إدريس أحمد
hamada.d.1968@gmail.com
Blog Contributor since:
11 June 2019



Arab Times Blogs
نداء من القلب أو صرخة ضمير

نداء من القلب أو صرخة ضمير

 

 

 

"فستذكرون ما أقول لكم و أفوِّض أمري إلى الله." (قرآن كريم)

 

الخطاب الآتي مُوَجه لشخص مُعيَّن لكني آمُلُ أن ينفع آخرين، أتمنى أن يكون سبباً في رد بعض المُغيَّبين إلى جادة الصواب.

 

(الأمر يتعلَّق بحدث وفاة الرئيس السابق لجمهورية مصر)

 

---------------------------------------------------------------

 

السلام عليكم و رحمة الله،

 

 

 

"و العصر إن الإنسان لَفي خسر، إلاَّ الذين آمنوا، و عملوا الصالحات، و تواصوا بالحق، و تواصوا بالصبر" (قرآن كريم) : "تواصوا بالحق" ! لا أمل على الإطلاق في مستقبلٍ أفضل لأمتنا الضائعة الهائمة ما دُمنا مُصَمِّمين على الرفض التام المطلق للتواصي بالحق. أتساءل بلا انقطاع، و بِحُرقة في القلب : كيف يجتمع إيمان صادق بوجود الله و النُّفور من الحق في قلب إنسان ؟ مَن مِنا إذاً لم يُصادف في حياته مِراراً و تَكراراً أناساً يزعمون الإيمان بالله، الذي ما رأوه قَطُّ، و في الوقت ذاته تجدهم لا يتوَرَّعون عن إنكار حقائق ملموسة لا تقبل الشك ؟ أكيد أن عوامل نفسية تكمن وراء إنكار الحقائق الواضحة.

 

"لا شيء يؤذي الإنسان مثل الحقيقة، و لا شيء يُسعِده مثل الوهم." (غازي القصيبي)

 

 

للأسف ربيع الأشواك بدل الأزهار الذي جلب الكوارث على البلاد و العباد و الذي نكتوي بنيرانه منذ سنوات قام على : "و العصر إن الإنسان لَفي خسر، إلاَّ الذين خانوا، و ارتكبوا الموبقات، و تواصوا بالكذب، و تواصوا بالغدر" ! لقد حان أوان انتهاء هذه المسرحية السَّمِجة… خيانات على كافة المستويات فتحت على أُمَّتِنا باب بلاء عظيم. إلى متى ستستمر حفلة الكذب هذه ؟ فالكذب مُجانِب للإيمان، هما على طَرَفي نقيض. كذب على النفس و كذب على الغير… جَلِي أن الإيغال في الكذب و الزور جلب لأمتنا متاعب و كوارث تفوق الحصر - الآتي قد يكون أفدح و أعظم ! - و لا أمل لنا في أي خلاص ما دُمنا مُوَاظِبين على رفض الإصغاء لصوت العقل.

 

 

 

أبسط مبادئ التواصي بالحق و خاصة في زمننا هذا هو ألاَّ نكتفي بمصدر واحد للخبر، و أن نستمع بنفس الحيادية لجميع الأطراف في أية قضية مثيرة للجدل و عالية الأهمية. و بطبيعة الحال، في النهاية، العقل هو الحَكم. هو الميزان… أخي لو قرأتَ و تدبَّرت المقال الذي أنصح به في منشوري(*) حول حدث وفاة مرسي لَرُبَّما بردَتْ عواطفك بهذا الصدد قليلاً و شرعْتَ في طرح بعض التساؤلات. واجب مؤكَّد على من يستمع إلى معتز مطر، أن يُصغي أيضاً و بإهتمام لكلام محمد قنديل :

 

https://www.youtube.com/watch?v=F39tFYrGHLc

 

 

أنا أستطيع أن أضع يدي على المصحف و أجزم باطمئنان نفس و دون تردد : "و الله و الله و الله أنا على يقين بما يلي : إثنان زائد إثنان يساوي أربعة". بل يُمكنني أن أضيف و من غير أدنى وجل : "اللهم أدخلني نار جهنم و خلِّدني فيها إن كنتُ على خطأ و أنا أجزم : إثنان زائد إثنان يساوي أربعة" !

 

هل تستطيع فِعْل نفس الشيء بأن تضع يدك على المصحف و تجزم بكل اطمئنان : "و الله أنا على علم بما يجري في مصر و لا يخالجني أدنى شك في أن ما أعتقده بشأن ما حصل لمُرسي هو الصواب بل إنه عين الحقيقة" ؟

 

إن كُنتَ قادراً على رفع هذا التحدي فدعني أقول لك : و الله أنا أغبِطُك على إحاطتك و أنت في الجزائر، بخبايا و أسرار أهم الأحداث التي تدور في مصر ! لأنني من جهتي لا أدعي أي معرفة يقينية في هذا المجال. جهلي بالكثير من الأشياء يمنعني من الوقوع في تقديس أو في تبليس أي كان بل أترك الحكم النهائي لعلاَّم الغيوب. هذا لا يعني أبداً أنه ليس لدي وجهة نظر و رأي مُبَلْوَر بشأن بعض القضايا و الأمور، لكني أضع دائماً نُصْب عيني وصية قرآنية داس عليها مشايخ الربيع العربي المزعوم :

 

"لا تَقْفُ ما ليس لك به عِلم، إنَّ السمع و البصر و الفؤاد، كل أُولَئِكَ كان عنه مسئولاً." (قرآن كريم)

 

 

 

لِمَشايخ الربيع العربي المسموم الملغوم - منذ البداية ! - وجَّهتُ في كتاب لي كلاماً لا مجاملة فيه : "ما هي القِيَم و المعاييرُ و الحسابات التي تُملي مواقفكم، يا مَن تنسِبون أنفسكم إلى العلم، فتناقضاتُها الصارخة و نذالةُ بعضها قد حيَّرت العقول ؟ ينتفضُ شعب عربي على حاكم ليس مِن فِرْقتِكم، فتُهلِّلون : هذه ثورة نبيلة رائعة ؛ ينتفضُ الشعب نفسُه على حاكم مِن فِرْقتِكم، فتُندِّدون : هذا انقلاب غاشم آثم ظالم ! قناعاتُكم بشأن الربيع العربي المزعوم كلُّها نابعة من أوهام و ارتباطات و لا صِلة لها بالواقع الموضوعي." الكتاب عنوانه : "صرخة قلب من مسلم مقيم في الغرب - أفكار و تأملات من أجل ربيع عربي حقيقي" (طبعة دار الماهر، الجزائر، أبريل 2019).

 

 

اللهم أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه.

 

 

"الحق أحق أن يُتَّبع، و العدل أولى أن يُلتزم، بِغَض النظر عن عواطف الحب و مشاعر البغض، و هذا ما تفتقر إليه مجتمعاتنا : الرجال الذين يُقيمون العدل و لو على أنفسهم، و يعترفون بالخطأ إذا أخطأوا، لا يمنعهم مِن إعلان ذلك كِبر و لا هوى و لا خجل، و هذه هي الشجاعة الأدبِيَّة، و هي الأمانة حقاً." (الشيخ يوسف القرضاوي، على صفحته الرسمية على موقع فيسبوك، 21 آذار 2019)

 

يا أيُّها الشيخ المعلِّم غيره، هلاَّ لنفسك كان ذا التَّعليم ؟ يا فقيه الزمان بإمكانك و في استطاعتك إيقاف، أو على الأقل الإسهام بقدر كبير في التخفيف منه، إيقاف النزيف الحالي و اللامنقطع للدم العربي : ماذا تنتظر لتقوم بِوَاجبك نحو الأمة و كُلِّ العالم ؟ عُذرك الوحيد هو أن تكون قد رُفِع عنك القلم منذ أمد بعيد… لقد تبيَّن الرشد من الغَيِّ و بشأن الربيع الوهمي الملعون القتَّال حَصْحَصَ الحق، و لكن علاَّمة العصر و مَن حَوْله و أنصارَه مُصِرون على الكفر البَواح بالحق. الكفر لُغَة : كَتْمُ و إخفاءُ و حَجْبُ ما نعلم بِيَقين في قرارة أنفسنا أنه حق… و الله صِرْتُ أتساءل : هل حقاً يؤمنون بالله ؟ ذلك لأنني أتعجَّب و أستغرب بشدة و أتساءل كيف يجترئ إنسان يجحد حقائق مَرْئِيَّة، على أن يعتبر كافراً مستحِقاً لعذاب أبدي لامتناه مَن عجز عن التصديق بأشياء غيْبِيَّة. ما الأشنع و الأفظع عند الله، يا من تزعمون الإيمان بالله : إنكار مرئيَّات أم إنكار غيبيَّات ؟

 

"لا أعرف مظلوماً تواطأ الناس على هضمه و لا زهدوا في إنصافه كالحقيقة." (الشيخ محمد الغزالي)

 

(أنقذوا القرضاوي قبل فوات الأوان : https://www.facebook.com/ahmed.dris.528/posts/140585447123581)

 

 

 

لا أستطيع أن أنسى مشهد جمهور المتأسلمين، و هم يتبادلون التهاني و التبريكات و العناق، يوم تمت التصفية الحقيقية لا الوهمية للقذافي. كان ذلك تنفيذاً لفتوى قرضاوية. هذا المشهد التاريخي اللامتناهي في "إنسانيته" راسخ بذاكرتي و لن أنساه ما حييت. عن شيخ "الربيع العبري" الأكبر كتبتُ : "فتواه المشؤومة بقتل زعيم عربي كبير نفَّذها مَن بكل تأكيد هم شر البَرِيَّة، غدروا بهذا الأخير بِدناءة و خِسة و حقارة منقطعة النظير لن ينساها التاريخ و لا الأجيال و أذاقوا شعبَه الويلات و فتحوا عليه أبواب الجحيم و نسفوا أهمَّ منجزاتِه خلال أشهر قلائل ؛ لقد نجحوا في ذلك لأن إعلامَهم القذر المجرم ألَّبَ و أثار عليه الرأي العالمي و أقنعه بضرورة القضاء على الرجل و مَحْوِه مِن الوجود بَعْدَ أن صَبَّ عليه وابلاً مِن الأكاذيب، و زَوَّرَ كُلِّياً الوقائِع التي حصلت عند اندلاع الفوضى المُفتعلة التي أسموها ثورة. الزعيم المغدور كانت له محاسن و مساوئ كسائر البشر، لكنه بنى بلداً العيشُ فيه ـ قبل الفتك به بإسم الحرية و حقوق الإنسان ـ لائق و كريم بشكل عام، أما قَتَلتُه و شركاؤهم الكُثُر في الجريمة فماذا قدَّموا للبشر ؟". ما الشيء الإيجابي الذي قدَّمه للعالم مَن باركوا أو غضُّوا الطَّرْفَ عن هذه الفَعلة الشنيعة النكراء ؟ يا شيوخ و إسلاميي "ربيع الدم العربي" : بدلاً من الدعاء بالثبور و عظائم الأمور و تجميد الدم في العروق، على أي كان، هلاَّ تعلَّمتم ثم لَقَّنتم الناس في أوطاننا صلاةَ استِسقاء أمطار الحب ؟ إذ جوهر الدين هو الحب : حب الخالق و حب الخلق.

 

و في هذا المقام أتساءل إن كان زعماء التنظيم الإخواني في العالم و خاصة أردوغان و مرسي قد أدانوا علناً و بشدة هذا الإغتيال الذي حدث على مرأى و مسمع من الدنيا ؟ ليس في علمي أن هذا حصل. قُبَيْل وفاته الإسلاميُّ المخلص نذير مصمودي أصدر كتاباً أعطاه هذا العنوان : "متى يدخل الإسلاميون في الإسلام ؟ خواطر من وحي التجربة... و أسئلة من عمق الجرح". لِيَسترجِعْ هؤلاء القوم إنسانِيتَهم أولاً - فبعضُهم فقدها بالكامل ! - ثُمَّ لِيَدخلوا حقاً و صدقاً في الإسلام. الله حقاً موجود، و هذا ما نسوه. أقصد جمهور المتأسلمين…

 

 

 

أختم بما يلي :

 

 

ربيع الوَيْلات و الأحزان الذي أفل نجمُه و الحمد لله، كان إعلامُ الزور و الخداع أداتَه الرئيسية، و بالتالي يتحتَّم عَلَيَّ و لا يَسَعُني إلاَّ أن أصرخ قائلاً : اللعنة على قنوات التضليل و صناعة الكذب و الإستِحمار و الفبركة الإعلامية. ما توَرَّعتُ عن الدعاء عليها لأنها بِسَعْيِهَا الدؤوب في إهلاك العقول و الضمائر و القلوب، تجعلُ مِن العسير أو حتى المستحيل أن يتَعلَّم الناس في بُلدانِنا صلاة استسقاء أمطار الحب ! قنوات باتت خلفياتُها و أهدافها مفضوحة و هي ماضية في غَيِّها دون أدنى إحساس بالذنب. لقد نجحت في اصطناعِ و تمرير صورة مغلوطة بل مقلوبة تماماً للأحداث التي تجري على الأرض. الحقيقة وحدها تُخلِّصُنا و تُحرِّرنا من الحالة الحرجة التي نحن فيها، و المستقبل الذي نريد و نرجو بلوغَه لن تصنعه الأوهام بل الحقيقة : الحقيقة وحدها تُحرِّرنا و تُنقذنا، لا الكذبُ على النفس و الأوهام.

 

"إن أريدُ إلاَّ الإصلاحَ ما اسْتَطَعْتُ و ما تَوْفيقي إلاَّ بالله." (قرآن كريم)

 

"و لَسَوف تعرفون الحقيقة و الحقيقة تجعلُكم أحراراً." (السيد المسيح - عليه السلام)

 

 

و السلام عليكم و رحمة الله.

 

 

 

أحمد إدريس الجزائري، فرنسا

 

---------------------------------------------------------------

 

(*) منشوري حول حدث وفاة مرسي :

 

https://www.facebook.com/ahmed.dris.528/posts/142926333556159







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز