نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
ناصر من جديد .. ورسالة لرفع الضغط .. الهزيمة سرطان الثقافة


ياسيد نارام

انا مصري وانا من يحق له ان يحاكم رؤسائه وانت تصر على ان تبرء عبد الناصر وتخطأ الرئيس السادات لكن كون منصف وكون موضوعي وشجاع واعترف ان عبد الناصر يستحق ان يحاكم الآن بالذات لأنه سبب كل الهزائم التي نراها اليوم ولاتنسى كارثة اليمن التي أخذنا اليها .ولولاه لما كانت غزة والقدس في هذا الوضع المزري وماكناش شفنا السفارة الامريكانية في القدس وكل الشعب المصري لن ينسى انو اتهزم في زمن عبد الناصر وانتصر في زمن السادات. مش كفاية عايشين لحد دلوقت على انجازات رجل القومية العربية واللي شايفينه اليوم اكبر دليل.

محمود رمسيس - مصر

==================================

رد على رسالة السيد محمود رمسيس

شكرا لك على رسالتك التي والحق يقال انها من الرسائل القليلة التي استفزتني وجعلتني اعرف معنى ارتفاع الضغط وانا من ارفع الضغوط للمعارضين وللثورجيين وللاخوان وللعرب المستعربين .. وللجواسيس واللقطاء والعملاء واعلاميي الدعاية السوداء .. ولكنك أفلحت ورفعت لي ضغطي بعد سبع سنوات لم يرتفع فيها أبدا .. ولو كنت اعاني من السكري لرفعت مستوى السكر حتى أغمي عليّ .. ولو كنت ممن لديهم مرض في القلب لكنت وجهت الى قلبي جلطة قلبية ..

ولكني سأرد عليك وكلي أمل ألا يكون لديك ارتفاع ضغط أو سكر او مرض في القلب لأنني لاأريد خلخلة استقرار صحتك ونقلك الى المشفى .. ونصيحتي أن تتوقف عن القراءة هنا اذا كان هناك خطر على حياتك لأنني لاأضمن كيف سيكون تأثير رافعات الضغط والسكر والادرينالين عليك في هذا الرد .. فربما كانت كل كلمة ستقرأها الآن حبة رافعة للضغط والسكر والادرينالين .. بدل ان تكون امام صيدلية من الكلمات والنقوع والعطور التي اعتدت ان افتحها لكل قرائي ..فالكلام هو نوع من أنواع الدواء والعقاقير للروح .. ومنه مايشبه المراهم لحروق النفس .. ومنه مايشبه تأثيره الفياغرا أو يسبب عجزا واكتئابا وغثيانا !! .. ولكنه قد يكون سما وزرنيخا ويورانيوما منضبا مسببا لسرطان الثقافة ..

يعني كلما استمعت الى احد المصريين الساداتيين وخاصة من الجيل الذي عاصر عبد الناصر واستمعت الى الرواية المملة عن الصدمة من الهزيمة بعد ان كان موعودا بالنصر أحس انني اشاهد فيلما مملا وسمجا للمرة المليون ومجموعة من التلاميذ التي حفظت نشيدا مدرسيا بنفس اللحن والنغمات لاتزيح عنه .. وأنا في تقديري ان عبد الناصر هزم عسكريا ولكنه كشف الروح المهزومة في بعض زوايا النخب والمجتمع في مصر .. بل ان تضخيم الهزيمة في معركة هو هزيمة أكبر وهو عار وهو شماعة للمستسلمين بدل ان يكون رافعة للقوى الكامنة في المجتمع لأن الثأر للهزيمة هو أهم من منع الهزيمة.. ولكن التضخيم استعمل كشماعة للآثام .. وكان على مصريي اليوم الذين يجلسون في المقاهي فيما اسرائيل تسبح في مياه أعالي النيل ويعاتبون عبد الناصر أن ينصفوا الرجل كقائد طموح أراد رفع مصر معه .. والرجل قد حوكم شعبيا وكان خروج المصريين الى الشوارع بشعار (ح نحارب) هو انهاء لفكرة الهزيمة التي يريد البعض الآن اطلاقها واحياءها والأكل من أوانيها ومسح دموعه بمناديلها وأكل لحم عبد الناصر ميتا .. والهزيمة المتورمة كشفت الرغبة الدفينة لدى البعض في تبرير الخروج من المواجهة مع اسرائيل وكأنهم كانوا ينتظرونها لتمجيد الاستسلام .. فتضخيم الهزيمة ومشاعرها ومحاكمتها هي ذريعة اللاوعي في اللجوء الى معاهدة كامب ديفيد والاسترخاء في احضانها والقاء اللوم على ناصر .. فعبد الناصر هزمنا .. وخذلنا ولم نعد نؤمن بأي مواجهة وأي حرب بسببه لأن الصدمة وقعت بسبب التفاوت الكبير بين الآمال والنتائج .. فكل مصري يتحدث عن زمن عبد الناصر ينبري فورا للحديث عن الهزيمة ويعيد نفس القصة ونفس العبارات .. اي ان ناصر وعد الناس بالنصر ونفخ احلامهم ولكنه قدم لهم هزيمة مفجعة أكلت قلوبهم وأكبادهم ففقدوا الشهية في القتال والصراع مع عدوهم ..

ولكن لم يردد بعض المصريين - وليس جميعهم - الحديث عن الهزيمة الناصرية وكأنها نهاية العالم .. ويوم القيامة؟؟؟ .. وكأنهم الأمة الوحيدة التي تعرضت لهزيمة رغم انها هزيمة محدودة في الصحراء ودامت بضعة أيام ولم تصب المدن ولم تدمر البنى التحتية كما حدث في ألمانيا وروسيا في الحربين العالميتين الاولى والثانية وكل دول اوروبة ؟؟ .. ويتصرف البعض في نوع من المبالغة في التفجع والتأثيم والمازوشية .. وتم تصوير معركة 67 على انها حرب ورفعت الى مصاف الحروب الكبرى .. رغم انها ليست كذلك .. ورغم أنها اقل كثيرا من معركة 56 .. ففي العدوان الثلاثي وصلت اسرائيل الى القناة ودخلت بريطانيا وفرنسا السويس وبورسعيد .. ومع ذلك اعتبر عمل ناصر وصموده بطولة وانتصارا .. رغم ان عصر السادات اعتبر ان ناصر مغامر ومتسرع بقرار التأميم وكان يمكن ان ينتظر عشر سنوات لتؤول القناة لمصر .. انها ذات الاقلام التي كتبت عن مغامري حزب الله المتهورين الذين جلبوا غضب اسرائيل 2006 بعملية الوعد الصادق .. ومابين مغامرة ناصر 56 و نصرالله 2006 خمسون سنة تماما .. ولكن لسان الأفعى ذاته وانيابها لاتزال تعضنا وتحقننا بالسم منذ خمسين سنة ..

لكن كل من يريد في لاوعيه ان يهرب من المسؤولية وينزوي للتهرب من واجبه فانه يبحث عن كبش الفداء ويجده سهلا في عبد الناصر .. واعتقد ان هناك سببين لهذا الشعور الاول هو قرار ناصر الشجاع بالتنحي وهو أول زعيم عربي وقائد يقر بتحمله المسؤولية الكاملة لما حدث .. وهذا الفعل النبيل اعطى الناس شعورا ان الهزيمة كبيرة جدا لدرجة ارغمت الرئيس الكبير والبطل في نظرهم على التنحي .. الا ان تنحي ناصر جعله هدفا سهلا لمن يريد التخلي عن مسؤوليته ويريد أن يرمي السلاح بعد ان كان السلاح (صاحيا) .. وهذا اللوم له محركات في الاعلام النفطي العربي وهذا الاخير امتداد للاعلام الصهيوني .. فهناك تعليم وتلقين للمصريين منذ كامب ديفيد كيف يجب ان يعبروا عن الهزيمة كما يعلم اليهود الأوروبيين ان يتحدثوا عن الهولوكوست بنوع من الشعور بالاثم .. اي ان النكسة فاجعة كسرت ظهور المصريين وروحهم وانها السبب في نقمتهم على قضية فلسطين وخروج مصر الى خيار كامب ديفيد .. والسبب الثاني في هذا الجنوح للمبالغة في سردية الهزيمة هو الاعلام الساداتي الذي كان يريد ان تبقى الهزيمة هي الاساس الذي يستند عليه في استمرار الركون الى خيار تجاهل الصراع والنأي بالنفس والتخلي عن الدور كزعيمة طبيعية للعالم العربي ..

عبد الناصر تحمل المسؤولية بشجاعة وحمل صليبه وقرر التنحي والعيش مع ذنبه وخطئه .. ولكن هذا السلوك الشجاع والمسؤول منح البعض فرصة لقتله وطعنه في قبره كل سنة .. ويلجأ الى هذا العذر كي يبرر خروجه من الصراع .. وهؤلاء من انتاج مرحلة السادات الذين جعلوا استقالة عبد الناصر منصة شجعت الناس على التطاول عليه بدل تكريمه .. على عكس السادات الذي كرس احتلال سيناء بمعاهدة كرست سلطة اسرائيل على سيناء بالقيود .. ولكنه دافع بوقاحة عن انجازه العسكري رغم ان العسكريين الذين صنعوا النصر والعبور العظيم بكوا مما فعله بهم في المفاوضات التي خسروا فيها كل انجازاتهم .. واذا بوقاحة السادات تتفوق على صراحة ناصر .. السادات عبر الى الشرق لكن اسرائيل عبرت الى الغرب .. وكان الاذلال الذي تلقاه المصريون لايوصف بينما غولدامائير تزور الدفرسوار وتسخر من جوع وعطش الجيش الثالث المحاصر وتكرمها ببعض الخبز والماء له .. اي ان نصر العبور في الحقيقة انتهى بهزيمة لاتقل عن هزيمة 67 .. الجيش الثالث محاصر ولاماء لديه ولاطعام بسبب حنكة السادات .. والجيش الاسرائيلي على بعد 101 كم من القاهرة ولذلك سميت المفاوضات يومها بمفاوضات الكيلو 101 .. وفوق هذا يسجل التاريخ ان السادات انتصر وناصر هزم ..

وكلما دق الكوز بالجرة المصرية يبكي المتحدث المكلوم مما حدث له في 67 كما كان الاسباني يبكي ويحس بالذل من انه سلم اسبانيا للعرب ل8 قرون .. رغم ان هزيمة 67 هزيمة عابرة لأيام ولقطعة من الارض مؤقتا ..

الروس ياصديقي رمسيس هزموا امام الالمان وستالين فقد ثلث جيشه في الايام الاولى .. ونابوليون هزم ولكن لم نسمع الفرنسيين يبكون لعشرات السنين .. اما بعض المصريين - وانت منهم - فهناك اسطوانة تبدو مقدسة لهم ولايجرؤ احد على تعديلها وهي انه لايمكن ان يغفر لناصر هزيمة 67 لانه وعد الناس بالنصر الحلو فقدم لهم الهزيمة المرة ..

ولأختصر القول لك يارمسيس فانني أحيلك الى الفيلسوف الالماني فريديريك نيتشه الذي كثيرا ما كان يضرب أمثالا للشعوب التي تجسدت فيها إرادة القوة ويسميها بالشعوب النبيلة .. الشعوب التي تتكون من الفرسان المحاربين والأبطال الأشاوس وليس من الجنود العاديين .. والفرق عنده شاسع بين الكلمتين: الأولى تدل على الإباء والشرف والقيادة وعلو الهمة .. والثانية عنده رمز للخضوع وتشابه أفراد القطيع حيث يفتقرون إلى التفرد والتميز .. ويعبر عن ذلك بقوله: ""أرى جنودا لايحصون ولكن حبذا لو رأيت ما يساويهم من الفرسان! ويسمون لباسهم زيا موحدا .. أرجو ألا يكون ما في داخلهم موحدا كذلك"" .. ولذلك فانه على عكس المتوقع فانه اعتبر العرب من الشعوب العريقة النبيلة التي لاتقبل الذل وهي طموحة وتموت من أجل النصر .. فيقول: (في هذه الأعراق يجد المرء الأسد العظيم يبحث عن النصر: الرومان، العرب، الألمان، اليابان، هؤلاء جميعا لهم الصفة المشتركة) .. وعلى هذا الاساس النبيل قاتل ناصر كمحارب وهزم .. وعلى عكس هذا الاساس خلع السادات ثياب الحرب لأنه لاينتمي الى فئة المحاربين بل الى صفة الجنود .. العاديين .. رفع الراية البيضاء ونجا ..

وبمناسبة حرب اليمن التي تلوم فيها ناصر أيضا .. فلي أن أذكرك انه يقال أن المسؤول الذي كلف بملف الحرب في اليمن في مجلس قيادة الثورة المصرية كان هو نفسه .. بطلك .. بطل العبور .. أنور السادات .. ولاندري ان كانت هزيمة اليمن مهندسة بعبقرية أنور السادات الذي تبين لاحقا انه رجل السعودية في القيادة المصرية وعلاقته بكمال أدهم رئيس المخابرات السعودية أشهر من علم على نار .. أي انه صاحب هزيمة اليمن وربما صانعها .. ولكن ناصر كزعيم تحمل فشل السادات في مهمة اليمن وهو ربما لايدري ان السادات فعلا هو مهندس الهزيمة في اليمن لغاية في نفس يعقوب .. فيما اختبأ السادات في ظل عبد الناصر ولم يجرؤ على تحمل مسؤوليته كقائد لعملية اليمن .. حتى عبد الحكيم عامر خجل من هزيمة حزيران وطالب بمحاكمته ليعرف ان كان وحده المسؤول .. اما صاحبك السادات فلم يقدم استقالته رغم ان من الطبيعي ان يستقيل كأي قائد عسكري فشل في تأدية مهمته ..

نحن قبلك حاكمنا ناصر وأنصفناه وعاتبناه وعرفنا ماله وماعليه .. ولكن أنت من يجب ان يكون شجاعا ومنصفا .. وكفى تباكيا على هزيمة يجب ان نتحمل مسؤوليتها بشجاعة جميعا شعوبا وجماعات وقادة ونخبا .. الشعب والقائد يتقاسمان دوما النصر والهزيمة .. وغير ذلك يعني تراجعا في مناعة الأمة .. وتسرطنا في ثقافتها وطموحها ..


نارام سرجون







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز