نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
سيناريوات التوريث والتوريث الذاتي في تركيا .. لاجديد تحت الطربوش التركي

كيف يمكن لقلبي ان ينفصل عن عقلي في اي محاكمة .. ولاأدري اين هي الحدود الفاصلة بين قلبي وعقلي .. الحدود بين عقلي وقلبي ليست كحدود العرب .. وليست خاضعة لمعاهدات سايكس بيكو حيث تقسم الجغرافيا في الجسد الى كيانات منفصلة .. عقلي وقلبي مثل محيطين يلتقيان ويختلط ماؤهما .. فهل يقدر بحار في الوجود ان يعرف متى خرج من محيط قلبي ودخل في محيط عقلي ؟؟ ومتى دفعته رياح الروح من أمواج قلبي نحو امواج عقلي؟؟
ولذلك عندما نكتب عن قضية وعن اشخاص وعندما نحاكم فان سفننا تحاول ان تبحر في بحر العقل شرقا .. ولكن ماذا نفعل اذا كانت رياح الروح تهب نحو الغرب؟؟

أحس انني لااستطيع ان أكتب عن اردوغان لأنني منحاز ضده علنا ولا أنكر .. سواء كتبت عنه بقسوة او أطريت عليه وعلى سيرته السياسية .. صعب جدا ان يتناول عدو لشخص مهمة محاكمته واصدار حكم لايقبل الطعن .. وصعب جدا أن أعرف اين يبحر قلمي وفي اي محيط يطوف عندما نحاكم اردوغان .. فأنا لاأكره الرجل بل أحتقره .. ولكنني لادراكي ان العدو يجب ان يحظى بمحاكمة عقلية لهزيمته فانني كنت دوما أكتب عن الرجل بغطاء عاطفي من قلبي ولكن قلب المحاكمة لاسلطة فيها الا للعقل المطلق ..

ولكنني هنا اريد ان لاأحاكم اردوغان .. بل اريد ان أحاكم القضاة الذين يمجدون اردوغان والتجربة الديمقراطية التركية من باب انهم يعترفون بنجاح الشعب التركي في التحدي الديمقراطي وأثبت انه يستطيع ممارسة الديمقراطية وليس هناك عيب في النظام السياسي الاسلامي ولا في الشعوب المسلمة كي تحرم من الحريات السياسية ولاتمارس الديمقراطية كما كل شعوب العالم الحر ..

المحبون للرجل يرون ان الرجل يفوز بشكل حر وشريف في انتخابات ديمقراطية .. وأنه خيار الشعب التركي الذي قدم تجربة رائعة في السلوك الديمقراطي .. وهذا أمر يجب علينا ألا ننكره وان لانغالي في انكارنا للحقيقة ولانثأر منها اذا كنا نريد ثأرنا من اردوغان .. وألا نترك غرائزنا وعواطفنا الجامحة تنتقم من الحقيقة من أجل اردوغان ..

وقرأت بعض المقالات لكتاب عرب .. وللأسف أحسست اننا لازلنا كعرب نعيش عقدة النقص ولازلنا مقلدين لانحيد عن معايير تصنع وكأن كل زمر الدم واحدة وكل الثقافات واحدة وكل التجارب واحدة .. وان مالدينا من كتاب ومثقفين لايشبهون الا من كانوا يسمون في زمن النقل والنسخ - حيث لامطابع ولا كومبيوترات - بالنساخين أو الوراقين .. الذين ينسخون الكتب دون ان يفهموا محتواها ومضمونها .. فهم يكتبون لأن خطهم مقروء لكنهم لايعرفون ماذا يكتبون .. والغريب ان كل المقالات تحتوي ذات الطريقة في التحليل وذات النظرة والرؤية واليقين .. وهذا كله يدل على ان كل الكتاب العرب هم من فئة النساخين والوراقين .. ولو قرأت أي مقال لهؤلاء لوجدت انهم يكررون الفكرة ذاتها دون ابداع او خروج على النص ولكن يغيرون ترتيب السطور فيها ..

فالفكرة تقول انه عرس تركيا الديمقراطي وان الرئيس التركي قاد شعبه الى نصر ديمقراطي وان الاسلام يمكنه ان يقدم نموذجا لايختلف عن التجربة الغربية في الانتخاب الديمقراطي .. والرجل لم يفز ب 99% من الاصوات .. وانه خاض منافسة حرة اختاره الشعب التركي فيها وهذا يدل على ان اهم انجاز في سيرة الرجل انه ادخل تركيا الى عصر الديمقراطية بنجاح مذهل .. ترفع له القبعة .. وماالى هنالك من تكرار ممل لنفس العبارات التي ترددها الأقلام التي تعيش عقدة نقص غربية فكل مايشبه منتجات الغرب هو شيء نعتز به ..
وهنا لاأعترض على ان هناك تجربة ديمقراطية في تركيا لانتاج ديكتاتور بلباس ديمقراطي .. فكما نعلم فان الحكم في سورية تم توجيه جميع انتقادات العالم اليه لأن الأسد الاب استمر في الحكم 29 سنة .. وطبعا تحول الأمر الى طريقة للطعن والتندر .. وتحول أكثر بعد وصول الأسد الاين الى السلطة في عملية تسمى (توريثا) وبنيت عليها دعائم مايسمى ثورة الكرامة لأن هذه ممارسة سياسية لاديمقراطية ..

اما في النموذج التركي فان اردوغان وصل الى السلطة عام 2003 وحتى اليوم لايزال يحكم 15 سنة .. وسيستمر خمس سنوات اخرى أي سيحكم 20 سنة .. وهي عملية لاتوجد حدود وأزمنة ضابطة لها .. فالرجل سيقدم على الترشح بعد خمس سنوات ويمكننا ان نتخيل انه سيحكم وتجدد له البيعة أو أنه سيجد توليفة جديدة لينتقل الى سلطة جديدة مختلفة في لعبة ديمقراطية جديدة .. فاي عملية ديمقراطية في العالم لاتضع ضوايط للحكم وللترشح ؟؟ ثم ماهي هذه العملية الديمقراطية التي يتحول فيها رئيس الوزراء وهو الحاكم ذو الصلاحيات الى اختراع نقل صلاحياته الى منصب الرئيس ثم يقفز رئيس الوزراء الى منصب الرئيس وكأنه يبدأ العد من الصفر على وجوده في السلطة .. فهو تلاعب بالديمقراطية .. ينقل طربوش رئيس الوزراء الى منصب الرئيس ثم ينزل تحت الطربوش ثانية .. وهنا يحذف الفترة التي حكم فيها كرئيس للوزراء وكانت بيده صلاحيات الحاكم وكأنها لم تكن .. ولاتحسب له كقترة حكم ويبدأ العداد من الصفر وكاننا أمام رئيس يحكم لأول مرة رغم انه هو نفسه الذي رأيناه في مكتب رئيس الوزراء وكان الحاكم المطلق .. لأن الرجل غير وظيفته ومكتبه ولون قلمه .. أي مثل من يضحك على اللحى .. وبعد ان يستنفذ الرجل لعبة الرئيس سيجد اختراعا ديمقراطيا بحيث لايستطيع احد انتقاده طالما انه يلعب اللعبة الديمقراطية .. يغير الطرابيش التي يرتديها فقط ..

وماقام به من تعديلات دستوررية وحزبية نقلت معه السلطة من منصب الى آخر هي مايطلق عليه بالضبط عملية (التوريث الذاتي) .. فاردوغان غير الدستور ليرث نفسه .. ثم غير الدستور ثانية تحت غطاء التقويض الشعبي ليرث نفسه مرة ثالثة .. ولكن أقلام المعجبين بالديمقراطية الاسلامية لاترى في هذه اللعبة التوريثية الذاتية توريثا ولكنها تصف ماحدث في سورية على انه توريث رغم ان التعديلات الدستورية سبقت تغيير السلطة وتلتها انتخابات .. ولكن مذاق الديمقراطية والتوريث بالشيش طاووق واليلانجي التركي مختلف .. ومن الناحية المنطقية لافرق بين الأسد الأب وبين اردوغان بالمعايير الديمقراطية ..
وحكاية انه وصل عبر صناديق الاقتراع فهذه قضية فيها مجال لاينتهي للجدل لأن عملية الاقتراع لاتخضع لشروط النزاهة الديمقراطية .. لأن اردوغان حطس يتغطية منحازة جدا من وسائل الاعلام .. وأما أنه لايحصل على 99% فهذه جزء من اللعبة التي تخدر الجميع .. فلعبة الارقام تقول انه يعترف ان نصف الشعب التركي لا يؤيده .. ولكنها الديمقراطية التي قبل بها الجميع حتى المتخاصمون .. والدليل انه عندما خسر الرقم السحري الجديد في الانتخابات السابقة منذ عامين لم يحترم الرقم .. ألغاها وأعاد الانتخابات بعد ان زج بالسجن رئيس احد الأحزاب التي ساهمت في هزيمته وسجن نوابه مما حرج ذلك الحزب من قدرة على التأثير في جولة الاعادة .. وتصرف مثل الحكم الذي يقرر اعادة ضربة الجزاء لفريق ينحاز اليه لأن حارس المرمى صد ضربة الجزاء .. وهذا الالغاء لم يلق انتقادا من محبي الديمقراطية الذين لايفوتون فرصة في تمجيد التجربة الديمقراطية التركية او توجيه السخرية لانتخابات غيرهم اذا حدث الغاء واعادة للانتخابات ..

وفوق كل هذا لايتحدث أحد عن العدالة في العملية الديمقراطية .. فنحن أمام جهاز سلطة يستخدم ويملك 80% من الماكينة الاعلامية .. ولايملك المنافسون هذا الاسناد من وسائل الاعلام الحكومية التي صارت تتبع ظل السلطان .. ورغم ان هذا هو جوهر اللعبة الديمقراطية الغربية الا ان اللعبة الديمقراطية الغربية أذكى بكثير وأدهى .. فهي توزع وسائل الاعلام بالتساوي بين المتنافسين لكن كل البرامج الانتخابية الرئيسية للمتنافسين تتشابه وكأنهم مرشح واحد ببدلات مختلفة .. وامامكم الديمقرلطية الغربية مثالا فلايوجد اي فائز في الانتخابات يختلف تقديره السياسي عن خصمه في الشؤون الخارجية .. فالجميع يعمل تحت مظلة القيادات المالية والعسكرية ومصالح الكارتيلات ويقوم بنفس الحروب .. .. فتبقى بريطانيا تدعم اسرائيل في عهد العمال والمحافظين .. ولافرق بين اوباما وبوش وترامب في الشرق الاوسط والعداء لروسيا الا في طريقة تنفيذ المهمة .. ولايقدر ترامب الآن الا ان يناور بهامش صغير ولكنه يتابع مهمة بوش بطريقة مختلفة .. حيث بوش دمر العراق بولايتين .. واوباما دمر سورية بولايتين .. وترامب يريد تدمير ايران بولايتين .. وهذه الدول هي التي وردت في قائمة المحافظين الجدد بعد احداث سبتمبر .. وكان من فاز بالولايات الست هو واحد ..

وأما من يبدي اعجابه بالشعب التركي الذي يستجيب لمتطلبات العصر ويدخل النادي الديمقراطي ويقول بأن الشعب التركي يريد الديمقراطية ويمارسها على أصولها لأنها صارت شيئا أصيلا لديه وحق لايمكن انتزاعه فانه يخدع نفسه .. ولايحق له ان يتهمنا اننا نعبد الفرد الديكتاتور .. فالشعب التركي مثل اي شعب شرقي متعلق بنموذج واحد مندفع خلفه لاسباب عاطفية ولذلك فانه ارتضى ان يغير قواعد اللعبة الديمقراطية كي يكرس النموذج الاوحد الذي يريده .. ولأنه لايملك الثقة الكافية بنفسه لانتاج قيادات تكمل المشوار .. ولايوجد نموذج غربي واحد تقيسون تجربتكم عليه يقبل الشعب فيه ان يقفز رئيس الوزراء من مكتب الى مكتب ويأخذ معه صلاحياته المطلقة ومصياح علاء الدين السلطة اينما ذهب .. ويغير نموذج الحكم لاليحكم غيره بل ليرث نفسه ويبدا تجربة بل ليمدد لنفسه ..
النموذج التركي نموذج مخجل وممضحك وخاصة الثياب الديمقراطية التي يرتديها الشعي التركي ونظام اردوغان ليضحكوا بها علينا وعلى أنفسهم .. وقراءتي لاتتزحزح في فهم الأحداث التركية .. فالمرحلة الاردوغانية التي يهلل لها الاتراك والعرب هي مرحلة عابرة لأنها ديمقراطية مهرجين .. وديمقراطية المجتمع المأزوم وهي ليست أصيلة ولاتنتمي الى ثقافة المجتمع الديمقراطي الحقيقي الذي لايزال يفكر بالفرد الزعيم والمخلص الوحيد الذي يخشى غيابه ولايفكر بانتقاده على استئثاره بالسلطة منذ عقدين .. وهو غير مكترث بجوهر الديمقراطية والتنقل بين البرامج السياسية وانتاج الزعامات والسياسات المختلفة .. هذا الشعب يبرر له حتى عملية التوريث الذاتي ولايراها عارا وعيبا عليه استعدادا للتوريث السلالي والعائلي الذي يتهم به الاخرون .. وهذه من مراحل تشكيل المجتمعات الديكتاتورية ..
كان الأجدى بالمنساخين والوراقين المثقفين العرب ان يقدموا نقدا موضوعيا للتجربة التركية وان يقترحوا على الشعب التركي ان يطور وسائله الديمقراطية وان يكتفي الرئيس بما حظي به حتى الآن ليترك مجالا لأتراك آخرين كما هو لب الديمقراطية .. لذلك ارجوكم كفوا عن الضرب على الطبول الديمقراطية والصنجات وانتقادنا على لاديمقراطيتنا واعادة انتخاب الرئيس وماتسمونه توريثا .. واياكم ان تظنوا اننا محرجون من تجربتكم .. واننا مقهورون من فوز النبي اردوغان بشكل ديمقراطي مدهش .. فلاأردوغان ديمقراطي .. ولاالشعب التركي يريد الديمقراطية ولايفهمها .. والالنساخون والوراقون لديهم الجرأة والفهم لينتقدوا هذه التجربة بل الرقص والدبكة فيها .. والاقرار أن الشعي التركي لايختلف عن شعوب المنطقة وثقافتها .. فماتحت الطربوش التركي لم يتغير .. وكما يقال "لاجديد تحت الشمس" .. فانه "لاجديد تحت الطربوش التركي" .. انه العقل العصملي .. واذا كتبت الحياة المديدة لاردوغان .. فاننا نبشركم ببلال أردوغان .. الرئيس التركي القادم .. بالديمقراطية التركية العصملية .. صاحبة أول توريث ذاتي في التاريخ .. هل انتم مجانين لتصدقوا ان اردوغان كان سيترك السلطة من أجل صندوق انتخاب وديمقراطية ؟؟ وهل تتخيلون انه لن يهيء لمن يرثه بعد أن ورث نفسه لأنه لايقدر بعد الموت ان يترك السلطة ويحكم من القبر .. وفيما انتم تصفقون .. فان ماتحت طربوش اردوغان كان هناك سيناريو: أنا أرث نفسي .. اذا انا موجود .. ويلال موجود ..

Image may contain: 1 person, close-up
Image may contain: 1 person, close-up
Image may contain: 1 person, close-up
Image may contain: 8 people, people smiling







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز