خالد جواد شبيل
kalidjawadkalid@hotmail.com
Blog Contributor since:
26 June 2010

 More articles 


Arab Times Blogs
عندما يُصبح النقدُ قراءات


أول الكلام:

سبق أن تناولت بعض ظواهر النقد الراهن، في خطه المضطرب المتمثل بارتباطه الذيلي لإفرازات الاتجاهات الحداثية لا بسيرورتها الأصلية بل بنسخها المترجمة، وعالجت بعض إشكلاتها خاصة في مجال الشعر وبشكل أخص في قصيدة النثر، حيث بدا نقدها هو تابع لنصها وتَكراراراً لغويّاً سرديّا، يتشح برداء الحداثة التي فهم أن الغموض واستخدام اللغة التركيبية التي تضمر ولا تُفصح، والتي تتجاوز الحكم النقدي الموضوعي الى الانطباعي الذاتي..

 ولا أود أن أعيد ماكتبت فليراجع من يريد من الأصدقاء ما سبق أن نشرت بعنوان" لغة الشعر الحداثي" مضيفاً الى الجانب النظري الجانب التطبيقي بأمثلة حيّة، رغم مرور سنوات أربع فأجد أن هذه المقالة ناهيك عن أخواتها مازالت تتأكد أهميتها وأحسب من جانب آخر أن تلك الظاهرة قد خفت بريقها نسبيا ...

***

عندما قرأت قبل سنين عديدة تقرب من ثلاتة عقود لمادة نقدية عن كتاب أراد كاتبها يومئذ أن يستخدم رديفاً جديداً ليحل محل تعبير "عرض ونقد" الذي بدا مستهلكاً وطالما بدا سردياً انطباعيا يوصل الناقد فحوى النص ودلالته مع حكم نقدي على أسلوب الكاتب وأهمية الكتاب وفائدته... بيد أن الأمر تعدى ذلك ليُصبح تعبير " قراءة " لقصيدة أو قصة أو رواية أيسر الطرق لأن يكون القارىء "الناقد" قد نفض يديه من قواعد النقد وأزاح عن كاهله الالتزام النقدي الموضوعي، وحرر قلمه من مسؤولية نقدية وأخلاقية في الحكم على النص أو ما يعبر عنه اصطلاحاً ب "حكم القيمة"..

وبهذا الطريق السهل ازداد عدد النُقّاد/القرّاء بشكل ملحوظ ودليلي هو ما تطالعنا به الصحف والمواقع من  "قراءة"ات... "قراءة لقصيدة" و "قراءة لقصة قصيرة" و "قراءة لرواية" وهذه الأخيرة أضعف الإيمان!

وقد أحصيت أن للشواعر الحسناوات حصة الأسد من أصحاب القراءات، حيث يكال المدح بالمجان، وهكذا تصبح "القراءة" خديعة...ولقد رأيت ورأى غيري أن أخأ عربياً كثيرا ما أمطرنا وما زال بقراءات للشاعرات، لا يمر يوماً إلا وتجد اسمه موزعاً على عشرة مواقع على الأقل، ويبدأ  القراءة بعناوين بروباغاندية متعاطفة، فقد أودع حكمه النقدي العنوان وأراح واستراح، وكال مدحاً وإطراء وما قصّر! والسؤال الذي يطرح نفسه متى يقرأ هذا "القارىء" النص ويتمعنه ويتفكره ويكشف عن جماله  ومآلاته ؟ ومتى تتفجر قريحته النقدية؟..يخيل اليّ أنه يقرأ وفي إذنه يطنّ قول الشاعر الإمام الشافعي (150 204ه):

  وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ - وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا

وإذا صفحنا عن كل خصائص الناقد من سعة ثقافة أفقاً وعموداً وعمق التجربة والمران، وإطلاع واسع على الأفق النقدي ومدارسه القديمة والمعاصرة والتمكن من نظرية النقد ناهيك عن تمكنه من الأدوات وأهمها اللغة وامتلاك ناصية الفهم والتحليل للنص، فإن هناك جانباً آخر غاية في الأهمية يرتبط ارتباطاً هاما بالجانب الأخلاقي والتربوي وهو مسؤولية الناقد..

ما يميز النقد عند الأغريق هو أنه نقد فلسفي،، لأن الفلاسفة عنوا بالنقد واعتبروا الفن بما فيه الشعر هو ظاهرة حياتية ونشاط جمالي  إنساني وما الفلسفة إلا نقد يتوسم وينشد فهم الظواهر الحياتية وإشاعة الجمال بل وتربية الذائقة النقدية وإبراز معاني الجمال وسماته ولولا هذا الفهم الفلسفي لاختلط الجميل بالقبيح وتلاشت الحدود!! وتجد زيادة على ذلك أن النقد عبر عن خصوصية فلسفة الفيلسوف نفسه كما لدى أفلاطون وأرسطو!

نقدنا العربي كان نقداً تطبيقياً مستقى من الحياة العربية الصحراوية نفسها؛ فهم الوقوف على الأطلال وبرره وفهم الحنين الذي هو رديف للحب، وفهم الخمريات للخروج من الثقل اليومي القاسي للصحراء وفهم وصف الحرب والشجاعة باعتبارها كريهة لابدّ منها، وفهم افتقاره للخيال  وشح الأفكار الفلسفية من شح الصحراء ذاتها.. فالناقد العربي لا يحتاج الى نظرية نقد لأنه يعيش مايقوله الشاعر بكل تفاصيله.. كان النقد منصبّا على أفانين القول لذا فهو نقد بيانيّ..واهتم بالجانب الأخلاقي بمصطلح "السرقات الشعرية" وهو نفسه التناص مع فارق التطور التأريخي (الزمني) للنقد!

حاول النٌقاد المقارنة وإن شئت المفاضلة بين الشعراء وفق الذائقة الذاتية المحض، ثم تطورت الى الموازنة وإدخال المنطق مشفوعا بفهم حقيقي لخصائص كل شاعر..وفق مسؤلية نقدية عالية ذات سمة موضوعية وفلسفية قطعت مراحل هامة من طبقات ابن سلّام حتى عمدة ابن رشيق؛ أرست مباىء نقدية عززت مسؤولية الناقد العربي..ووضعته على المحك الأخلاقي..ومهما تعارض النقّاد واختلفوا فإن المسؤلية عندهم أساس يردعهم عن الانحياز للنسب القحطاني أو العدناني يوم كان شاخصاً أو الى العشيرة يوم كانت مدعاة للتفاخر:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم – إذا جمعتنا ياجرير المجامعُ

يقول الناقد رجاء النقاش في مسؤولية الناقد الحديث حين أدرك أن المسؤولية النقدية وأهميتها حين يعيش الناقد القرن العشرين وأحسبنا نعيش القرن الحادي والعشرين يقول:

"الناقد الحديث فرد يدرك أوضاعه والتزاماته ومسؤولياته، بعد أن تتضح عناصرها المبررة في نفسه وتخضع كلها لسيطرة وعيه ورقابته، فلا تكون حتمية من الحتميات التي تفرض  نفسها في سلوكه وأحكامه فتبعده عن ممارسة حقيقته" (مسؤولية الناقد، رجاء النقاش، نظرية النقد محمد كامل الخطيب، ق2 ص496).

لقد تابعت بعض "قراءات" النقاد لبعض النصوص شعراً ونثراً لأكتشف أن "القراءات" مبتسرة يختار مايبرر المدح والاطناب فيه، ويترك الأمور التي ينبغي التوقف عندها بل وجدت في بعض النصوص مزاعم وتخريجات لم تكن في النص الأصلي بل هي من لدن الناقد كما أن هناك أخطاءاً وإخفاقات يغفل عنها بسبب الجهل و غض النظر...كل هذا يحسب على النقد، فما أسهل النقد!!

بانغكوك في 19تموز/يوليو 2019

 

 

 

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز