د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
دكّانة أبو قازم

كانت دكّانة أبو قازم، كاظم، الواقعة في النصف الغربي من قريتنا الجميلة عقربا مبنيّة من الصفيح أو الشينكو والأخشاب، ويسمّونها برّاكيّه ربما لأنها قائمة بدون قاعدة وباركة على الأرض بركا؛ لقد تمّ افتتاحها في عام 1947 لأصحابها أبو قازم الذي كان أميّا لا يقرا ولا يكتب، وشريكه أبو أحمد الذي تعلّم القراءة والكتابة في الكتاتيب. لا أحد يعلم من كان صاحب فكرة المشروع أبو قازم أو شريكه أبو أحمد، لكن الاحتمال الأكبر هو أن أبو قازم كان صاحب الفكرة لأنه كان نشطا يشتري أراضي زراعية، وطموحا محبا للمال ويريد أن يصبح غنيّا.

انتقل أبو أحمد إلى رحمة الله شابّا، وحلّ مكانه في شراكة أبو قازم شقيق أبو أحمد، لكن الطرفين لم يتفقا فخرج شقيق المرحوم أبو أحمد من الشراكة، وحلّ مكانه شقيق أبو قازم أبو عبد الكريم الذي كان يعرف القراءة والكتابة ومسؤولا عن الحسابات والديون، واستمرت شراكتهما ما يقارب الخمسين عاما بدون خلافات أو مشاكل تذكر.

 وعلى الرغم من كونهما شقيقين متعاونين بسيطين طيبين يحترم أحدهما الآخر كبقية أهل قريتهم، إلا إنهما كانا مختلفين في أشياء كثيرة؛ كان أبو عبد الكريم هادئا جدّا وجديّا ومنظّما وكتوما قليل الكلام يفكر دائما بما يقول ومتدينا يؤدي الصلوات في أوقاتها، بينما كان أبو قازم شعبيّا منفتحا يحبّ الضحك والتحدّث مع الآخرين، وغالبا لا يفكّر بما يقول " إلي في عقله ع راس السانه "، ويتميّز بصوته الجهوري عندما يتكلم، وربما بذكائه حيث إنه، وعلى الرغم من كونه أميّا، فكّر في العمل في التجارة في بداية شبابه، وكان يحفظ أسماء الأشخاص الذين يشترون أغراضا بالدين، وأسماء وكميّات وأثمان الأغراض التي يشترونها غيبا عندما لا يكون أبو عبد الكريم في الدكّانة، وعندما يأتي يملي عليه الأسماء والمشتريات بدون أخطاء ليسجلها في حسابات الزبائن.

كان أبو قازم شعبيّا أكثر من شقيقه أبو عبد الكريم، خاصة بيننا نحن الأطفال ونفضل أن نشتري منه لأنّه يمازحنا، ويعطي الواحد منا " تحليوه بلاش": ملبسه او بسكوته او حبتين تمر عندما نذهب إلى البقالة لشراء شيء؛ ولهذا كان الجميع يسميها " دكانة أبو قازم " وما زال الذين عاصروها يطلقون عليها نفس الاسم حتى الآن على الرغم من تحويلها إلى ملحمة منذ زمن طويل.

كانت الدكّانة إسمنتيّة الأرض، خضراء اللون، ليست مدهونة جرداء من الداخل، أثاثها وتجهيزاتها تتكوّن من بنكين: مقعدين خشبيين طويلين يجلس عليهما الزبائن، وطاولة قديمة تحتوي على جرّار توضع فيه النقود، ويحفظ فيه دفترين: احدهما صغيرا دفتر اليومية الذي تسجّل فيه مبيعات الدين اليوميّة، ودفتر الدين السنوي  الضخم بغلافه الجميل المقوّى الذي يحتوي على حسابات العملاء السنويّة ويسمّونه " دفتر الانجرار ربما لأنه يجر من " البيدر للبيدر" أي طيلة العام، ورفوف خشبة توضع فيها مرتبانات الحلويات، ونصبة: قاعدة خشبية عريضة قائمة على أربع أرجل توضع عليها الخضار وخاصّة الطماطم والملفوف والزهرة، وحصيرة من القش يجلس عليها بعض الزبائن عندما يكون المكان مكتظا، وساحة خارجية صغيرة على شكل مستطيل مصطفّة بمقاعد حجريّة، وإبريق ماء للشرب، وإبريق شاي أزرق، وحوالي ستة أكواب: كاسات شاي زجاجيّة، وفرشة ولحاف ومخدة ينام عليها أبو قازم أو أبو عبد الكريم حيث كانا يتناوبان النوم فيها لحمايتها من السرقة ويفتحها الذي ينام فيها حسب دوره في الصباح.

حتى نهاية الخمسينيات من القرن العشرين، كانت الدكانة الواقعة بين ثلاث حمائل: بني جابر وبني منّيه والديريّة هي الوحيدة في النصف الغربي من قريتنا، وواحدة من خمس أو ستّ بقالات ناجحة في القرية في ذلك الوقت. أما رأس مالها فكان لا يتجاوز الخمسين دينارا أردنيّا، ومحتوياتها الأساسية تتكوّن من كيس أرز، كيس سكر، صندوق شاي خشبي مربع كبير، مزهر عجوة: وعاء ضخم مستدير مصنوع من سعف النخل يحتوي على  حوالي 25 كيلو غراما من أردء انواع التمور، اصفاط راحه: باكيتات راحة الحلقوم ، أنواع من الملبس المختلف الألوان والنكهات، وملبس بيض عصافير أبيض، وملبس ابيض مخشرم، ونوكا بيضاء، وتوفة، وبزر قرع، وقضامه حلوة ومملحة: حمص مقلي، وصندوق صغير من حلوى جوز الهند، قصة  حلاوة: نصف تنكة يباع منها بالوزن، قصة بسكويت غندور، وتنكة دبس، وقمر الدين في شهر رمضان، وسمّاق، وكركم، وزعفران، ونيلة، وقهوة عدنيّة مغلّفة في أكياس جميلة صغيرة، وعلب سردين، وقسماط : حلقات مقرمشة مصنوعة من الطحين تؤكل مع الشاي، وجالون من زيت الخروع الكريه الرائحة والطعم الذي كان يتناوله الفلاحون كشربة تسبّب الإسهال لتنظّف امعاءهم او لتشفيهم من أمراض البرد، وخيطان قنّب طويلة تستخدم في خياطة أكياس الخيش التي تستعمل لحفظ ونقل الحبوب، وفتايل: خيطان متعددة الألوان تستخدم في ترقيع الملابس وعمل أغطية الفراش، وإبر صغيرة لخياطة الملابس والرقع، وملاحف: إبر أطول من الإبر العاديّة تستخدم في خياطة الألحفة وأوجه الفرشات الصوفيّة، ومسلات: إبر يصل طولها حولي عشرة سنتيمترات لخياطة أكياس الحبوب والخياش، وحبال مصّيص، وملح ليمون، وملح الطعام، وشبّه: مادة بيضاء صلبة تذوب وتشكّل أجساما مختلفة عند تعرضّها للحرارة كانت النساء يستخدمنها في عمل حروز لطرد العيون الحاسدة: تتكوّن من شبة وخرز ملوّن تحضر بالخياطة وبأشكال مختلفة، وتعلّق على كتف أو صدر الطفل لتحميه من عيون الحاسدين، أو يدعكن للطفل: يضعن جمرات من النار على قطعة حديد ثم يضعن الشبّة فوقها فتنصهر ويقمن بحملها وتدويرها حول راس الطفل لشفائه من السخونة أو المرض الذي سببته العين الحاسدة أو لحماية الطفل من الحسد، وظروف رسائل، ودفاتر تومان تركية للف السجائر، وتنكة سمنة الغزال، وخضار وفواكه في المواسم، وبرميل كاز: كان أهل قريتي وقرى فلسطين يستخدمون الكاز كوقود يضعوه في اللمظة أو السراج أو القنديل الذي يضيئون به منازلهم ليلا، أو كوقود للببور: البريموس الذي كانوا يستخدمونه في عمل الشاي والقلي والطبخ، وسجائر سيد ولولو وريم كانت تباع كاملة بالصندوق أو بالسيجارة؛ إذا لم تخونني الذاكرة فإن هذه كانت محتويات دكانة أبو قازم.

كذلك كان أبو قازم يذبح خاروفا أو ماعزا وأحيانا عجلا يوم الجمعة، أي ان الدكانة كانت ملحمة أيضا؛ في بداية الخمسينيّات من القرن العشرين كان سعر كيلو لحم الخاروف 24 قرشا، ستة قروش للأوقيّة الواحدة؛ كان الناس فقراء ولا يستطيع معظمهم شراء لحم سوى مرّة في الأسبوع أو الأسبوعين أو الشهر؛ ولهذا كان أبو قازم وأبو عبد الكريم يطلبان من الزبائن المتواجدين أن يتسمّوا: يسجّلوا اسماءهم ويذكروا الكميّة التي يريدون شراءها نصف كيلو أو كيلو الخ. ليتأكدا أن الذبيحة ستباع بالكامل قبل ذبحها؛ لكن الوضع يختلف في شهر رمضان المبارك حيث يتم الذبح يوميّا لأن الناس يستهلكون كميّات أكبر من اللحوم خلال الشهر.

وكانت الحركة التجارية تنشط في دكّانة أبو قازم والدكاكين الأخرى في شهر رمضان والأعياد، ولهذا كان هو أو شريكه يذهب إلى مدينة نابلس للتسوّق مرّتين في الأسبوع على الأقل خلال شهر رمضان، ويكثران من تزويد البقالة بالخضار والفاكهة والألبان والقطائف والمخلّلات، ويزوّدانها بكمّيات كبيرة من الحلويات المنوّعة، وخاصة راحة الحلقوم والملبّس والتوفة والبقلاوة الرخيصة في أعياد الفطر والأضحى.

وفي شهر رمضان كان الزبائن يجلسون للتسلية ولعب الورق، خاصّة الباصرة والهاند، في الجنانة الواقعة أمام البقالة التي فيها شجرة توت وشجرة سدر زرعتا في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، أو في حظير: ساحة مضافة بني جابر المبلّطة بالبلاط الأبيض القديم التي كان فيها شجرة توت كبيرة ولا تبعد سوى بضعة أمتار عن البقالة.

  كان لدكّانة أبو قازم شباكين أحدهما يطل على المنطقة الجنوبيّة والآخر يطل على المنطقة الشمالية تستخدمهما في الشراء البنات وبعض الأولاد الخجولين، وفي أحيان نادرة النساء المسنّات لآن ظهور النساء على الرجال واختلاطهن بهم كان من المحرّمات في القرية؛ كان الأطفال والنساء يقفون على الشباك المفتوح، ويطلبون ما يريدون، وتعطى لهم حاجاتهم ويغادرون المكان.

 كان الناس يشترون أي شي بالنقد، أو بالدين، أو بمقايضة القمح أو الشعير أو الزيتون في موسمه أو بيض الدجاج بسكّر، أو شاي، أو تمر، أو ملبس، أو كاز الخ. أما الدين فكان يسجّل على دفتر اليومية، ثم يرحل إلى دفتر الدين الضخم الذي كان لكل زبون فيه صفحة تسجّل عليها مشترياته خلال العام، من البيدر للبيدر أو الموسم للموسم، ويسدّد دينه بعد جمع محصول القمح حيث كان بعض الزبائن يسدّدون ديونهم بالقمح، أو يبيعون قمحهم ومنتجاتهم الأخرى كالسمسم والذرة والعدس في نابلس ويسدّدون دينهم نقدا. كانوا يسمّون الحساب السنوي انجرار، ربما لأنه ينجر طيلة العام، ونظرا لرخص تكاليف المعيشة في الخمسينيات من القرن الماضي، كان الحساب السنوي لمعظم الزبائن لا يتجاوز العشرة دنانير أردنية طيلة العام.

في مواسم البيادر عندما كان قازم طفلا في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، كان والده يطلب منه أن يذهب إلى البيادر ليعرف " مين خلّص دراس وذرى " ليأتي ليستد الدين؛ كان قازم طفلا حالما ويشعر بالأهميّة عندما يتوجّه إلى بيادر بني منّيه البعيدة عن الدكانة لمعرفة آخر التطورات، وكان أحيانا يسأل بعض الناس " وينتا بدكم تذروا " فيجيبوه بلا غضب أو حزازات ويخبر والده بالموعد؛ لكنه لم يذهب للتجسّس على بيادر بني جابر والديريّة لأنها كانت واقعة إلى الشرق من الدكانة ويمكن مراقبتها بسهولة ويسر.

كان لدكانة أبو قازم تقاليدها وبعض قيمها التي لا تتغيّر؛ لم يكن هناك موعد محدّد لفتحها واغلاقها لكنها كانت تفتح بابها الحديدي قبل شروق الشمس بقليل، وتغلق بعد صلاة العشاء في فصل الشتاء، وبعد صلاة المغرب وأحيانا بعد صلاة العشاء في فصول الصيف والخريف، ولا تغلق إلا ليلا طيلة أيام السنة.

بعد أن تفتح الدكانة أبوابها مباشرة يتجمع بعض الزبائن ويحضر أبو قازم أو أبو العبد الشاي؛ كان شاي أبو عبد الكريم ممتازا وله طعم مميّز لأن الرجل كان مولعا بشرب الشاي ويضع فيه كميّة محدّدة من السكر ويجعله ثقيلا أو غامقا بإضافة كمية كبيرة من الشاي إلى الماء. كان الشاي يقدم للضيوف أولا ثم للآخرين حسب الأعمار، وعندما لا يكون هناك ضيوف من حمائل أخرى يحضّر الشاي على شرفهم ولإكرامهم فكان يقدم لكبار السن أولا ثم للآخرين.

أما أحاديث الصباح والظهيرة والمساء فتتناول المزروعات في مواسمها، وأخبار الحامولة والقرية، والسياسة، والاعراس والمرض والمشاكل الفردية بين الناس، وأخبار المغتربين في الكويت وبعض الدول الأجنبية من أبناء الحامولة والقرية. أما أخبار الحامولة والقرية فكانت غالبا ما تكون عن الأفراد العاديين وشؤون القرية مثل من خطب ومن تزوج، ومن اختلف مع من، ومن اشترى أو باع أرضا، ومن سافر أو جاء من السفر، ومن دخل الجيش، وعن الخلافات الفردية والعائلية، ومن ذهب إلى المدينة في ذلك اليوم ولماذا. كانت القرية صغيرة وأهلها يعرفون بعضهم بعضا، ولا يعملون إلا في مواسم الفلاحة، ويمضون معظم وقتهم في دكاكينها، وكان هناك من ينقل هذه الأخبار من دكّانة أبو قازم لحمائل أخرى، أو من ينقلها إليها من دكاكين وحمائل أخرى؛ ولهذا كان من الصعب إخفاء أي شيء.

وبالنسبة للزراعة كان أهل القرية يهتمون بتساقط المطر كثيرا ويحتفلون به خاصّة عندما يتساقط بغزارة وترتوي الأرض وتكون جاهزة لزراعة الحبوب؛ فعندما يهطل بغزارة ويسمعون صوت اصطدام حبيباته بعنف بألواح الشينكو المكونة لسقف الدكّانة يبدو البشر على وجوههم، ويصرخ بعضهم طالبا من الله أن يوصل المطر إلى الأماكن التي يملك فيها أرضا بالقول، " عالشعاب، عالطويل، عمراسدين، علفجم .. "  وبعضهم كان يحتفل بذبح دجاجة او تحضير أكلة مميّزة احتفالا بالمناسبة.

ومن الأحاديث الممتعة التي كان يتم تداولها وتكرارها مرات ومرات طيلة العام تلك التي تسرد كرم وأصالة ونشاطات وتجارب الأجداد الذين كان عددا كبيرا منهم من مربي الأغنام، ويعزّبون: يرحلون من القرية، ويمضون هم وأسرهم فصل الربيع في الكهوف، أو في بيوت شعر أو خيم  في الأغوار ومناطق الرعي المحيطة بالقرية مثل لفجم، وكرزليا، وفصايل، والدوة وغيرها؛ ومن هذه القصص كيف يتعاملون مع الحيوانات المفترسة وخاصة الضباع، وكيف يتتبعون آثارها ويعرفون مواكرها: الجحور والكهوف التي تعيش فيها، وكيف يلزمونها بشجاعتهم على الخروج من مخابئها ويقتلونها، وقصص سرقات الأغنام وطرق ملاحقتهم للسارقين، وتجاربهم وعلاقاتهم مع شيوخ العشائر التي كانت تقيم غرب وشرق نهر الأردن.  

وبعد منتصف الخمسينيّات من القرن كان عدد المغتربين من أبناء القرية العاملين في الكويت في ازدياد مستمر، وسافر بعضهم إلى السعودية التي استقطبت أعدادا من المدرّسين والمدرّسات والعمال والفنيين الفلسطينيين المهرة؛ ونتيجة لذلك ازداد الاهتمام بالمغتربين وبأخبارهم، وكثر الحديث عنهم، وعن الوظائف التي كانوا يقومون بها، وعن رواتبهم والفلوس والهدايا التي يرسلونها لذويهم، وبدأت مظاهر التغيير واضحة للعيان في القرية؛ لقد ازداد دخل الكثير من العائلات، وتحسن السوق المحلي قليلا، وفتحت بقالات جديدة في مناطق مختلفة من القرية ومقهى بالقرب من المسجد، وانتعشت حركة بناء البيوت، وزادت أعداد الذين يذهبون إلى مدينة نابلس للتسوق وقضاء حاجات إدارية، أو زيارة طبيب للعلاج، أو للحصول على جوازات سفر وأوراق ثبوتية تمكّن حاملها من مغادرة الضفة إلى الكويت أو أي مكان آخر.

 كان المغتربون يرسلون نقودا أو هدايا إلى ذويهم مع القادمين للزيارة؛ ولهذا كان الناس في ذلك الوقت يولون اهتماما خاصا لمن يأتي من الكويت والسعودية لزيارة أهله في القرية فيذهبون للسلام عليه، ويسألونه عن أبنائهم وأقاربهم وبعضهم يأمل أن أبناءه أو إخوانه قد أرسلوا له نقودا أو هدية.

كن الفلاحون ينظرون للقادمين من الكويت على أنهم ناجحون ومميّزون لأنهم كانوا يجلبون معهم نقودا ويلبسون ملابس جميلة أو بدلات، ومنهم من كان يرتدي ربطة عنق على الرغم من أن الغالبية الساحقة منهم تركوا المدرسة قبل أن ينهوا المرحلة الابتدائية، أو كانوا أميين لا يقرؤون ولا يكتبون، ويقومون بأعمال بسيطة في بعض دوائر الدولة والشركات والمحال التجارية والمطاعم.

ومن المناسبات التي لا تنسى في ذلك الوقت وصول الرسائل التي كانوا يرسلونها باليد مع الزوار، أو بالبريد إلى أحد أبناء القرية الذين يملكون محلاّت تجاريّة في نابلس ثم يقومون بتسليمها للمرسل إليهم؛ وبما أن عدد الأميين من آباء المغتربين كان كبيرا، فإن معظمهم كان يلجأ " للقاريين"، وكنت أنا واحدا منهم، ليقرئوا لهم الرسائل أو ليكتبوا رسائل لذويهم؛ ما زلت أذكر المقدمة التي كنت أكتبها في كل رسالة وهي " حضرة الابن / الأخ / العم / الخال إلخ.  العزيز والذهب الإبريز والمال الكنيز " محمود " أدامك الله ورعاك سلام سليم أرق من النسيم وأحلى من العافية على قلب السقيم كيف حالك يا ولدي الحبيب انشاء الله انك بخير وعافيه وموفق واحنا مشغولين عليك وما تقاطعناش في المكاتيب احنا الحمد لله كويسين وما يكونش الك فكر من جهتنا واحنا فخورين فيك وبدنا اياك اتظل رافع راسنا بين الناس ودير بالك على حالك وصحتك ... وتنتهي الرسالة بعدد كبير من السلامات بالاسم ..  يوسف المحمود سألني عنك وبسلم عليك، وعبدالله ..." وعندما كنت أقرا الرسالة للمرسل يبتسم مندهشا من قدراتي الخارقة! وأشعر أنا بالرضى عن نفسي.

أما الأحاديث الأكثر متعة في بقالة أبو قازم فكانت عن السياسة؛ كان الشعور القومي في فلسطين في أوجه خاصة بعد العدوان الثلاثي على مصر، وتأميم قناة السويس، وقيام الوحدة السورية المصرية وتحول الرئيس جمال عبد الناصر إلى بطل قومي. كان في بقالة أبو قازم راديو يتجمّع حولة الزبائن لسماع الأخبار وتعليقات أحمد سعيد؛ كان الجميع ناصريّون يحبّون عبد الناصر ويعتبرونه قائد الأمة، ويتكلمون عن قدرات مصر الهائلة، وعن ثورة الجزائر، وحرب فيتنام، والاتحاد السوفيتي، والرجعيين العرب والوحدويين الذين كانوا يقومون بانقلابات عسكرية او يطالبون بتحقيق الوحدة العربية؛ كانوا أناسا طيبين صادقين في مشاعرهم، وسطحيين في فهمهم لألاعيب السياسة ومناورات السياسيين، وتعقيدات قضيتهم الفلسطينية وكان أملهم كبيرا بأن عبد الناصر سيحرر لهم فلسطين ويوحد الوطن العربي.

ومن الأحاديث الأخرى التي كانت تستقطب انتباه السامعين تلك التي يسردونها عن بطولات بعض الضباط العرب والمناضلين الفلسطينيين ومن بينهم أبناء سرية عقربا الذين شاركوا في قتال الصهاينة واستشهد بعضهم في حرب 1948، وعن الخيانات والأسلحة الفاسدة أو الغير فعالة التي أعطيت للمناضلين، وعن أوامر الانسحابات المشبوهة التي كان يتلقاها المقاتلون من قياداتهم.

وكان للحديث عن الدين أهمية بين أهل القرية المحافظة المتدينة المعزولة عن التيارات الفكريّة والفلسفيّة والإنجازات العلمية والتقنية التي كانت تلعب دورا هاما في تغيير مجتمعات العالم؛ لم يكن في القرية شخصا واحدا يحمل شهادة جامعية حتى نهاية الخمسينيات من القرن الماضي؛ ولهذا كان الحديث في الدين مقتصرا على إمام المسجد الوحيد في البلدة وبعض الذين كانوا يقرؤون ويكتبون من كبار السن وبعض الشباب؛ لكن الناس في ذلك الوقت كانوا أكثر تجانسا فكريّا وعقليّا وتسامحا دينيّا ممّا هم عليه الآن.

وفي الأمسيات وتحديدا بعد صلاة المغرب كانت الدكانة تعجّ بالزبائن، وكان يعجبهم الاستماع إلى " مضافة أبو محمود " التي كانت تبثها الإذاعة الأردنية، ويتسامرون، ثم يذهب كل منهم إلى بيته لينام باكرا ويستيقظ قبل شروق الشمس ليبدأ يوما جديدا لا يختلف عن الأيام وربما السنوات السابقة.

كانت دكانة أبو قازم محلا تجاريا، ومقها، ومركز تجمّع وتسلية وتبادل للمعلومات يتّم فيه البحث في أوضاع القرية، وتناقل أخبار أهلها، والمساعدة في حل مشاكلهم، ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم واهتماماتهم؛ ولهذا يقول قازم الذي كان يقوم بدور البائع في غياب والده وعمّه ويمضي معظم وقته فيها، إن تلك البقالة وتلك التجمّعات صقلت شخصيّته وعلّمته أن كل جيل يقدم لبيئته الاجتماعية ما يستطيع تقديمه بناء على المعطيات الموجودة، وان كل جيل يستحق الاحترام والتقدير على مشاركته الآخرين والعمل معهم لما فيه الخير للمجموعة الإنسانية التي هو جزء منها.

لقد كانت دكاكين عقربا ومن ضمنها دكّانة أبو قازم مدارس تعلّم فيها قازم وجيله الكثير عن قيم وعادات وتقاليد ومعتقدات مجتمعهم، وكان لها تأثيرها الإيجابي والسلبي على تكوينهم العقلي والثقافي، ونجاحاتهم وإخفاقاتهم، وسعادتهم وشقائهم، وستظلّ مكانة عقربا وذكرياتهم فيها وفي أزقتها وحقولها ووديانها وسهولها ودكاكينها منقوشة في عقولهم، وستعود بقاياهم إلى ترابها وتمتزج به، وتشكّل معه وحدة أزلية لا تنتهي إلا عندما ينهي الله هذا الوجود ... كل شيء في العالم من الممكن أن ينسى إلا الوطن.  

IPKhalifa Aaed Enaya   Umar Empire NOW   July 2, 2018 11:46 AM
Amzon GCCcloud = Mafia Trump_Nat_Putin_Maktoom & their dogz Abod/hftr/alawi/dahlanm/bashar/saleh/sisi/ardoghan

Umar Empire is Haq,anyONE







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز