د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
يوم ربيعي في قرية فلسطينية

نحن في عام 1954 نعيش في قرية عقربا الفلسطينية العريقة بتاريخها، الغنيّة بآثارها، الجميلة بتضاريسها، المميّزة بموقعها الجغرافي، والمعروفة بشهامة أهلها ونصرتهم للمظلوم وحمايتهم للضعيف؛ عقربا بأهلها وتضاريسها وشيمها وقيمها تشبه كلّ قرية ومدينة فلسطينية وتعتبر جزأ لا يتجزأ من فلسطين أرض الانسانية والخير والجمال.

في فصل الربيع تتحوّل جبال وتلال وسهول فلسطين إلى قطعة خضراء تمتّع الناظر؛ الأشجار الباسقة تعود للحياة بأوراقها الغضّة الجميلة، وحقول القمح والشعير الخضراء  تتمايل مع هبوب النسيم بنضارة وجمال، والأعشاب والورود بأنواعها وألوانها تشهد على إبداع الخالق وثراء وتنوّع عطاء الطبيعة، والشمس تعيد إلى الحياة كل ما تحتضنه بشعاعها الدافئ، والنجوم المتلألئة تملؤ السماء وتضيئه بأنوارها البهيّة وتعمّق أحساس الإنسان بسحر الكون وعظمته وتعقيداته؛ كل هذا الجمال الالهي الطبيعي يدلّ على ديمومة وسرمدية فلسطين التي ستظلّ جزأ لا يتجزأ من هذا العالم وهذا الكون.

لم يكن في عقربا مطاعم وأسواق تجارية؛ لكنني ما زلت أذكر أنه كان في القرية مقهى تملكها عائلة أبو أنس، وإنها أي المقهى كانت تستضيف شخصا يعزف على الربابة في بعض ليالي الجمعة في السنوات الخمسة الأولى من خمسينيات القرن الماضي، وكنا نحن الأطفال نذهب إلى المقهى ونجلس على الأرض الإسمنتية للاستمتاع بتلك الموسيقى الجميلة التي تصدح من تلك الآلة البدائيّة وبالقصائد التي ينشدها العازف مع موسيقى ربابته؛ لقد أغلق المقهى خلال فترة وجيزة لسبب لا أعرفه، وانتقل فن العزف على الربابة في القرية إلى المرحوم أبو عيسى الذي كان يعشقها ويعزف عليها بمهارة فنيّة وانسجام في الأفراح والمناسبات الخاصة والسهرات التي يدعى اليها.

كانت محلاّت البقالة تغلق أبوابها والناس يخلدون إلى النوم قبل أو بعد صلاة العشاء مباشرة، ويستيقظ معظم الرجال والنساء من نومهم مبكّرا لأداء صلاة الفجر، ونستيقظ نحن الأطفال مع طلوع الشمس. وبما ان البيوت في كل حارة كانت متلاصقة أو قريبة جدا من بعضها بعضا، كنا نسمع أصوات الجيران وهم يرددون " لا إله إلا الله .. اللهم صلّي على محمد وعلى آل محمد .. يا فتّاح يا عليم .. يا رزّاق يا كريم .. يا ميسّر لا تعسّر.. "، ويكبّرون ، ويقرؤون القران خلال أدائهم لصلاة الفجر، ويبتهلون إلى الله ويتقرّبون منه بأدعيتهم بعد الانتهاء من أدائها مباشرة.

وبعد تناول طعام الافطار البيتي البسيط  يسوقون ماشيتهم أو بهائمهم إلى المراعي، أو يذهبون للعمل في أراضيهم المحيطة بالقرية، أو يتوزّعون في البقالات لتبادل أطراف الحديث. في بقالة حامولتنا كانت جلسة الصباح تبدأ مع شروق الشمس ويحضرها عدد من الزبائن. كان صاحب البقالة يقدّم الشاي للحضور، وكانت أهم المواضيع التي تتناولها أحاديثهم أخبار الناس في القرية، ووضع المحاصيل الزراعية ، والسياسة العربية.

كان في البقالة مذياع ( راديو) له بطارية كبيرة اشتراه صاحب البقالة إما في عام 1953 أو عام 1954، وكان القرويّون على الرغم من كونهم أميّون يحبون الاستماع إلى تلاوة القرآن الكريم وخاصة تلاوة الشيخ عبدالباسط عبد الصمد رحمه الله، وأخبار الوطن العربي، والأغاني. وحوالي الساعة الثانية عشرة ظهرا يعودون إلى بيوتهم لتناول الغداء، ومنهم من يأخذ قيلولة ثمّ يعودون إلى البقالة مرة أخرى، أو يذهب بعضهم إلى مركز القرية لأداء صلاة  العصر في المسجد أو للجلوس في بعض محلات البقالة المتواجدة حوله.

كان باص القرية يعود من مدينة نابلس قبل أذان العصر أو بعده بقليل ويجلب البضائع التي اشتراها أصحاب البقالات فينقلوها إلى محلاتهم الواقعة في وسط البلد بقرب الجامع، أو يحملونها  على ظهور الحمير إلى البقالات البعيدة عن موقف الباص، والرجال والنساء الذين مدّنوا ( ذهبوا الى المدينة ) ينزلون من الباص بثيابهم النظيفة، وينتشرون في طرق القرية الترابية الضيّقة وهم يحملون مشترياتهم.

قبل غروب الشمس يعود الرعاة بأغنامهم وأبقارهم وبهائمهم إلى القرية، وبعد غروبها تمتلئ البقالات بالزبائن مرة أخرى وأذكر أن الفلاحين كانوا يستمتعون جدا في برنامجين يذاعان على الراديو : مضافة أبو محمود، واحميد ( برنامج تتخلّله أناشيد حزينة عن مقاتل عراقي استشهد في فلسطين .) بالإضافة إلى السهر في البقالات كان البعض وخاصة الأقارب يتزاورون ويسهرون معا أو يقضون السهرة مع اسرهم.

كان معظم رجال القرية يرتدون القمباز ( الكبر ) الفلسطيني المفتوح، ويغطّون رؤوسهم بالشورة ( الحطة البيضاء ) أو الشماغ والعقال الأسود ويعتبرون غطاء الرأس من علامات الرجولة وكشفه أي التفريع عيبا؛ ولهذا كان الأولاد الذين وصلوا مرحلة المراهقة يرتدونه للدلالة على أنهم اصبحوا شبابا محترمين ملتزمين بقيم الآباء والأجداد ومسموح لهم بالجلوس مع الرجال والمشاركة في احاديثهم .

 نساء جيل أمي بسيطات طيبّات همهنّ الأول هو الاعتناء بأسرهنّ؛ كنّ ينهضن من النوم باكرا مع الرجال ويقضين معظم أوقاتهن في تحضير وجبات الطعام والخبز لعوائلهنّ، ويجلبن الماء من الآبار في تنكات كبيرة يحملنها على رؤوسهنّ، ويحطّبن، وبعضهنّ يساعدن أهلهنّ وأزواجهنّ في رعي الماشية والاهتمام بها وحلبها، وفي تعشيب وحصاد مروج القمح والشعير وقطف الزيتون.

كانت نساء عقربا وبعض قرى مشاريق نابلس لا يختلطن بالرجال، وكان عيبا على الرجل أن يذكر اسم امرأة  أو حتى اسم والدته أو زوجته أو شقيقته أمام الآخرين؛ كانت النساء في هذه القرى يلبسن العباءات فوق فساتينهن الطويلة ليغطين أجسامهنّ بالكامل ويحجبن وجوههنّ حتى لا يراهنّ الرجال عندما يمررن بهم في الطرق والأزقّة. وفي نهاية الخمسينيات من القرن الماضي بدأت الأوضاع تتطوّر ببطء؛ أذكر أن الموضة الجديدة عند الشابات من نساء عقربا كانت قص الشعر ولبس الحذاء ذو الكعب العالي؛ فكنّ يقلن على سبيل المثال ( فهميّه قصت شاليش ولبست كعب عالي.)

كانت حياتهنّ الاجتماعيّة في منتهى البساطة حيث تزور القريبات كالأمهات والعمّات والخالات والأخوات بعضهن بعضا في الفترة الصباحية، ويذهبن إلى حفلات الخطوبة والأعراس، ولهنّ أماكن تجمع أمام بيوت او طوابين معيّنة حيث يلتقين ويتحدّثن عن أيّ شيء رأينه او سمعنه، وغالبا يصدّقن كل شيء يقال لهنّ عن طيبة قلب وحسن نية لأنهنّ كنّ معزولات، ولا يعرفن إلا قليلا عن العالم خارج حدود قريتهن.

في فصل الربيع كان معظم أصحاب الأغنام ( يعزّبون ) ينتقلون للعيش مع اغنامهم في أغوار عقربا الشاسعة التي تتوفّر فيها المراعي الخصبة، ويعيشون في الكهوف أو بيوت الشعر، أو الخرابيش ( جمع خربوش وهو خيمة مصنوعة من الخيش.) لقد زرت أقارب معزبين في الأغوار عدة مرات ما زالت ذكراها عالقة بخيالي : سماء صافية ونسيم عليل، وجبال وسهول خضراء يتنقل فيها الراعي وأغنامه بحريّة، وحياة بسيطة، وسكون وهدوء مريح للأعصاب ومبهج للنفس.

أما البيادر والساحات الموجودة داخل القرية فتتحوّل إلى مراع للبهائم، وخاصة الحمير التي كانت تتواجد بكثرة في القرية فلا يخلو بيت من حمار يستخدمه أصحابه في تنقلاتهم إلى مزارعهم والقرى المجاورة، وفي نقل محاصيلهم الزراعيّة وبعض لوازمهم البيتيّة، وقلّة تملك خيولا لأن أسعارها كانت مرتفعة وطعامها مكلف وفوائدها قليلة.

لم يكن في القرية سوى مدرسة واحدة يدرس الطلاب فيها حتى الصف التاسع، وفي منتصف الخمسينيات افتتحت مدرسة ابتدائيّة رسميّة للبنات. كنا نداوم في المدرسة في فترتين : من الساعة الثامنة حتى الساعة الثانية عشرة ظهرا، ثم نعطى فرصة لمدة ساعة نذهب خلالها إلى بيوتنا لتناول طعام الغداء، ونعود إلى مقاعد الدراسة ثانية من الساعة الواحدة بعد الظهر وحتى الثالثة.

كان في قريتنا مسجدا واحدا لا يمتلئ بالمصلين إلا يوم الجمعة؛ وكنت كطفل أصلي فيه العصر أحيانا بعد خروجي من المدرسة والاحظ أن عدد المصلّين فيه قليل جدا على الرغم أنّه يقع في منتصف القرية ويحيط به عدد من محلات البقالة المكتظة بالرجال الجالسين فيها وعلى أبوابها. لم يكن الناس في قرى ومدن فلسطين في ذلك الوقت متديّنون كما هم اليوم؛ لكنهم كانوا أكثر بساطة وتسامحا وربما صدقا وأمانة ووفاء منا نحن الآن !

في ذلك الزمن الجميل، كانت الحياة في قرى فلسطين تتّسم بالهدوء والبساطة والتخلّف؛ لكن أجيال آبائنا وأجدادنا عاشوا حياتهم واستمتعوا بها على طريقتهم وبناء على معطيات عصرهم، ووفقا لعاداتهم وتقاليدهم وإمكانيّاتهم الماديّة والعقليّة؛ الزمن الأزلي يستمر والحياة لا تتوقف عن العطاء والأخذ والتغيير؛ لكن الحقيقة هي أننا نحن الذين نعيشها ونطوّرها، ونغنيها، ونفقرها، ونجعل لها ولنا قيمة عند أجيالنا القادمة وأمم الأرض الأخرى. التاريخ يحتفل بالأقوياء والمبدعين والمنتجين والمتمرّدين ويخلدهم، ويتجاهل واحيانا يزدري الضعفاء المستكينين المستسلمين المطيعين الذين يفشلون في صنعه وتحديد مساره.

ako home   sold   March 2, 2018 4:31 PM
اليهود يدربون ابنائهم على السلاح والبقاء في ارضهم والدفاع عنها بينما السكان المحتلون الاعراب يدربون ابنائهم على "الهشتاقات" والخروج والهجرة من الارض المقدسة لهم "كما يدّعون" والعمل في امارات دول الخليج.الفارسي كخدام
عليكم أن تعترفوا وتدركوا بأن "اورشليم القدس" رمز ديني للشعب يهودي، وهو مقدس لهم كقداسة مكة والنجف وكربلاء للمسلمين".
وعلى العقلية العربية أن تتحرر من الموروث الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي، الذي غرس ثقافة كراهية اليهود، وإنكار حقهم التاريخي في المنطقة".
وعليكم إن لا تتناسوا بأن لإسرائيل الحق في يثرب وفي خيبر ولها الحق في مطالبة المحتلين الغزاة بتعويضات واملاك ودية دماء يهود قمعوا و ابيدوا في الجزيرة العربية
واسترجاع ارث الاجداد من بنو قينقاع وبنو النضير في مكه و يثرب

محمد   ايام سادت ثم بادت   March 4, 2018 6:50 AM
تحيات نابلسي لك و لكل أهل عقربة . أتذكر هذه الأيام الحلوة و البسيطة و البريئة . الدنيا بتلف و بدور سترجع هذه الأيام الحلوة و لو بعد حين ان شاء اللة.

Ahmed   Sold Racist   March 4, 2018 3:02 PM
السكان الأصليين في العالم الجديد لهم الحق في البت الأبيض وواشنطون و نيويورك ولوس انجلس وشيكاغو وميامي
وفي كل إنش مربع بين المحيطين الأطلسي والهادئ

اذا كان الهك عنصري حقير ولا يعترف بغير العبرانيين من البشر, فهذا موضوع آخر

max   to number 1   March 7, 2018 2:42 AM
idiots are saying something these days







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز