مريم الحسن
seccar4@wanadoo.fr
Blog Contributor since:
16 October 2012

 More articles 


Arab Times Blogs
صدام الحضارات و حرّاس الثقافات الجزء الخامس

  V الوساطة الثقافية

V.1 تقديم

"كل ثقافة هي تعبير فريد عما هية الإنسان و لها الحق بأن تقدّر و تحترم إذا ما كانت مهدّدة"1فرانز بُوَاس

"مع تقدم الحضارة يتراجع الشعر بالضرورة"2 توماس ماكاولي

لربما هاتان المقولتان كافيتان لشرح القاعدة التي انطلقت منها الأسباب و الأهداف التي أدت إلى ابتكار فكرة الوساطة الثقافية. فكما توضّح مما حاولنا تبيانه عبر هذا البحث, فأن الصراع الذي نشأ بين الثقافة و الحضارة منذ بدايات استخدام المفكرين لمصطلحيهما ما زال مستمراً حتى يومنا هذا , لا بل قد بدأ يظهر أيضاً أنه هو المحور الرئيسي الذي ستدور حوله الصراعات في العقود القادمة, و هذا ربما ما استدعى دق ناقوس خطر حماية الثقافات الفرعية, أولاً من خطر تصادمها اجتماعياً في الدول التي تعددت ثقافتها بفعل الهجرة و الانتشار الديموغرافي, و ثانياً منعاً لتلاشيها أو ذوبانها في بلدانها الأصلية نتيجة للصراعات و النزاعات أو بسبب الغزو الثقافي الزاحف جنباً إلى جنب مع الغزو الحضاري.

و بالإضافة إلى ما تقدم, فقد لوحظ في العقود الأخيرة إن الطابع المادي المتمثل في القيم الحضارية قد تمدد كثيراً وتوسع حضوره بشكل طاغٍ على حساب القيم الثقافية الوجدانية, خاصة تلك التي شكلت في مضمونها النبع الأعرق و المنهل الأصيل لحرفة الأدب الراقي و الفن المتميز و التي منها استلهم كبار الأدباء و الفنانين مواد أعمالهم الخالدة و أغنوا بها الذاكرة الإنسانية و التراث الوجداني. كما أنه لوحظ أيضاً أن ما زاد من أمر هذا التوسع المادي هو التطورُ النوعي لتقنيات الاتصالات الحديثة و التي أدى انتشارها الواسع و استخدامها الكثيف جماهيرياً ,من دون أي ضوابط ثقافية رقيبة عليها, إلى أدخال التراث الثقافي الراقي ,بشقَيه الأدبي و الفني, إلى حلبة التنافس و الصراع بهدف إثبات الوجود مع ما بات يُعرف اليوم بالثقافة الجماهيرية أو الثقافة الشعبية المتأثرة بروح العصر المادية و ميولها الساعية أبداً خلف الربح السريع حتى لو أتى هذا الربح على حساب العمل الثقافي المتميز و الإبداع الرفيع.

و نتيجةً لهذا الواقع لاحظ المعنيون و المهتمون بالشأن الثقافي , في المؤسسات الحكومية و المنظمات الدولية المعنية بأمور الثقافة, خللاً ظاهراً في ميزان التوازن المعرفي بين الثقافات التي جاورت بين حدودها الهجرة الديموغرافية و العولمة الفضائية, كما استشرفوا أيضاً بداياتِ اختلالٍ في معايير التثقف و التنوير المتعارف عليها في المجال التثاقف و الذي بدا أنه ناجم عن هوّة معرفية محتملة التوسع بين الميراث الثقافي الإنساني بكافة أنواعه و بين الأجيال الجديدة, إن كانت تلك المنبهرة بدراسة العلوم الطبيعية و بالحظوظ التي توفرها في سوق العمل, أو تلك المنساقة خلف المعلومة السريعة التي روّجت لها ثقافة استخدام تقنيات الاتصال الحديثة. و في ردٍ منها على هذا الواقع الثقافي القابل للتردي, و في محاولة منها لخلق توازن بين التطوّر التكنولوجي السريع و بين المحافظة على مستوى عادل من التثقيف و التثاقف المعرفي بين مختلف الثقافات و مختلف الأجيال, ما كان من منظمة اليونيسكو إلا المسارعة لنشر بيانها بشأن المكتبات العامة عام 1994 و معه ظهرت فكرة الوساطة الثقافية و ما صاحبها من أهداف و خطة وصول و التي سنذكر جزءاً منها في الفقرة التالية لا سيما الجزء المتعلق بموضوع هذا البحث.

V.2 بيان اليونيسكو بشأن المكتبات العامة

جاء في مقدمة بيان اليونيسكو بشأن المكتبات العامة : إنّ حرية المجتمع و الأفراد و ازدهارهم و نموّهم قيم إنسانية أساسية. و لن يمكن تحقيقها إلا عن طريق قدرة المواطنين المستنيرين على ممارسة حقوقهم الديمقراطية و أداء دور فعّال في المجتمع. و المشاركة البناءة و تنمية الديمقراطية مرهونتان بتوافر تربية سليمة و بالانتفاع الحر و اللا محدود بالمعرفة و الفكر و الثقافة و المعلومات و المكتبة العامة باعتبارها المدخل العلمي إلى المعرفة, و هي شرط أساسي لاكتساب العلم مدى الحياة, و الاستقلال في اتخاذ القرار, و التنمية الثقافية للأفراد و الجماعات. و في هذا البيان تعلن اليونيسكو إيمانها بالمكتبة العامة كقوة حية للتربية و الثقافة و الإعلام, و عامل أساسي في تعزيز السلام و الرفاه الروحي من خلال عقول البشر رجالاً و نساءً. و لذا فإن اليونيسكو تشجع الحكومات الوطنية و المحلية على دعم المكتبات العامة و الالتزام بتنميتها تنمية فعّالة. 3

حزء من المهام الموضوعة لتحقيق أهداف البيان :

  • غرس عادات القراءة و ترسيخها لدى الأطفال منذ نعومة أظافرهم.

  • دعم التعليم الفردي و الذاتي و التعليم النظامي على كافة المستويات.

  • توفير فرص للتطور الشخصي المبدع.

  • حفز الخيال و الإبداع عند الأطفال و الشباب.

  • تشجيع الوعي بالتراث الثقافي و تذوّق الفنون و تقدير الإنجازات و التجديدات العلمية و الفنية.

  • إتاحة الانتفاع بأشكال التعبير الثقافي لجميع فنون الأداء.

  • تعزيز الحوار بين الثقافات و تشجيع التنوع الثقافي.

  • دعم التراث الشفهي.

  • أمين المكتبة وسيط نشيط بين المنتفعين و الموارد. فلا بد من إعداده مهنياً و تدريبه باستمرار لتأمين خدمات كافية

V.3 تعريف الوساطة الثقافية

"الوساطة الثقافية هي مجموعة من النشاطات تهدف من خلال الوسيط الثقافي (الذي من الممكن أن يكون محترفاً أو فناناً أو ناشطاً قريباً من الشأن الثقافي) إلى وضع الفرد أو مجموعة من الأفراد في علاقة مع معروض ثقافي أو فني و ذلك لدعم و تحفيز حساسيته و معرفته و ذائقته"4. و في سبيل هذه الغاية, و تلبية لمضمون بيان اليونيسكو الذي سبق لنا ذكره في الفقرة السابقة, تقوم اليوم المؤسسات الحكومية المعنية بالشأن الثقافي في الدول المهتمة بتنوير أبناءها و تحفيز حواسهم المعرفية و الإبداعية عبر الأعمال الثقافية الهادفة و المميزة و التي تحمل في محتواها و موادها القيم الإنسانية المجسدة لثقافات مجتمعاتهم و تاريخ تطورها الحضاري الوجداني, بتدريب محترفين و نشطاء متخصصين في تاريخ مختلف مجالات الأدب و الفنون ليقوموا بدور الوسيط الثقافي بين العمل الفني و جمهور متذوقيه أو بينه و بين المنصرفين عنه أو الجاهلين بوجوده و بالتالي غير المدركين لأهميته.

V.4 أهداف الوساطة الثقافية

إذاً, يتبين لنا من التعريف الذي قدمنا بأن أول أهداف الوساطة الثقافية يتمحور حول حماية الثقافة و قيمها و حفظها من التلاشي و الذوبان في بحر المد الحضاري الزاحف بتقنياته و قيمه المادية و أساليب حياته العصرية السريعة التي باتت بأنماطها السلوكية تهيمن على طُرق تشكّل أنماط تفكير الأفراد في المجتمعات الحديثة و تُؤثر فيهم سلباً إن كان من الناحية الوجدانية أو من الناحية المعرفية لا سيما في عصر ما بعد العولمة و انتشار قيم و سلوكيات ثقافة الأنترنت. و عن هذا الشأن تقول إليزابيث كاييه مع زملائها في كتابهم الموسوم بعنوان "الوساطة الثقافية : هل هي العجلة الخامسة للعربة؟" : "الأمر أكثر منه صراع, السبب تأتى من هذا العزل التدريجي للثقافة المصنفة مشروعة أو رفيعة و التي باتت أكثر و أكثر غير مرغوبة من قبل فئة من الشعب لم تعد تعتر نفسها منتمية إلى قيمها و باتت تفضّل عليها ثقافة جماهيرية تتوافق مع العولمة و مروّج لها عبر أقنية بديلة بدأت بالتلفزيون و من ثم بالأنترنت"

و أيضاً من الأسباب التي استوجب معها إيجاد مهنة الوسيط الثقافي هو هذا الصراع القائم و المستمر بين الطبيعة الروحية المُتمثلة في الثقافة و الطبيعة المادية التي تُجسدها الحضارة و الذي سبق و فصلنا تاريخه و أسبابه و دينامية حركته عبر محتوى هذا البحث و بيّنا أثاره السلبية على التنوع الثقافي, و على علاقات الثقافات المختلفة ببعضها, و دوره في خلق الحواجز المانعة لتلاقي الأفراد ضمن حيز ثقافي مشترك يقرّبهم و يجمعهم حول مشتركات إنسانية متداخلة موجودة تقريباً في كل الثقافات. و انطلاقاً من هذا المعطى الواقعي وُلد هدف الوساطة الثقافية الثاني المتمثل بالحاجة الإجتماعية إلى وساطةٍ ثقافية تقوّي علاقات القربى بين المواطنين المختلفين ثقافياُ لا سيما في المجتمعات المتأثرة بالهجرة و في المجتمعات المتعددة ثقافياً, و ذلك لتأسيس و تمتين علاقة وجدانية بين مواطني هذه الدول وميراثها الثقافي ,وأيضاً لتسهيل عملية الإندماج و المواطنة اعتماداً على دور الثقافة الفعّال في تنمية و تنشيط العلاقات الإجتماعية و تقريب الروابط الإنسانية و الوطنية لا سيما في البيئات الإجتماعية الحساسة المختلطة و المتواجهة ثقافياً. و عن هذا الدور الإجتماعي الذي تلعبه الوساطة الثقافية تقول إليزابيث كاييه "على الوسيط الثقافي مد الجسور بين الثقافة و بين جماهير الشعب و تسهيل التبادل و التواصل الثقافي. بشكل عام عليه تخفيف التوتر القائم بين مجموعات اجتماعية أو إثنية كتلك التي تُعبّر عن نفسها أحياناً من خلال العنف في أحياء المدن أو في الضواحي"5

1Franz Boas, 1858 - 1942 , un anthropologue américain d'origine allemande, souvent désigné comme le « père fondateur de l'anthropologie américaine.

2Thomas Babington Macaulay, 1800 - 1859 , 1ᵉʳ baron Macaulay, est un poète, historien et homme politique britannique.

3بيان اليونيسكو بشأن المكتبات العامة : https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000112122_ara

4La Médiation Culturelle : cinquième roue du carrosse ? , Elisabeth Caillet, Patrice Chazotte, Fanny Serain, François Vaysse, Paris, L’Harmattan, 2016

5المرجع السابق







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز