د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
أطفال الجنّة

كانت محفوظة جدّة طيّبة في الستينيات من عمرها السعيد المديد، تخاف الله سبحانه وتعالى، حجّت مرتين، تؤدّي الصلوات في أوقاتها، تصوم شهر رمضان، وتكثر من الدعاء لعلّ الله يغفر ذنوبها؛ أي انها كانت كبلايين المؤمنين في هذا العالم، تسلّم أمرها لله الواحد القهّار، وتطلب منه أن يهديها إلى الطريق القويم، ويرضى عنها، وينعم عليها بعد الموت بما تريده وتستحقه، ويدخلها جنّات عدن التي" تجري من تحتها الأنهار" وفيها من الطيّبات والثمرات والمتع ما تشتهي الأنفس، وتعيش فيها حياتها الخالدة الأبديّة بسعادة وهناء بعيدا عن بؤس الدنيا ومتاعبها ومآسيها.

كان حفيدها مرزوق يحبّ الاستماع لقصصها المشوّقة، خاصة تلك التي كانت ترويها له عن الأطفال الذين يتوفّاهم الله قبل أن يستمتعوا بحياتهم في هذه الدنيا الفانية؛ وفي إحدى أمسيات فصل الصيف وبينما كان مرزوق في بيت جدّته سألها:

 " كم رضيعا مات من أشقائي وشقيقاتي؟"

" ثلاثة، ولدان في شهرهما الأوّل من الحياة، وبنت في أسبوعها الأوّل."

" هل ماتوا من أمراض معيّنة؟"

" لقد مرضوا وماتوا، ولا أحد يعلم ما هي الأمراض التي تسبّبت في موتهم المبكر."

" لكنهم كانوا حديثي الولادة ولم يروا من الدنيا شيئا."

" صحيح أنهم كانوا حديثي الولادة، لكن ما حدث هو ما أراده الله ولا اعتراض عليه؛ الله هو الذي يعطي الحياة ويأخذها، وهو أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأعدل العادلين، يحيي من يشاء، ويميت من يشاء، وهو محدّد الأعمار والآجال، وهو على كل شيء قدير."

"ما الذي يحدث للطفل بعد موته يا جدتي؟"

" يذهب إلى السماء ويدخل الجنة."

" كيف يحدث ذلك؟ "

" عندما ينتقل طفل إلى رحمة الله تعالى ينزل أحد الملائكة من السماء، يلفّ جسد الطفل بقماش أبيض من الحرير، ويحمله بين يديه، ثم يفتح جناحيه الضخمة ويطير به؛ لكنّه قبل أن ينطلق إلى آفاق السماء في طريقه إلى الجنّة يحلّق فوق جميع الأماكن التي أحبّها الطفل خلال حياته، وفوق جميع الحدائق الجميلة التي زارها، ويقطع باقة من الورد ويضعها على صدر الطفل ويأخذها معه ليزرعها الطفل في الجنة." قالت الجدّة.

" وهل يعيش الأطفال الرضّع هناك؟ "

" نعم، يتغذون ويترعرعون ويمرحون ويعيشون حياة سعيدة هناك."

" كيف يأكلون؟"

" يرضعون من شجرة."

" هل يوجد في الجنة أشجار؟ "

" نعم، أشجار الجنة كثيرة ومتنوعة، وذكر منها القرآن أشجار العنب والنخل والتين والرمان؛ وهي دائمة العطاء وليست كأشجار الدنيا تعطي مرّة واحدة من وقت دون وقت، وفصل دون فصل؛ انها دائمة الإثمار والظلال وضخمة جدا؛ فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها."

"ما هي الشجرة التي يرضع منها الأطفال؟"

" يوجد في الجنة شجرة ضخمة لا أستطيع أن أشرح لك مدى ضخامتها اسمها - طوبى -، شجرة الضروع، حيث تحمل عددا هائلا من الضروع لا يعلمه إلا الله؛ فمن يموت من الصبيان والبنات يرضع  ما يحتاجه من حليب من شجرة طوبى حتى يصل إلى السن التي تمكّنه من تناول أطعمة الجنّة المتوفّرة للجميع."

" هل هذا يعني أن الطفل الذي يموت لا يموت؟ "

" الطفل الذي يموت يبقى جسده هنا في الأرض ويتحلّل ويتحوّل إلى تراب، لكن روحه تظل خالدة ولا تموت، وتذهب إلى السماء حيث يعيش صاحبها ويكبر ويستمتع بحياته الأخرى."

" وماذا عن آباء وأمّهات الأطفال الذين يموتون؟ هل يجزيهم الله عن ألمهم ومعاناتهم لفقدان فلذات أكبادهم؟ "

" نعم، الله لا ينساهم ويجزيهم خيرا." الرسول محمد ابن عبد الله عليه الصلاة والسلام يقول " إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع! فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسمّوه بيت الحمد." وتابعت محفوظة:

" الله خلقنا جميعا ويميتنا جميعا ويغير أحوال الدنيا بإرادته؛ تذكر البشر الذين خلقهم الله منذ آدم وحواء واسأل أين هم الآن، وتذكر كفاحهم وتضحياتهم؛ لقد بنوا القرى والمدن وزرعوا وصنّعوا وتعلّموا وعلّموا وأقاموا حضارات عظيمة؛ ولهذا فان الله سيجزيهم خيرا على أعمالهم الطيبة التي استفاد منها الناس جميعا."

" صدقت يا جدّتي، انني رأيت البنايات الجميلة في المدينة القريبة من قريتنا، وتعلمت أشياء كثيرة عن الحضارات السابقة في مدرستي، ورأيت كومة من العظام المحاطة بالرماد في كهف في المنطقة الغربية من قريتنا، وهياكل بيوت كان يعيش فيها أجدادنا الأوائل، وبقايا صحونهم وأوانيهم الحجريّة والطينيّة والخشبيّة والفخاريّة والزجاجيّة وبعض رماحهم وسهامهم المكسّرة، ورأيت أيضا خرقا وبقايا ملابس بالية، ونفايات لا تريح العين ولا تسرّ القلب. كل ذلك جزء من بقايا الأجيال السابقة التي سادت ثم بادت ونحن سنموت يوما ونترك أثارنا مثلهم. أليس كذلك يا جدّتي؟"

" لا شك في ذلك."

في إحدى أزقة القرية الضيّقة كان هناك كهفا قريبا من بيت مرزوق، ربما أوجدته وصقلته التطوّرات المناخيّة، أو حفره الآباء الأوائل ثم بنا عليه أحفادهم واجهات من الحجر، وجعلوا له بابا ونافذة ضيّقة، وحوّلوه إلى بيت مستقل كان يعيش فيه صديق مرزوق نائل الذي كان طفلا فقيرا مريضا أصيب بمرض عضال شلّ حركته، وأقعده في كهفه، وحرمه من اللهو والقفز والركض مع أقرانه فوق التلال والجبال والحقول المحيطة بالقرية، وفي أزقّتها الترابيّة وحاراتها وعلى بيادرها، ومنعه من المشي على مصطبة كهفه المجدّد إلا على عكاكيز ولمرات قليلة في حياته.

كان نائل يظهر للآخرين أنّه مستسلما لقدره، ويبذل جهده للتعامل مع واقعه المرير، " متشائلا " لا يعرف ما يخبئه له القدر؛ وتعلّم الجلد والصبر، وعندما كان يسأله أحد عن صحته يرد بالقول" الحمد والشكر لله "؛ لكنه رغم إيمانه الفطري الطفولي البريء بالله، كان في أعماقه ممزّقا وغاضبا على نصيبه، وثائرا كبركان يقذف حمما من الدموع الجافة التي لا يراها ولا يحس بها أحد غيره.

في فصل الصيف، كانت أشعّة الشمس تدخل المكان من النافذة الوحيدة الضيقة وتضيء جزأ صغيرا من أرض الحجرة لفترة لا تتجاوز الساعة  يعرّض نائل جسمه النحيل السقيم خلالها للدفء الرباني المنبعث إلى أرضنا من الشمس الأقرب الينا في مجموعتنا الشمسية ومجرّتنا؛ ولهذا كان نائل يقول لصديقه مرزوق إنه كان في الخارج وشاهد الدنيا، لكنه لم يكن يعرف شيئا عن الحقول الخضراء والأشجار الباسقة؛ وفي يوم من الأيام أحضر له مرزوق غصنا غضا طريا متألقا من شجرة زيتون معتقة ضخمة عميقة الجذور تغذّت أجيال قريته على الزيت والزيتون الذي أنتجته وما زالت تنتجه منذ أن وطئت أقدام الرومان تلك الأرض قبل ها يزيد عن الألفي عام.

وضع نائل الغصن حول رأسه وتصوّر بأنه كان سعيدا يتسلق الأشجار في غابة أشرقت عليها الشمس بدفئها ونورها، فزادتها جمالا وبهاء وحياة، وغنّت عصافيرها الحانها الجميلة، وانتشرت فيها كائناتها صغيرها وكبيرها تمارس الحب والأمومة والأبوّة بحنان، وتبحث عن رزقها ووسائل عيشها بأنانية وعدوانية مفرطة لا رحمة فيها للضعيف ولا نصر فيها إلا للقوي.

وخلال فصل الربيع أحضر مرزوق لنائل بعض الزهور التي جمعها من منطقة جبلية قريبة من القرية، وكان بينها زهرة ما زال فيها جذرها؛ غرسها نائل في وعاء، ووضعها على الشباك بجانب الفرشة التي كان يمضي وقته نائما أو مستلقيا أو جالسا عليها؛ نبتت الزهرة وكان يسقيها ويرعاها ودخلت في عالم أحلامه وتحولت إلى غابة صغيرة فاح عطرها وأمتعته بجمالها.

كان مرزوق متعاطفا مع صديقه نائل ويشعر بمعاناته؛ وفي إحدى الأمسيات سأل جدته:

" جدّتي: لماذا لا يستطيع صديقي نائل المشي على قدميه؟ "

" لأنه أصيب بمرض بعد ولادته بثلاث سنوات وأصبح مقعدا."

" لماذا يمرض الأطفال؟ "

" لأسباب كثيرة."

" ولماذا لا يعالجون ويشفون من أمراضهم؟ "

" أولا إن هذه هي إرادة الله، وثانيا لآن الطب لم يتطور في دولتنا إلى درجة تمكّنه من توفير العلاج الناجح لكثير من الأمراض."

" وما ذنب نائل ليعاني هذه المعاناة؟ "

" لا ذنب له؛ إنّه قدره."

" إذا لماذا اختاره الله ليعاني طيلة حياته؟ "

" لأنّه يحبّه ويريد أن يمتحن صبره وصبر أهله."

" لقد سمعت بعض الناس يقولون إن الله ابتلاه انتقاما من والده الذي كان لا يصلي وجشعا وظالما ويتعامل بالربى."

" لا تصدق هذا الكلام؛ الله عادل ولا يعاقب طفلا على أخطاء والده."

" وهل سيعاقب نائل قبل أن يدخل الجنّة؟"

" لا أدري، الله وحده هو الذي يعلم ذلك. أنت يا مرزوق تطرح أسئلة تدل على ان قدرتك العقلية أكبر من عمرك الزمني بكثير؛ عندما كنت أنا طفلة لم نكن نفكر بما تفكر به انت وأبناء جيلك الآن؛ كان العالم يختلف كثيرا عن عالمكم؛ لقد غير العلم والثقافة الكثير من الحقائق والمسلّمات؛ ويبدو لي أن يوم القيامة قد اقترب... والله أعلم." 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز