إدريس أحمد
hamada.d.1968@gmail.com
Blog Contributor since:
11 June 2019



Arab Times Blogs
نحن في خطر : المحبة فيما بيننا هي الحل، و فيها تكمن نجاتنا يا بشر !

نحن في خطر : المحبة فيما بيننا هي الحل، و فيها تكمن نجاتنا يا بشر !

 

 

 

"في غمرة الموت تستمر الحياة… في غمرة الكذب تستمر الحقيقة… في غمرة الظلام يستمر النور…" (المهاتما غاندي)

 

 

المقال ﺍﻵﺗﻲ يتألَّف في غالبيَّته من مقتطفات من كتاب لي صدر هذا العام عنوانُه : "صرخة قلب من مسلم مقيم في الغرب - أفكار و تأملات من أجل ربيع عربي حقيقي" (دار الماهر للطباعة و النشر و التوزيع، الجزائر، أبريل 2019). صاحب هذا المقال مبتلى منذ أمد طويل، و هو على وشك أن يصير إلى دار الحق الجزء الأكبر من الخطاب هنا يتعلَّق بالأمة التي أنتسب إليها و لكِنْ في النهاية رسالة المقال عامة لكل البشر. أتمنى للقِلة النادرة المباركة التي تصبر على القراءة الفعلية لمقال طويل نوعاً ما، إستفادةً حقيقية من هذه القراءة أي نظرية و تطبيقية عملية حياتية في الوقت ذاته. و للجميع الصحة و العافية و حُسن العاقبة.

 

(أُعلِمكم أن جل الملاحظات و التأملات بخصوص "الربيع العربي" المُنقضِي يرجع تاريخ كتابتها إلى سنوات مضت…)

 

 

إليكم نص المقال :

 

 

 

"و العصر إنَّ الإنسان لفي خسر، إلاَّ الذين آمنوا، و عملوا الصالحات، و تواصوا بالحق، و تواصوا بالصَّبر." (قرآن)

 

"الربيع الذي نتطلَّع إليه هو ربيع القلوب، هو الحياة الروحية التي تحيا بها القلوب، و تصلُح في ظِلِّها الأحوال و تستقيم الأمور. نحن نحتاج إلى الربيع الذي يربط الإنسان بربه، و يُرسِّخ الإيمان في قلبه. و الإنسان أينما كان بحاجة إلى البعد الروحي لِيُحقِّق توازنه و انسجامه. البشرية كلها بحاجة إلى هذه الحياة الربانية المتوازنة." (محمد المأمون القاسمي)

 

"فلننطلق نحو مستقبل يَسَعُ الجميع و يَسْعَدُ فيه الجميع." (فهمي هويدي، "تزييف الوعي"، 2005)

 

 

أكيد تماماً أن العالَم يَمُر الآن بلحظة تاريخية فاصلة و غنِي عن البيان أن أمتي تقِف على أعتاب المجهول. أجَلْ أنا مؤمن و على يقينٍ تام بأنَّ فجر صَحْوَةٍ حقيقية و شاملة لهذه الأمة قادم، لكِنَّ الواقِع الذي ليس بإمكان أحد إنكارُه هو أنَّ وضعها الراهن في مُجمَلِه سَيِّئ. حقاً هو وضع سيئ و مُؤسِف لِلغاية، تَحمُّلُه صعب و فَهمُه أصعب، حتى أصبح في كل الدنيا مثار شفقة. أُمتُنا تعيش حالة تخلُّفٍ حضاري إلى أقصى و أبعد حد، يُقابِل هذه الحالة تطرُّف ديني بشع لا يكاد يقف عند حد. بالمناسبة التطرف الديني أو السياسي هو اليوم آخِذ في الإنتِشار شرقاً و غرباً و لَيْس مِيزة حصريَّة لهذه الأمة و هو أحدُ أخطر تحدِّيات العصر... و لن يكفي الحل الأمني في مواجهة هذا التحدي : لأنَّ التطرف فكر و اعتقاد و تصوُّرات ذهنية، قبل أنْ يصير أفعالاً و سلوكِيَّات على الأرض.

 

التطرف هذا مَقيت و يَسْتقبِحُه كل عاقل، يُضاف إلى ذلك كَوْنُ الذي نُعلِن و بِمِلْءِ الفم أنه أُسوتُنا في الحياة و أنَّنا على دربِه نسير و بِهَدْيِه نسترشد، قد استنكرَ بشدَّة و حذَّر مِن هذا التطرف : "يا أيها الناس إيَّاكم و الغُلُوَّ في الدين فإنَّهُ أهلك مَن كان قبلكم الغُلُوُّ في الدين". و مِن مشكاة النبوة، أيضاً، خرجت هذه الكلمة : "إني بُعِثتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَة". لقد جاءت هذه الحَنِيفِيَّة السَّمحة لِتحرير الإنسانية بكاملها، مِن عبادة الطَّواغيت و الأوثان بِمُختلف و جميع أشكالِها.

 

و عليه فإنني في الحقيقة أشعر بشيء مِن الذُّهول عندما أنظر إلى كيفية تدَيُّنِ الكثيرين مِن أبناء هذه الأمة، التي تدَّعي التوحيدَ الخالِصَ لله، أبناءِ هذه الأمة الذين في الواقع حَوَّلوا إسمَ دينهم و بعضَ ما يَتَّصِل به مِن رموز أو تقاليد أو حتى شعائر، إلى أصنام يعبدونها مِن دون الله. إنه لأمر يُثير الإستغراب و أكثرَ من علامة استفهام و يدعو إلى الحيرة، يجب على مرجعياتنا الدينية و مشايخنا الكبار التفكير فيه بكامل الجدية. و يَصِل هذا الشرك الخفي و الجلي في آنٍ واحد بالبعض إلى حد تقديم القرابين البشرية لِهَذه الأصنام : أعني بالطبع أولئك المعتوهين الذين يُزهِقون دون رحمة و بِلا حساب و بِدم بارد أرواحَ عباد الله، مُعلنين أمام العالَم أجمع أنَّهم إنَّما يفعلون ذلك دون تَرَدُّد بهدف خدمة الدين و مِن أجل إرضاء الله ! صدق رب العالَمين إذ يقول في كتابه الكريم : "و ما يؤمن أكثرهم بالله إلاَّ و هم مشركون". لا يُفهم من كلامي أني غافل عن حقيقة المصدر الحقيقي لِمُعظم ما يُسمى الإرهاب الدولي…

 

هكذا سلوكات و تصرُّفات نفَّرت كثيرين من الدين، بل إنها يقيناً زهَّدت أعداداً غفيرة من البشر في الله. للأسف لقد نسينا أن الإنسان العظيم الذي بُعِث بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَة إنَّما بُعِث لتكريس و إتمام و ترسيخ مكارم الأخلاق. فها هو يُنادي و يُعلِن للعالَم قائلاً : "إنما بُعِثت لِأُتَمِّم مكارم الأخلاق" ! هل الذين يزعمون أنهم يسيرون على مِنهاجه في عصرنا الحاضر، هل هم مِثال يُحتذى به و قدوة للآخرين في التَّحلي بمكارم الأخلاق ؟ هل في عالَم الناس اليوم مَن بإمكانه إنكارُ هذه الحقيقة الجَلِيَّة و التي هي أسطعُ مِن ضوء الشمس :

 

ما أكثر "المسلمين" الذين فيهم بَعْضُ أو رُبَّما كُل هذه الخصال :

 

سُفهاء وُضَعاء لُؤماء، ذوُو أخلاق دميمة، يستحسنون الخيانة و الغدر و العدوان، كذَّابون على أنفسهم و على الناس، أصحاب ضمير ميِّت، و فكر سقيم مُظلِم هدَّام يتصادم مع فِطرة الإنسان و يُعاكِس حركة الحياة بتطوراتِها و مُستجداتِها و تحدِّياتِها و آفاقِها المُستقبلية، ذوُو قلب عَفِن غليظ قاسٍ، أصحاب نظرة دينية مُتشدِّدة بعيدة عن مفهوم الحب و الإخاء بين البشر - نظرة دينية ترفُض الآخَر المُغاير و تحتقِرُه و تُعَيِّرُه -، أصحاب وعي نائِم و ذهنية مُنغلِقة و أفق ضَيِّق، أصحاب سيرة و سريرة خبيثة، يأمرون بالمنكر و ينهون عن المعروف، فاسدون و مُفسدون في الأرض، ضارون لأنفسهم و لغيرهم بفِعْلِ الشر و اجتناب فعل الخير.

 

و ما أكثر "المشركين" الذين فيهم بَعْضُ أو رُبَّما كُل هذه الخصال :

 

عقلاء عُظَماء شُرفاء، ذوُو أخلاق جميلة، يستقبحون الخيانة و الغدر و العدوان، صادقون مع أنفسهم و مع الناس، أصحاب ضمير حي، و فكرٍ سليم مُتنوِّر بنَّاء يتناسق مع فِطرة الإنسان و يُواكِب حركة الحياة بتطوراتِها و مُستجداتِها و تحدِّياتِها و آفاقِها المُستقبلية، ذوُو قلب نظيف رقيق حانٍ، أصحاب نظرة دينية مُتسامحة قائمة على مفهوم الحب و الإخاء بين البشر - نظرة دينية تقبَلُ الآخر المُغاير و تحترمه و تُقدِّره -، أصحاب وعي يقِظ و ذهنية مُنفتِحة و أُفُقٍ واسع، أصحاب سيرة و سريرة طيبة، يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، صالحون و مُصلحون في الأرض، نافِعون لأنفسهم و لِغيرهم بفِعْلِ الخير و اجتناب فعل الشر.

 

باختصار : ما أكثر "المسلمين" الذين هم نقمة على العالَمين، الذين هم أعداء للإنسان و الحياة و الحضارة و السلام ؛ و ما أكثر "المشركين" الذين هم رحمة للعالَمين، الذين هم أصدقاء للإنسان و الحياة و الحضارة و السلام. أيُّ الفريقين أكرم عند الله، يا مَن تنعتون دون تفكير و غالِباً باسْتِعلاء أو ازدِراء مُعظم سُكَّان العالَم بِلفظ الكفار مع أنه لا دَخْلَ لهم الْبَتَّة في أمورٍ وقعت بجزيرة العرب في زمنٍ سحيقٍ غابِر، أيُّ الفريقين أحَبُّ إلى الله ؟

 

للأسف استقرَّ في مُعتقدِنا و عقلِنا الجَمْعي أن أشرارَنا و فُجَّارَنا أعَز على الله مِن أخيار و فُضلاء باقي أُمَمِ الأرض و أسْلمُ مِنهم عاقبة في الدار الآخرة ! لا ريب عندي و لا تردُّدَ إطلاقاً أن الشياطين هِي مَن أوْحَى إلَيْنا بكذبة مُرَوِّعة و بغيضة سائدة في مجتمعاتِنا، رضعناها مع حليب أمهاتنا بل غُرست في عقولنا منذ الولادة، و كلما كَبُر أحدُنا إزداد استِمساكاً بها و قد يَصِل به ذلك إلى التضحية بحياته في سبيل أنْ يُقنِع بها كافة البَرِيَّة : كل مَن سِوانا مآلُهم الحتمي في الدار الآخرة، بالطبع لا فرق في ذلك بين مُحسنِهم و مُسيئهم باعتبار القوم قاطبة كافرين، نار أبدِيَّة لأننا وحدنا المُؤهلون لِدُخول الجنة. أنا تقريباً على يقينٍ أنَّه لا مُبالَغة فيما أقول على الإطلاق، و إن كان هناك طبعاً أفراد واعون مُستنيرون - عَدَدُهم في تَزَايُد مُسْتَمِر و هذا أمر يَسُر القلب -، لَيْسَ لديهم هذه الرؤية التي هي عندنا مَوْضِعُ شِبْه إجماع. نحن أيضاً نعتقد جازمين أنَّنا شعبُ الله المختار و ليس بمقدورنا إنكار ذلك.

 

(…)

 

الدين القويم و هو الذي يُوائِم الفِطرة و لا يصدِم الضمير و قبل كل شيء يُعين الحياة و يُحَسِّنُها و يُخفِّف مِن قسْوَتها، و يُعلِّم المخلوق الآدمِيَّ كيف يكون إنساناً بجدارة و مُستحِقاً بالفعل أن يُسمَّى إنساناً، لا يُمكِن أن يستغني عن المُراجعة النقدية الدائمة و التصحيح المُستمِر للتَّصوُّرات و الدعائم الفكرية التي يقوم عليها. و هذا يقتضي عدم تصنيم أي فكرة هي نِتاج جهد بشري في محاولة فهم النصوص المُؤسِّسة للدين… و طبيعي تماماً أن المراجعة الواعية و المسؤولة و النزيهة لما نحن عليه مُكلِّفة و مُرْبِكة أيضاً للمشاعر لكِنَّها ضرورية و لا مَناص منها حتى نتجاوز ما نحن فيه : الحقيقة وحدها تُخلِّصُنا و تُحرِّرنا من الحالة الحرجة التي نحن فيها، و المستقبل الذي نريد و نرجو بُلوغَه لن تصنعه الأوهامُ بل الحقيقة.

 

"الأزمة هي أزمة الوعي، و الثورة الحقيقية هي ثورة الوعي." (كريشنامورتي)

 

"و لَسَوف تعرفون الحقيقة و الحقيقة تجعلُكم أحراراً." (السيد المسيح - عليه السلام)

 

ها قد حان الوقت لِيَسترجع أصحابُ العقول عقولَهم و لِيَمضِيَ الجميع قُدُماً نحو الحقيقة. نحو الإجابة النهائية ـ و التي سَتُحدِّد رؤيتنا للآخر ـ عن سؤال حاسم هو : مَن هو الكائن المنعوت بالكافر و المُتَوعَّد بأقسى و أشد و أنكى أنواع العذاب، حَسَبَ ما يَنُص عليه مِراراً و تَكراراً و مِن دون أدنى لَبْس أو غُموض القرآن ؟ مَن المعني في قول الله : "عُقْبَى الكافِرين النَّار" ؟ المطلوب بإلحاح ليس أقلَّ من تجديدٍ كُلِّي و إعادةِ بناءٍ حقيقية لِمَنظومَتِنا اللاهوتية بِرُمَّتِها و فكرِنا الديني المَوْروث. ذلك شرط تصالُحِنا مع كُلِّ ما هو جميل و طيِّب في العالَم، تلك أولى الخُطُوات على طريق إصلاح حال الأمة و تخليصِها مِن أمراضِها و مُعضِلاتها المستعصِية، ذلك شرط نهضتنا المأمولة التي بها سيتغيَّر وجه الأرض. أرجو أن يكون ذلك قريباً.

أحمد إدريس   نحن في خطر : المحبة فيما بيننا هي الحل، و فيها تكمن نجاتنا يا بشر !   July 24, 2019 10:05 AM
أنا صاحب المقال : أين هي بقية المقال ؟ المقال أطول بكثير... و شكراً.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز