احمد علي
ahmed.laarfi@outlook.com
Blog Contributor since:
15 July 2019



Arab Times Blogs
لصف الأخير: قصة الزاسي صغير!!

إهداء لكل الصامدين الثابتين    

الصف الأخير: قصة الزاسي صغير!!

خرج متأخرا في ذلك الصباح. كان خائفا بشكل غير معقول من توبيخ معلمه، خصوصا وأنه قد أخبرهم أنه سيُجري لهم إختبارا في المبادئ الخاصة بالمقرر. وهو لا يعرف أبسط الأشياء عنها. للحظات فكر أن يبقى بعيدا عن المدرسة متجولا بين الحقول.

في يوم دافئ جميل كهذا، يمكن سماع صفير الطيور السوداء وهي تغني، واقفة على حافة الخشب، وفي ذلك الحقل وراء منظر قنوات المياه منسابة وسط الحقل، كان أكثر جاذبية من التفكير في قضاء يوم دراسي يبدأ بفرض دراسي مخيف، لكن كانت لديه القوة الكافية لمقاومة هذا الإغراء أو الخوف، فأطلق ساقيه أسرع ما يمكن راكضا نحو المدرسة.

لمحه أحدهم يركض في الشارع قال: لا داعي للعجلة، لديك الوقت الكافي لتصل مدرستك يا بني! واصل إسراعه ظانا أن ذلك الشخص إما يمزح معه أو يسخر منه.

عادة، في بداية الصف الدراسي، تُسْمع -من عند الشارع- جلبة كبيرة في الصباح؛ أبواب تفتح وتغلق، دروس تكرر في تناغم وبأصوات عالية، وعصي المدرسين العنيفة تطرق بقوة على المقاعد الدراسية; "هدوء شبه  تام"، يشبه صباح عطلة نهاية الأسبوع.

من خلال نافذة في الفصل، تمكن من رؤية زملاءه، كل في مكانه، والمدرس يمر بين الصفوف ذهابا وجيئة، ممسكا عصاه الثقيلة ويلوح بها.

لما فتح الباب ودخل في خضم هذا الهدوء الصامت. يمكن تخيل كمية الخجل ومدى الخوف الذي انتابه. لاشيء من هذا حدث بعدما لمحه المدرس، من دون أي علامة تنم عن الغضب، وخاطبه بلطف قائلا: إذهب بسرعة لمقعدك، كنا سنبدأ بدونك! حث الخطي مسرعا نحو مقعده وجلس دون أن يفكر ولازال الشعور بالخوف يلازمه.

الأجواء كانت غريبة، بدءا من لباس المعلم الاستثنائي، الذي لا يرتديه إلا في الإحتفالات أوعند حضور المفتشين، الى امتلاء المقاعد الخلفية بالفصل، التي هي دائما فارغة، بعدد من سكان القرية، وبعض الشخصيات المهمة، إضافة للسكون الملازم لذلك.

كانت الأجواء مشحونة والحزن يلف المكان. وقف المدرس قائلا: هذا يومي الأخير معكم يا أبنائي! الأوامر صدرت من برلين بعدم تدريس أي شيء سوى باللغة الألمانية في اقليمي (الالزاس واللورين) (1). غدا سيصل المعلم الألماني. اليوم أخر صف باللغة الفرنسية. وأعتذر لتلاميذه بأحاسيس لم يشعروا مثلها من قبل.

"آخر فصل للمدرس بفرنسا" يحدث ذلك التلميذ نفسه (وأنا بالكاد أميز الحروف أو أكتب! ) لقد أنفق معظم وقته في اللهو واللعب وترك تعلم القواعد.

الرجال الجالسين  في الخلف جاءوا لأنهم يبدو نادمين أنهم لم يحضروا الدروس أو أن بعضهم قدم كنوع من التعبير عن شكرهم وامتنانهم للمدرس عن الأربعين سنة خدمة التي تفانى في أداءها.

كان ذلك التلميذ ضعيفا في تلقي دروسه. وكان دائما يرى في الغد متسعا لانجاز فروضه المدرسية والتعلم، ورأينا ما حدث بعدها من سوء حظ لازم إقليم الالزاس.

هم فرنسيون، لكن لا يتكلموا ولا يكتبوا لغتهم! ما العمل؟ كلهم كانوا يتشاركوا في شعور بعدالة قضيتهم ومن العار أن يكونوا منفصمين "أي لا يكونوا هم!" فرنسيين لا يتكلموا ولا يكتبوا الفرنسية. أصل الإنسان وحده غير كاف لإثبات جنسيته. قرر والديه إرساله للمزارع والمصانع ليعمل وينتج، وكان يملأه الرضا كنوع من التكفير عن عذاب الضمير الذي لازمه لإخفاقه في الدراسة.

من جديد عاد مدرسهم، تكلم عن فرنسا، عن اللغة، عن الحضارة، تنقل من موضوع لأخر، ركز على اللغة الفرنسية وأعتبرها الافضل والأجمل والأكثر شاعرية، لذا يجب عليهم أن يركزوا عليها ويحفظوها في داخلهم، ولا ينسوها أبدا، لأنه عندما يُستعمر شعبا فإن تمسكه بلغته وحفاظه عليها يكون هو المفتاح لخروجه من سجنه.

عندها أمسك بكتاب قواعد اللغة وابتدأ يقرأ منه والعجيب أن الطالب المهمل أصبح سريع الفهم ويتقبل الدروس بكل امتنان، ولأول مرة يتضح أن التلميذ أو المدرس لم يكن لهما من الصبر على بعضهما مثلما يحدث لحظتها.

المدرس الفقير كان يريد أن يسرع قدر ما يستطيع ليعطي كل معرفته تلاميذه كما لو كان ذلك بلمحة بصر، عملوا مجهودا جبارا وحين إنتقل المدرس لدرس الكتابة حاول أن يجعله مختصرا ومفهوما؛ كانت الجملة التي يمليها لهم: فرنسا هي الالزاس و الالزاس هو فرنسا، كانت هذه الكلمات أشبه ما تكون بالنسبة للتلاميذ كأعلام صغيرة ترفرف في كل النواحي بجانب الفصل.

لاشك أنهم كانوا يقومون بعملا صعبا، وفي نفس الوقت بعزيمة وصمت. لاشيء يُسمع سوى صرير الأقلام على الأوراق، بعض الوقت ينساب من الهدوء صياح ديكة لكن لا أحد يُبدي أي اهتمام لها، حتى أولئك الرفاق الصغار الذين يجاهدون قدر إستطاعتهم لرسم خطوط مستقيمة بشكل حسن منجزين ما يمليه عليهم الضمير. هذه الخطوط كانت هي فرنسا كمعنى.

على سطح تلك المدرسة المنزلية، حتى الحمام كان يغرد بنغمات منخفضة! كان التلاميذ الصغار يسخروا "هل سيجبرون بالقوة الحمام على أن يغرد بالألماني أيضا؟!

أحيانا يختلس بعض التلاميذ نظرة لمدرسهم ليروا  شخصا جالسا بدون حراك يحدق في الكائنات بالجوار كما لو أنه يود في لمحة أن يقوم بإثارة حماسا منقطع النظير لدى كل الحاضرين ببيته المدرسي.

لازالت المقاعد يتم تنظيفها. المدرس كان حريصا على تشجيع تلاميذه والذهاب بهم حتى النهاية. ينتقل لدرس التاريخ، يراه التلاميذ منتشيا وهو يقرأ بصوت عالي ويهز رأسه. وكان التلاميذ في شعور فيه مزيج من الضحك والبكاء، فجاءه تدق ساعة الكنيسة مؤذنة عن الثانية عشرة ظهرا ثم يتلوها الجرس، حينها بدأ المدرس شاحبا شحوب الموت. وقف وأراد الكلام فتوقفت الكلمات في حلقه: أصدقائي.. أصدقائي...

توجه للسبورة وكتب عليها بأكبر ما يمكنه (عاشت فرنسا)، توقف بعدها أمام السبورة ووجهه نحو الجدار، لوح بيده "هذا كل شيء، انطلقوا!"

للكاتب الفرنسي: الفونس دوديت من مواليد 1840 ميلادية/جنوب فرنسا

ترجمة بتصرف: أحمد يوسف علي. 2009

1. الالزاس واللورين جزئان اصيلان من فرنسا تبادلاتهما مرات مع الاحتلال الألماني.

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز