عطية زاهدة
attiyah_zahdeh@hotmail.com
Blog Contributor since:
04 October 2013

كاتب من فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
طالبُ علمٍ سأل فكان بعض الجواب

طالبُ علمٍ سأل فكان بعض الجواب

كان لي هنا مقال بعنوان: "هذا هو كلُّ الخبر: حظُّ الأنثى مثلُ حظِّ الذكر"

http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?ArticleID=44493

وبعث "طالب علمٍ" في تعليق له يسألني:

طالب علم    June 11, 2019 4:24 PM

الشيخ عطية نفعنا الله بعلمك. يقول الله عز وجل بسورة الفجر:"فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ". وأصدقك قرأت كل تفسير وترجمة وتأويل للآيات السابقة وقعت عليه وأستمعت لشيوخ كثر تعرضوا لها بالشرح، ولم أجد منها شيئا أرضى عقلي بإعتبار إبتلاء السعة والجدة والغنى كإبتلاء التقتير والقلة والفقر سواء بسواء. فهل لديك تفسير مقنع؟ كيف ينفي الله سبحانه وتعالى صفة الإهانة والذل لمن كتب عليه الفقر والحاجة والعوز لما في يد الناس من مال وسلطة وجاه، وأغلبهم على اللؤم والشح والمنة جبلوا، فأي إهانة في الدنيا أعظم من تلك؟ تأمل من يشرب كأسا مثلجة من ماء عذب سلسبيل ومن يشرب قعبا من ماء كدر ضربته الشمس، كلاهما ممن يحمد الله بفضل التلقين والتطبع، لكن بحالة الأول أليس كل خلية بجسده تلبي الحمد معه، والثاني لا يتجاوز الحمد لسانه. عندما أفكر مليا لا أشك أن أغلب أهل النار من الفقراء، الذين كتب عليهم الفقر والعوز منذ ميلادهم حتى مماتهم رغم إجتهادهم لتغيير حياتهم للأحسن، فيسخطون بقلوبهم وإن أكرهوا ألسنتهم على الحمد.هل الله عادل البتة بين عباده في الدنيا؟ أم إنه إختص بنعمه قوما لا يحيد عنهم؟


أخي الطيبُ الطالبُ علماً قد فكرت في سؤالك ليس دقيقةً أو بضعَها بل عشراتِها لعلّي أجيب جواباً متدثراً بفكرة من عبقر، وحسبت أكثر من مرة أنني قد "وجدتها وجدتها" أو كدْتُ، ثم عزمت أن أجيب ببعض ما تيسر.

فيا أيها الكريم الطالب علماً من "عطية"تريد أن تستريح ربما أوقعت نفسك في جواب لا يريح فتكون كطالب الدبس من النمس؛ وربّ سؤالٍ يقول لصاحبه لا تطلقْني! وكم من امرأة قالت لزوجها: طلّقني ففعل وما تمهل لا طويلاً ولا شيئاً قليلاً.

أجل، سأحاول أن أجيب سؤالك لعلي أظفر ببعض رضاك، أو على الأقلّ، كي تعلم أن من أوتي السؤال لا بدّ يوماً أن يُجابَ ولو جزئيّاً. ولعلّ من قُدر عليه رزقُه دعته حاله أن يسأل الله فيجيبَه بواسع فضله رزقاً وتنعيماً وتكريماً، ولو بعد حين؛ فقد يكون قدْرُ الرزق مفتاحَ بسطه، وقد يلد العسرُ يُسريْنِ، وقد يضيق رزق المرء ليكون الإيساع في أولاده فيلحقه منه نصيب وافر؛ فأبناء العسر خيرٌ من أبناء اليسر.

 صدقاً، لقد شاهدت في مدينتي رجالاً ما كان يملك الواحد منهم ثَمَن الخبز لعياله فيجعل "البلوط" عشاءً لهم، إن لم يكن له سبيل إلى تكيّة أبي الضيفان، عليه السلام، وقد شاهدتهم "مكرّمين" في مكاتب مصانع أبنائهم على أرائك ملوكية، وتأتيك بطاقات الدعوة إلى الولائم والأعراس متشرفةً بأسمائهم لا بأسماء أبنائهم، ولائم من أطنان اللحوم والرز المفلفل فوّاحاً بالسمن البلديّ ومتوجاً بالصنوبر ومعمّماً باللوز، وما يُقال له "الكاجو"، واللبن بلديّاً والفاصولياء تفيض فرْماً شهيّاً؛ فالدنيا لعبة أرزاق وأرجوحة أدوار تعلو وتهبط وكلّ عطاء بمقدار، ودوام الحال من المحال. فلا تكوننَّ أسيرَ فقرٍ ولا معتقلَ رزقٍ مكدودٍ.

وأمّا بعد!

فإن المرء حيث يضع نفسه؛ فالرجال بالهمم؛ فالهمة وحدها هي السلّم إلى القمة، ولا بأس بشيء من الدراهم تعين مَن يبغي صعوداً.

ولقد ألجأني الطالب علماً أن أستذكر آيات القرآن ابتغاء إجابته فوجدت أنها بالتدبر تحقق بغيتَه، أو تجعله على مشارف الظفر بها، فإنه لو استقرأها فستقرئه أن كلّ ابن آدم مبتلىً، وأن الصبر هو مفتاح الفلاح الأكبر.

فأما متاع الحياة الدنيا فزبدٌ يذهب جُفاءً، وأما ما ينفع فهو الدار الآخرة فهي الحيوان فما كان من العمل لها فيمكث في الوجود في دار الخلود: "إنّا جعلنا ما على الأرضِ زينةً لـــــــــــــــــــــها لِنبلوَهم أيُّهم أحسنُ عملاً"(الكهف-7). والجَرْزُ آتٍ على كل زينتها، فمنْ رهَنَ سعادته بفانٍ هو أصلاً ليس له فقد ضلّ سواء السبيل.

فالزينة كلها للأرض، وإن حسب الجاهل أنها له؛ إذ إن الإنسان بالنسبة لها مجرد زائرٍ عابرِ سبيل، يتركها ويمضي، ولا يفضي إلا إلى ما قدّم.

وقد يقيك الله من البغي في الأرض بضيق الرزق، فعاقبة السؤْءِ تنتظر كلّ باغٍ أثيم، والعاقل من نظرّ إلى ما يخلد لا إلى ما ينفد. ولئن كنتَ تعتبر أن الثواب لا يكون إلا بالعطاء من مالٍ، فما اعتبارك بسليمٍ، فلا تكنْ حرَضاً أنك على فلَسٍ وأكلِ عدسٍ؛ لأنه يمكنك أن تكون سعيداً بأن تكون حاضاً محرّضاً على طعامِ المسكين ولوْ على حساب جيوب المحسنين؛ فالحاضُّ على الإطعام فكأنما طعم وأطعم، ويمكنك أن تسعدَ بما تُسعدُ به اليتيم ولو بمسحة حنانٍ على شعرِ رأسه. فلا يحملنّك ضيق العيش على أن تعيش أسيرَ الشعور أنك مُهانٌ فتهون فعلاً وتكون مزاراً للأباليس والكوابيس.

فيا أيها الطالب علماً قد يكون الواحد منّا محروماً من وفرة النقود، ولكن قد يكون من الصحة بحيث يمكنه أن يساهم بجهوده فيحقّق بها خيراً وفيراً ولو لغيره، والإنسان مدنيٌّ بالطبع. ولا زلتُ أذكر، وهو ما يمكن أن يتذكّره صاحب هذا الموقع- كيف أن الدكتور سري ناصر، أستاذ علم الاجتماع، قد كان يجمع عشراتٍ من طلاّب الجامعة الأردنية من ذوي الجيوب الخاوية فيذهب بهم في شوارع عمّان ينظّفونها ويرتبونها تبرّعاً وتطوّعاً فتغدو ذات بهجةٍ وجمالٍ بعد أن كانت تقذرُها الأعين وتنسدُّ دونها الأنوف، وإنْ كان على جوانبها عمارات أصحابِ ألوفِ الألوف. وربّ فقيرٍ متطوّعٍ بالجهود خيرٌ مليونَ مرةٍ من ثريٍّ متجوّعٍ للنقود، كقطٍّ يواصل المُواء في شهر شباط، فخير الناس عند الله أنفعهم للناس، وتكريم الله تعالى للعباد بمقدار التقوى ولا شيء غيرها، والأمور بآخرتها، والعاقبة للتقوى، لا لأرصدة البنوك المرصوفة، ولا لأعمدة القصور المنيفة.

 فيا أخي الطيبُ نفساً وسؤالاً، إن لم يأت تكريم النفوس لها من أعماقها، فلن تأتي به إليها كل الفلوس؛ فأقنِعْ نفسك أنك أغنى الناس فتجدْها في أحلى اللباس؛ فزينة المال مظاهرُ تعيش خارجك وأما أنوار القناعة وأضواء السعادة فلا ترضى الصدورَ إلا من داخل صدرك، وكم وكم فتح الجراحون من قلوبٍ فما وجدوا فيها لا ديناراً ولا سواراً، فليس في الصدور تُدّخر الأموال، ولكنها مصادر الأماني وصناديق الآمال. ولقد قالوا في الأمثال: ليس للأكفان جيوب. فهل أتاك حديث "مانجو"؟  

سمعنا أن "مانجو" Mango قد كان كبير الأثرياء في عمّان، تأتيه الدنانير ألوفاً من كلّ مكان يوم أن كان الدينار الواحد ثروة. وصار أهل الأردن وفلسطين يضربونه مثلاً في الغنى والثراء، حتّى إن "عتّالاً" في الخليل يحمل بالحبل على ظهره قد اغتنى بعشرين ديناراً قبل نصف قرنٍ فقام بشراء "كارّة" يقودها حصان فصاروا ينادونه باسم: "مانجو"  Mango، وصار الناس بعد سنين يطلقون على بيته، وكان مجرد غرفتين: "دار مانجو". وحينما أحسَّ "مانجو" الأصيل بحضور الموتِ وصّى بنيه أن يجعلوا يده خارج كفنه، ومرّ موكب جنازته أمام الجموع في عمّان تحييّهم يده أنه قد غادر الدنيا بلا فلوس، رحمه الله بما أحسن.

 فيا أيها الأخ الكريم الطالب علماً لقد أكرمتني بالسؤال، ولعلّي بما سلف أكون قد حاولت أن أكرمك ببعض الجواب، وقد تكون المحاولة عذراً؛ وحال الكاتب دوماً مثل "أم العروس"!... فباركْ لبنتها صباحيّتها والعريس، ولا ينفع العروسَ زفاف ولا دفوف ولا كلُّ الزغاريد والمباركات إلا أن يصبح العريس فحلاً قد وجب عليه الاغتسال.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز