الطلحاوي نجيب
talhaoui.najib@hotmail.com
Blog Contributor since:
05 January 2008

كاتب عربي من المغرب

 More articles 


Arab Times Blogs
فزاعـة الأيادي الخارجية

     لقد حوّلوا الاحتجاجات إلى مؤامرات و جعلوا من بني صهيون "ربا" يُخطط و يكسب، و لمـا فشلوا في تحليل الاعتبارات الاجتماعية و الاقتصادية و النفسية و أعرضوا عن الدراسة العلمية في دراسة الظواهر الاجتماعية لـم يكن لهم بدّ من اللجوء إلـى ماما أمريكا صاحبة العقل المدبر و الإلـه المتحكم في نَبضات الشعوب و المُوجـهة للحركات ...لم يكن لهم إلا اختراع " أرباب" تُسند إليهـا النجاحات و تُدرأ عنهـا الإخفاقات و تُنسب إليها المؤامرات ، و كأن الشعوب ليست إلا قطعانـا تُساق أو دمـى تُقاد .

       كلمـا صاحت أصوات احتجاج هنـا أو هنـاك إلا و صاحت معهـا ترانيم العبودية لمـاما أمريكا، و كلمـا اهتزت قلوب المظلومين زحفاً إلا و قلبوا عن الفاعل، أولم يدركوا الفاعل بعد كل هذا التخلف الشمولي في عالمنا العربي و الإسلامي ؟ ألا تتشّخص العيون إلا في التنقيب على "آلهة" تُهندس و تُخطط و تكسب المعارك وراء سراديب غرف العمليات ؟

     في كتاب "الثورة العربية و الثورة المضادة أمريكية الصنع" لجيمس بتراس محاولة هزيلة للتنقيب عن المارد الأمريكي في علاقتـه بالاحتجاجات الاجتماعية و اعترافات ضمنية بعجز هذا الرأس بالتنبؤ لتلك الحركات،و في كتاب "الانتفاضات العربية" لهاشم صالح تحليلات إيديولوجية فجة لمسار الانتفاضات ،تركن لزوايا ماما أمريكا و تضع بيدهـا مقاليد "العصمة" . لم تكن تلك القراءات نابعة من دراسة معمقة حول الخلفيات السوسيولوجية و السيكولوجية و الاقتصادية و السياسية التي كـانت و لا زالت تميز أوضاع النظم و لم تُقّدّم إلا تأملات تجريدية تسبح في فلك الايديوبوجبا "العلمانية" التي ناصبت العداء بشكل حـاد تجاه كـل مـا له علاقة بالبعد الإسلامي، و بعيدا عن النزعـات العدائية التي تميز خطاب هاشم صالح في علاقته بالحركات الإسلامية فإن مـا قدّمه ليس إلا تهويما خياليا مؤسس على "أدلة" جانبية لا محل لها في حل معادلة الاحتجاج الجماهيري ( الاعتماد على كتاب ميزري حداد العلماني الحقود )...

     إن مسارعة البعض لإدانـة الاحتجاجات و الانتفاضات بدعوى وقوف جهات "خارجية" خلفهـا ليست إلا أسطوانـة تعوّدت عليها أنظمة الحكم الشمولية لتصريف الانتباه عـن مآزق الفساد و الاستبداد المتعشش في جهاز الدولة،فهـؤلاء تخصصوا في ابتكـار المبررات و اجتهدوا في إخراج صيغ جديدة تُحجب عنهم النزوع التسلطي و المافيوي في التعامل مع الشعوب، و كلمـا أوغلَ نظام مـا في سحق المعارضات و تشريد المجتمعات و تجهيل النـاس كلمـا سعى نحو إبراز فزاعـة الارتباط بالخارج و ارتكب باسمهـا المزيد من المجازر الإنسانية.

     لـم يفق العقل السلطوي من سبات أوهامـه و لم يعد يُفكّر إلا في عروشـه و إنْ كلّفه جماجم شعبه، فباسم يافطة "التحريك الخارجي" للثورات تمت إبادة مدن بكاملها و قتل الأبرياء و الشيوخ و الأطفال، و تمت معهـا الاستعانة "بالخارج" لوأد الانتفاضات و قمع الاحتجاجات و انتهاك الحرمات، و لم يشترك هذا العقل السلطوي في ابتكار هـذا البعبع فقط بل نحى بعض اللائكيين منحـى المتسلطين في الزعم بوجود أيادي خلفية وراء قيام ثورات ما سمي "بالربيع العربي" من دون أن يقدموا أدلة قاطعة على ذلك و من دون أن يتكلفوا بدراسـة الاعتبارات الحقيقية المُحرّكة للاحتجاجات .

     إن انتفاضات الشعوب لا يمكن التعامل معهـا بمنطق جهاز التحكم عن بعد لأنهـا حركات نابعة من فعل الإرادة نحو التغيير، بل و لا يمكن التنبؤ بمساراتهـا حتـى لو تجنّد لهـا مخططو العالم بالدراسة و التحليل،فإن كـانت صنـاعـة الاحتجاج الشعبي العارم تتم بهذه البساطـة التي يروج لها المستبدون و بعض اللائكيين الحقودين كما لو أن الشعوب قطعان ماشية تُساق للذبح فإنـه بنفي المنطق يمكن تفسير "الثورات" المضادة التي أجهزت على الثورات الحقيقية ؟ مع إيمانـنا المطلق بأن الحملات المضادة لم تكن إلا نتيجة تمت برمجتها من عقر الخليج و أذياله و لم تكن لها أية علاقة بالمطالب الشعبية الديموقراطية







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز