثة كأفكار وضعية التي تقبل الخطأ والصواب ..

هذه مسؤوليتنا نحن كمنتصرين في هذه الجولة .. ولكن اذا قامت جولة أخرى ولو بعد خمسين عاما فان كل حجر يهدم وكل قطرة دم سنكون عنها مسؤولين .. وسنقف في قفص الاتهام من ذلك الجيل الذي يتعذب بما تركنا له من ألغام وقنابل لم نفككها .. واكتفينا بأكاليل الغار وقرع الأنخاب .. والعيش على ذظريات وبطولات هذا الجيل ..
واذا كان هناك مولود جديد قبيح اسمه صفقة القرن فلنعمل على اطلاق ماهو كفيل بتحطيم كل الصفقات في كل القرون .. في اطلاق مهمة القرن .. وهي إزالة أنقاض الذات وأنقاض الثقافة والمعرفة وانقاض الانسان .. وأنقاض الاله الذي دمره المشروع الغربي من أجل ان يعلو يهوه .. ويموت الله الطيب الرحمن الرحيم الذي ننتمي اليه في هذا الشرق ..

Image may contain: one or more people






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز