د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
الحزن القاتل

 مات الملك! عاشت الملكة! انتقل جلالة الملك فجأة إلى رحمة الله تعالى، وعمّ الحزن أرجاء الوطن، وأعلنت حالة الطوارئ القصوى، ونكّست الأعلام، وبدأت محطّات التلفزة والإذاعة تبث قراءات مختارة من القرآن الكريم، وتستضيف شخصيّات لها شأنها في الدولة والمجتمع لتتحدث بإسهاب عن عبقرية وعدالة وتفاني الراحل العظيم في خدمة الشعب، وعن مناقبه الشخصية وزهده وتواضعه الجم.

" كل نفس ذائقة الموت"؛ الموت حقّ على الكائنات الحيّة، ولا اعتراض عليه وعلى قدر الله وقدرته سبحانه وتعالى؛ إنّه يهزم الجميع، ولا يفرّق بين الناس في دولهم ومناطقهم وعشائرهم، والملك واحد من حوالي مائة مليار إنسان زاروا هذا الكوكب وتعبوا وعملوا على إعماره، وغادروه إلى العالم الآخر الذي لا يعلم مكنوّناته وأسراره إلا الله؛ فمنهم من يعيش في جنّات عدن وينعم بحياة أبديّة هانئة، ومنهم من يصطلي بنار جهنّم " خالدين فيها أبدا."

في اليوم التالي شيّع جثمان جلالته إلى مثواه الأخير. كانت الجنازة مهيبة شاركت فيها الملكة المعظمة وأفراد العائلة المالكة، وكبار الشخصيّات من مدنيين وعسكريين، وعشرات الشخصيّات الأجنبيّة، ومئات الآلاف من أبناء الشعب الوفي الأبي الذين اصطفّوا على جوانب الشوارع الرئيسية التي مرت بها الجنازة، وهم يلوّحون بأيديهم وبعضهم قد انفعل وأجشم بالبكاء حزنا على وليّ الأمر القائد الراحل.

لفّ الجثمان بعلم الوطن محمولا على عربة ملكيّة تجرّها الخيول العربيّة الأصيلة، واحيطت العربة بعشرات العساكر، وسارت وراء العربة مباشرة جلالة الملكة وأفراد العائلة الموشّحين بالسواد وعلامات الحزن العميق بادية على وجوههم، وتبعهم مئات المشيّعين من كبار السياسيين ورجال الدين وشيوخ القبائل ورجال المال والأعمال؛ وبعد وصول الجنازة إلى المقبرة الملكية أنزل الجثمان عن العربة، وصدحت الموسيقى بمعزوفة الوداع، ودفن في قبر فاخر في ضريح ضخم فخم من الرخام محاطا بالزهور والورود يليق بجلالته، ثمّ التفّ المشيّعون من كبار القوم حول الضريح يتقدمهم فضيلة الشيخ مفتي الديار الذي دعا للراحل بالرحمة، وعدّد الكثير من خصاله بصدق ووفاء لا نفاق فيه وهو يبكي من شدة الحزن، ولقّنه بما سيقوله عند لقائه بناكر ونكير، وطلب من الله سبحانه وتعالى أن يوفّقه في الإجابة على أسئلتهما، وأن يكون من أهل الجنة لأنه كما قال المفتي كان رجلا تقيا نقيا لا هم له سوى خدمة شعبه ووطنه.

كانت حياة الراحل الخاصة سرا لا تعرفه إلا قلّة من أقرب المقرّبين إليه وعلى رأسهم جلالة الملكة؛ كان الرجل يعيش حياة خرافيّة في قصوره مع خدمه وحشمه وحاشيته، كريما مع أعوانه وكبار موظفي دولته، أكولا ومحبا للأطعمة الفاخرة المحلية والمستوردة، ومدمنا على الكحول؛ لكنه كان ذكيا يتبرّع للفقراء والمساكين من أبناء شعبه من جيبه الخاص، ويصلّي مع الشعب صلاة الجمعة، ويصوّروه وهو خاشعا في صلاته، أو وهو رافعا يديه إلى السماء مستغرقا في الدعاء، لكن لا أحد يعلم ماذا كان يدعو إليه سوى هو وخالقه.

 لم يذكر إعلام القصر أسباب الوفاة واكتفي بالقول إن هذا هو قدر الله سبحانه وتعالى، وإن جلالته توفي فجأة بصورة طبيعيّة، وطلب البيان من أبناء الشعب عدم التجمع والتظاهر لإظهار حزنهن وحبهم وولائهم للفقيد حفاظا على أمن الوطن، وخوفا من أن تستغل المعارضة الفاسدة والأعداء والحاسدين الظروف للقيام بأعمال هدفها زعزعت الاستقرار والأمن، والتأثير سلبا على إنجازات الوطن وسلامة المواطنين.

وبعد ستة أشهر ماتت الملكة؛ لقد استدعي طبيب القصر إلى جناح جلالتها على عجل ووجدها ممدّدة على أرض غرفة النوم الواسعة الجميلة المفروشة بالسجاد الأحمر الباهظ الثمن؛ وبعد أن حاول الاستماع إلى دقات قلبها، قال بأسى لقد انتقلت إلى رحمة الله، وكتب على النموذج أن سبب الوفاة هو " حزن بلا حدود." مما يعني أنها لم تستطع أن تتحمل لوعة فراق حبيبها وشريكها وماتت من شدة الحزن على جلالته.

 هذا ما قالته وسائل إعلام المملكة المقروءة والمسموعة، ولم يتفوّه أحد بشيء؛ الشعب الوفيّ صدّق الرواية الرسميّة كالعادة، وبدأ الناس يتحدّثون عن رحيلها المبكّر الغير متوقّع، وعن حبّها ووفائها لجلالته، وعن حزنها القاتل. لكن لا يمكن لأحد أن يموت من الحزن فقط، أو من الغضب، أو من الحب والوعكات الصحية العابرة المفاجأة كما ماتت الملكة، خاصّة ان الملكة لها طبيب خاص وفريق من المساعدين المهرة الذين يهتمون بصحّتها على مدار الساعة؛ الحزن يمكن أن يؤثر على شهيّة الإنسان ويسبب له التعاسة والعذاب النفسي، لكنه لا يؤدي إلى موته بهذه البساطة.

الإنسان يموت من مرض، أو من تناول السم، أو من الإدمان على الكحول، أو من حقن نفسه بجرعة زائدة من المخدّرات، لكن الملكة ماتت من الحزن وانضمت إلى زوجها الراحل الذي ربّما مات من الحزن أيضا! مات الملك والملكة؛ يحيا الملك، تحيا الملكة، وعظّم الله أجر الشعب الوفي!

نزير يعقوب   المسيح كسر شوكة الموت وأماته بموته وقيامته الظافرة!   May 13, 2018 12:25 PM
أجد تعزيتي في قول السيد المسيح لمرثا أخت الميت إليعازر قبل أن ينتهر الموت ويقيمه من الأموات:

25قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، 26وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ. أَتُؤْمِنِينَ بِهذَا؟» 27قَالَتْ لَهُ: «نَعَمْ يَا سَيِّدُ. أَنَا قَدْ آمَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، الآتِي إِلَى الْعَالَمِ».

وقوله في سفر الرؤيا للبشير يوحنا:
«لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، 18وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ! آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ.








تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز