د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
الملاّيات الفلسطينيّات

 الأمطار التي تمتد فترة تساقطها من شهر سبتمبر/ أيلول إلى مايو / أيار هي المصدر الرئيسيّ للمياه في فلسطين، وهي التي تغذّي الخزان الجوفي، والأودية والسيول، والآبار التي يحفرها المواطنون ليحصلوا على حاجتهم من الماء طيلة العام؛ كان  وما زال الحصول على الماء مشكلة في مدن وقرى فلسطين عامة؛ ويبدو أن الفلسطينيين اهتموا بتخزينه  منذ قرون، والدليل على ذلك هو أنه  ما زالت توجد في بعض قرى فلسطين برك رومانية، وآبار قديمة تم حفرها في الصخور لحفظ مياه الأمطار في فصل الشتاء، واستخدامها في الفصول الأخرى التي لا يتساقط فيها المطر.

كان الفلاحون الفلسطينيون يهتمّون اهتماما شديدا بهطول المطر، وينتظرونه بفارغ الصبر لحاجتهم الماسة اليه للشرب، والنظافة الشخصية، وزراعة الحبوب والخضار، وإسقاء بهائمهم ومواشيهم، وإرواء الزيتون والتين والعنب وغيرها من اشجار وزهور وأعشاب وإبقائها حية شامخة دائمة التجدّد. فمنذ بداية شهر سبتمبر يبدؤون في انتظار الغيث، وفي لقاءاتهم في محلات البقالة غالبا ما يتحدثون عن الحاجة لتساقط المطر، وعندما يتساقط  بغزارة يفرحون ويستبشرون خيرا، ويسمّون حالة الطقس " حابس" ، ويعنون بذلك أن الأمطار الغزيرة تحبسهم في بيوتهم وتمنعهم من الخروج، فيحتفلون بالمناسبة بذبح دجاجة من دجاجهم الذي كان لا يخلو منه بيت ريفي، أو بشراء لحمة لتحضير طبخة خاصة " كالمفتول " المغربي، أو المنسف وغير ذلك من الأكلات الشعبية احتفالا بالمناسبة الهامّة.

والتراث الفلسطيني غني بالقصص والأمثال والأشعار المتعلقة بالماء والمطر ومنها : يا الله الغيث يا رحمن / تسقي زرعنا العطشان / يا الله الغيث يا دايم /  تسقي زرعنا النايم /  يا الله الغيث يا ربي / خبزي قرقد في عبي /. ويقولون ايضا : يا ربي تشتي وروح عند ستي / تعملي فطيره قد الحصيره / اوكلها ونام على رف الحمام / ومن الأهازيج الشعبية المتعلقة بالماء والمطر : علامك يا بحر تهدر بلا ريح / مطر بيجي ما بجري بلا ريح /  وشوف العين ما يبري مجاريح /  غير النوم تحت الغطا .

فبعد هطول المطر الغزير تتجمع المياه في بعض المناطق المنخفضة في القرى وتكوّن بركا صغيرة، وتتحوّل الطرقات والأزقّة إلى أماكن موحلة يصعب السير فيها، ويتجمّع القرويون في بيوتهم حول نار المنقل للتدفئة خلال النهار وفي المساء، ويتسلّون بسرد القصص الترائيّة التي حفظوها من آبائهم وأجدادهم، أو يتجمّعون في محلاّت البقالة والمقاهي ويتبادلون الحديث عن الموسم الزراعي القادم، وما  ينوون زراعته من حبوب وخضار، واستعدادهم لحرث الأرض وتسميدها.

 في قريتنا كانوا يتوزّعون على محلات البقالة الواقعة في حمائلهم، أو في مركز القرية حول الجامع، وكانت " برّاكيّة " بقالة حامولتنا، المكوّنة من الصفيح" الشينكو" والمدهونة باللون الأخضر، واحدة من مراكز تجمع أهل قريتي الهامة التي تكتظ  بالمزارعين منذ ساعات الصباح الأولى وحتى صلاة العشاء، حيث يوجد فيها " بنكين" مقعدين خشبيّين طويلين، وحصيرة يفرشونها على الأرض ويجلسون عليها في فصل الشتاء، ومقاعد حجرية أمام البقالة يجلسون عليها في الفصول الأخرى.

عندما تعود بي الذاكرة إلى تلك الأيام أدرك كم كان هطول المطر مهمّا للفلاحين؛ فعندما يسمعون صوت" طقطقته " تساقطه بشدّة على سطح البراكية  يبتهجون وتبدوا علامات الراحة والسرور على وجوههم، ويشكرون الله، ويصرخ بعضهم  " ع الشعاب، ع لفجم، ع الطويّل، ع قرزليا " أي انهم يطلبون أن يصل المطر إلى تلك المناطق البعيدة عن القرية لأنهم يملكون فيها قطعا من الأرض ينوون زراعتها.

لكن مخزون المياه في الآبار كان لا يفي بحاجة الناس وينفذ خلال شهور الصيف والخريف الأولى، ونتيجة لذلك يعاني أهل القرى من شحّ في الماء، ويضطرون إلى الاعتماد على الينابيع الواقعة في قراهم أو القريبة منها، وعلى الآبار التي حفروها في المناطق القريبة من الطرقات وامتلأت بالماء في فصل الشتاء؛ وكانوا يحفرون قناة توصل إلى " الزميمية " الفتحة التي ينزل منها ماء المطر الى البئر.

كانت المياه ملوّثة فقد كنا نلاحظ عندما ننظر إليها في الآبار بعد امتلائها أنها عكرة، ومليئة بالشوائب الترابية التي جرفتها معها إلى البئر وتستغرق اسابيعا  لتترسّب في القاع، وحتى بعد ان تترسب الشوائب في قاع البئر وتصفى المياه، كنا أحيانا نشاهد فيها كائنات حيّة حمراء يسمونها " رشاد "، فيشربها الناس مضطرّين، وربما سببت لهم أمراضا ومشاكل صحية كثيرة، لكنهم لم يدركوا ذلك بسبب الجهل وتخلف العناية الصحية التي لم يكن لها وجود في معظم المناطق الريفيّة.

حتى نهاية الستينيات من القرن الماضي عانت الأغلبية الساحقة من قرى فلسطين من نقص حاد في المياه؛ الدولة لم تهتم بالمشكلة ولم تفعل شيئا لحلها، أو حتى للتخفيف من حدّتها بحفر آبار ارتوازية، أو بناء برك وسدود وشبكات مياه في القرى، وإدارات المدن التي كانت القرى تحت سلطتها أهملتها وتجاهلت حاجات ومتطلّبات أهلها بصورة عامة.

في قريتي كانت مصادر المياه الرئيسية للسكان هي الآبار والينابيع الطبيعية الواقعة في محيطها ؛ جلب الماء من الآبار كان من مهام النساء؛ تذهب المرأة إلى البئر " لتملّي "، وتستخدم دلوا مستديرا من الكاوتشوك يسمى " ركوة "،  أو وعاء حديديا تربطه بحبل لتحصل على الماء من البئر. وبعد أن تملأ تنكتها المعدنية المربعة الطويلة، تضع على رأسها "مدورة " منديل أو قطعة من القماش تلفّها كدائرة وتضعها تحت تنكة الماء وتحملها على رأسها إلى بيتها؛ كانت المدورة  مهمّة لأنها تخفّف الضغط عن الجلد والجمجمة، وتسهّل تثبيت التنكة على الرأس إلى درجة أن بعضهن كنّ يحملن الماء على رؤوسهن ويسرن به دون الإمساك بالتنكة، وكان منظر " الملاّيات " مألوفا في الطرقات وهنّ يحملن الماء على رؤوسهن، ويسحبن أطراف عباءاتهن إلى الأمام ليمنعن الرجال من مشاهدة وجوههن.

كان توفير الماء للأسرة عملا شاقا يتطلب صبرا وجهدا كبيرا لأن معظم الآبار كانت بعيدة عن المنازل والأوعية المليئة بالماء ثقيلة؛ كانت " الملاية " تجلب الماء من بئر زوجها أو والدها إذا كان المالك الوحيد له، أما إذا كان البئر ملكا للعائلة، فكانت تلتقي عليه مجموعات من نساء وبنات العائلة ويمضين وقتا ممتعا، وبساعد بعضهن بعضا في ملء أوعيتهن؛ وكان ينظر إلى الملايات اللواتي يجلبن ويستهلكن الكثير من الماء على أنهن " نظايفيات " مهتمات بالنظافة، وكن يتنافسن ويتفنّن في طريقة تحضير " المدورة " وحمل ووضع  أوعيتهن على رؤوسهن.

كان في الجزء الغربي من القرية نبعا ضعيفا على شكل بئر عميق تذهب اليه الملاّيات ويستغرق الحصول على تنكة من الماء منه وقتا طويلا؛ لكنّهن كنّ يستمتعن بتبادل اطراف الحديث وآخر الأخبار عن القرية بينما يملئن اوعيتهن. أما معظم أهل القرية فكانوا " يردون " إلى عين يانون الواقعة في شمال القرية؛ وعين عوليم في شمالها الغربي، وبير الجناب في غربها، والجهير في شرقها. لكن للأسف كانت معظم مياه تلك العيون لا تستغل في ري الأراضي المحيطة بها وزراعتها، ولا يستفيد منها المزارعون إلا في توفير الماء  للشرب والنظافة الشخصية، وسقي بهائمهم ومواشيهم في الوقت الذي كان بإمكانهم استغلالها في زراعة الأشجار وأصناف من الخضار على مدار السنة.

أما "الوريد " الى هذه العيون فكان يستغرق وقتا ومتعبا، وتقوم به النساء وبعض الرجال والأطفال، وتستخدم فيه الحمير والجلنات والقرب والسعون : الجلنات مصنوعة من الحديد المقوى، والقرب من جلود الماعز والشياه، والسعون من جلود السخول والخراف الصغيرة؛ في فصول الصيف والخريف كانت حركة الذين " يردون " إلى الينابيع للحصول على حاجتهم من الماء، والرعاة الذين يجلبون أغنامهم وأبقارهم لتشرب منها لا تنقطع طوال اليوم، خاصة في فترات الصباح وبعد الظهر.

 لقد فعلت ذلك في ايام طفولتي " فوردت " إلى عين عوليم، وعين يانون، وبير الجناب مرات عديدة؛ كنت آخذ حمارنا وعليه جلنين وقربة، وعندما أصل أنتظر دوري، وبعد ان أملأ الجلنات والقربة يساعدني الرجال أو النساء في تحميلها على الحمار، وأعود بها إلى بيتنا وتسكبها والدتي في الجرّة. كان استهلاك الماء قليلا، والجرة تكفي العائلة عدة أيام. للأسف الشديد كان الناس مضطرّين لقبول ذلك الوضع الذي لا يليق بإنسان القرن العشرين.

الملايات من جداتنا وأمهاتنا في قرى فلسطين تحمّلن المزيد من المشقات لتوفير الماء الضروري للشرب والنظافة، وكنّ ببساطتهنّ وتفانيهنّ ومشاركتهنّ في العمل في الحقول والكروم عونا لآبائهن وأزواجهن وأبنائهن في التعامل مع الظروف الصعبة والمشاركة في تحمل أعباء الحياة، ووفّرن لنا الرعاية التي نحتاجها، وأنرن لنا الطريق؛ فشكرا لهن على تضحياتهن . 

Dr. Jaber   Maftool   March 31, 2018 8:34 AM
The Maftool is a palestinian Food and have nothing to do with the marroccan Koskos...and it get cooked with Chicken and not Meat....







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز