د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
قراءة المولد النبوي في مدن وقرى فلسطين: عقربا مثالا

كان المجتمع الفلسطيني في منتصف القرن العشرين مجتمعا زراعيّا محافظا على العادات والتقاليد، بطيء التغيّر، ومحبّا للتديّن والطقوس الدينيّة ومن بينها قراءة المولد النبوي الذي كان يعتبر تقليدا مباركا يمارس في بيوت مدن وقرى فلسطين لأسباب عدة منها أن الرجل كان " ينذر" بقراءة مولد لشفاء مريض من أفراد أسرته كابنه أو ابنته أو زوجته، أو شكرا لله على شفائه هو أو قريب عزيز عليه، أو مباركة بيت جديد تم الرحيل إليه حديثا، أو عودة غائب أو نجاته هو أو أحد أفراد أسرته من مصيبة، أو اجتيازه وضعا نفسيّا أو ماديّا صعبا، أضف إلى ذلك أن الناس كانوا يعتقدون أن قراءة المولد النبوي في البيوت جزء من التديّن، وتقرّبهم إلى الله وتكسبهم رضاه، وتجلب لهم الخير، وتساعد في سلامتهم وحفظهم هم وبيوتهم من الحسد والشرور والمصائب.

كان الاحتفال بالمولد مناسبة لها طقوسها المميّزة، والتزاماتها، والأشخاص الذين يقومون بها؛ ففي المدن كانت توجد فرق متخصّصة لقراءة الموالد النبوية في البيوت، والعزف والغناء في الأفراح كالخطبة والزواج، وبناء البيوت الجديدة؛ وكان بعضها أيضا يشارك في الجنازات حيث يسيرون وراء الجنازة وهم يكبّرون، ويقرؤون القرآن في بيوت العزاء.

في مدينة نابلس على سبيل المثال، كان أعضاء هذه الفرق يرتدون لباسا مميّزا متشابها مكوّنا من سروال شامي أسود مع قميص وشداد: حزام من القماش الملونّ، أو قنباز أبيض مخطّط جميل كانوا يسمّونه في الريف سرّطليّة أو ديماية، وطربوش تركيّ أحمر مشرشب.

 وعندما كان أفراد الفرقة يشاركون في قراءة الموالد كان أحدهم يضرب على الدف: الطبل الصغير بخفّة، ويحمل الباقون أقراصا نحاسيّة في أياديهم، ويضربونها ببعضها لتنبعث منها أصواتا موسيقيّة جميلة. كانت هذه الفرق تكسب جزءا من رزقها من هذه النشاطات بحصولها على أجرة نقدية أو عينية متفق عليها، أو تترك لكرم صاحب البيت.

 في قرية عقربا، وتحديدا في الخمسينيّات من القرن الماضي كان عدد القادرين على القراءة والكتابة من الرجال محدودا جدا، ولهذا كانت قيادة قراءة المولد في البيوت مقتصرة على إمام مسجد القرية الوحيد الشيخ يوسف اللافي، أو الشيخ أحمد أبو كبر، أو الشيخ فارس حسن الصالح رحمهم الله ولم تكن هناك موسيقى وأدوات عزف كما كان الحال في المدن؛ لا أعرف ما هو السبب! لكن ربما كان لذلك علاقة بالاختلافات بين طبيعة الحياة الريفيّة والمدنية في ذلك الوقت، وانتشار آلات العزف في المدينة وانفتاح اهلها وقبولهم للفن بصورة عامّة.

كان الرجل الذي يريد إقامة مولد في بيته في القرية يتفق مع شيخ من المشايخ على الموعد الذي يكون في المساء بعد صلاة المغرب ، ويوجّه الدعوة شفويا لأقاربه وأصدقائه وأهل حامولته للحضور والمشاركة في القراءة وتناول طعام العشاء الذي غالبا ما يكون مناسف بلحم الضأن أو الماعز، وتقدم فيه المشروبات كالشاي والقهوة وأحيانا بعض أنواع الحلوى.

لقد حضرت مولدين ما زلت أتذكر بعض تفاصيلهما جيدا: الأول أقامه عمّي المرحوم أحمد أبو ناصر شكرا لله على إتمام بيته الذي بناه في عمارة : مزرعة العائلة الواقعة في منطقة الكروم، والمكوّن من غرفة وبرندة، والمعزول عن القرية، حيث لم يكن حوله في ذلك الوقت إلا بيوتا قليلة تقع في المنطقة الجنوبية؛ كان هذا المولد بقيادة المرحوم الشيخ فارس حسن الصالح الذي كان يعتبره أهل القرية شيخا ضليعا في العلوم الدينية، وحضره الأقارب ووجهاء حمولتي بني جابر وبني منّيه.

 أما المولد الثاني فقد أقامه عمي المرحوم حسن أبو ناصر شكرا لله على البيت الذي بناه لأولاده العاملين في الكويت في بداية الستينيّات من القرن الماضي في " النقّار"، المنطقة الواقعة في الشمال الغربي من حامولة بني جابر، وكان بقيادة فرقة مكونة من خمسة أو ستة أشخاص يرتدون لباسا موحدا أحضرهم من مدينة نابلس القريبة، ربما لأن عمي شعر أن احضار فرقة من نابلس يعطي الحدث زخما أكبر ويزيده بهجة.

كان تنظيم قراءة المولد النبوي وتسلسل الأحداث فيه ممتعا وله رونقا دينيّا واجتماعيّا خاصّا؛ دينيّا كان لقاء يغلب عليه الطابع الصوفي الروحاني، وتسرد خلاله قصّة مولد الرسول عليه الصلاة والسلام فيشعر الحاضرون المشاركون فيه بالتقرب إلى الله، ويستمتعون بجوّ روحاني تتلى فيه الأناشيد والموشحات الدينية بأصوات موسيقيّة جميلة، ويحصلون على الكثير من الحسنات جزاء لهم على مشاركتهم؛ أما اجتماعيّا فكان مثالا على التكافل الاجتماعي ومشاركة الآخرين في أفراحهم وأتراحهم، ومناسبة للقاء الأقارب والأصدقاء وتبادل اطراف الحديث عن مجريات الأمور في القرية، وتناول وجبة دسمة والمشروبات وبعض الحلوى.

كان الحاضرون يجلسون على الأرض المفروشة بحصير وفرشات بسيطة، لم يكن في عقربا أرائك: كنبايات في ذلك الوقت، ولم يكن هناك حتى كراسي خشبيّة إلا في بيوت محدودة جدّا لا تتجاوز عدد أصابع اليد. كان الشيخ الذي يقود مراسيم المولد النبوي يجلس في صدر الحجرة ويحيط به الحاضرون ويبدأ المولد بقراءة تدّل على عظمة الله وقدرته، وبعد أن ينتهي الشيخ من قراءة الفصل المخصص لهذا، ينشد المدائح والموشحات المنقولة والمتداولة، وقد يكون من ضمنها جلّ أو بعض ما ورد في هذه السرديّة، ويردّد الحاضرون وراءه:

" الله الله الله الله * مالنا مولى سوى الله

كل ما ناديت يا هو* قال يا عبدي أنا الله

صلوا على خير الأنام * المصطفى بدر التمام

صلوا عليه وسلموا * يشفع لكم يوم الزحام

صلوا يا أهل الفلاح * على النبي زين الملاح

من سرى بالليل حقا * وأتى قبل الصباح."

 ثمّ يشكر الله سبحانه وتعالى على حدوث الحمل، وعن تشريف أمنة بنت وهب بحمل رسول الله عليه الصلاة والسلام، وبولادته ثم ينشد ويردّد الحاضرون بعده:

" يا آمنه بشراك * سبحان من أعطاك * لحملك محمد * رب السما هنّاك /

بالمصطفى سعد غلب * لما حملت في رجب * ولم تري منه تعب * هذا نبيّ زاكي /

شعبان شهر ثاني * والنور منه باني * لذي النبي العدنان * فالسعد قد والاك /

رمضان ثالث شهرك * يا آمنه يا سعدك * الله يجمع شملك * بسيّد الأملاك /

شوال شهر رابع * والنور منه ساطع * ولد الحبيب راكع * ساجد إلى مولاك /

وفي صفر شاع الخبر * بذي النبي المفتخر * لأجله انشق القمر * ضاءت لك دنياك /

وفي ربيع الأوّل * ولد الحبيب المرسل * يا آمنه تأملي * فضل الذي أعطاك. "

 هذه الموشّحات كانت معروفة ومتداولة ومنقولة، وليست إلا جزءا مما كان يقرأ ويردّد في الموالد التي كانت تقام في عقربا وغيرها من قرى ومدن فلسطين.

 كانت قراءة ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم في البيوت الفلسطينية تقليدا جميلا يعبّر الناس من خلاله عن حبّهم لنبيّهم ووفائهم وطاعتهم لربّهم، ومشاركتهم لذويهم وأصدقائهم وأهل حيّهم أو قريتهم أفراحهم وأتراحهم؛ كانوا بسطاء في تفكيرهم وأسلوب حياتهم، لكنهم كانوا يعتزون بانتمائهم لأمتهم ويعيشون على أمل أن تتوحّد وتزدهر، وتجد مكانتها بين أمم الأرض الحديثة.

 لكن ما يجري في أوطان أمّة محمد عليه الصلاة والسلام الآن خيّب آمال آباءنا وأجدادنا؛ لقد منعنا جهلنا من رؤية ما نحن فيه من تخلّف، ومزقتنا خلافاتنا البينيّة فأصبحنا .. أمما مشتّتة .. لا نعرف من نحن، ولا ماذا نريد، واستسلمنا لدول الاستبداد وقبلنا الذلّ، وعبث الطغاة والمنافقون بجوهر الدين وقيمه وتسامحه، وإننا الآن بحاجة ماسة لكل شريف يتصدّى لهم.

وخير ما أختتم به قصة فراءة المولد النبوي هو قول أحد الشعراء الذي يعبر تعبيرا صادقا عن واقعنا:

رسول الله إنّي متّ شوقا * إليك وهزّني جذع الحنين

وجلّ الناس في الظلمات غرقى * وخير الناس باتوا في السجون

وأعظم فتنة في الدين حلّت * ويندى من تواجدها جبيني

تولّى أمرنا الجهلاء منا * وكلّ مبدّل فظّ خؤون

تمزّق شملنا بهم وهانت * دمانا للعدوّ وللقرين

وأدهى فتنة دعوى دعيّ * عليك وباسمك الصافي المعين.

د. كاظم ناصر، كنساس سيتي، ميزوري، الولايات المتحدة الأمريكية 3-7-2018







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز