موسى الرضا
moussa11@gmx.net
Blog Contributor since:
18 July 2009

 More articles 


Arab Times Blogs
وجهة نظر: قراءة في فن الترجمات السياسية

 

 

 

ليست الترجمة وسيلة فعالة من وسائل التواصل الثقافي والعلمي والحضاري بين الأفراد والشعوب فحسب، وإنما الاخلال في الترجمة أو الاتيان بها بشكل منقوص قد أدى عبر التاريخ الى كوارث لا تحمد عقباها أهمها ما سمي (بحرب الفرمان). فقد قام مترجم ملك ألمانيا بإبلاغه فحوى رسالة ملكية   وصلت اليه من أحد نظرائه الاوروبيين بشكل جاف ومنقوص مع اهمال متعمد من قبل المترجم-  لعبارات التعظيم والتبجيل الواردة في الفرمان ما ادى الى حرب طاحنة مدمرة ذهب ضحيتها الالاف من الناس.

 وقد اجمع المؤرخون على ان تلك الحرب يتحمل وزرها المترجم بمفرده إما بسبب سوء حرفته اي عدم اتقانه لمهنة الترجمة وإما بسبب سوء نيته أي ان يكون قد تعمد القيام بذلك لقاء اطماع شخصية مادية ومعنوية.  من هنا تصبح الترجمة في حالة من الحالات قضية موت او حياة وهذا ما يكسبها مزيدا من الاهمية ويحمّل أربابها وسدنتها والقائمين عليها والممتهنين لها قدرا اوسع من المسؤولية القانونية والاخلاقية.

إشكالية أولى: ورد في السطر السادس جملة تفيد أن الترجمة الحرفية تقتل روح المعنى وهذا خطأ بيّن ببعدين أحدهما تقني فني والآخر أدبي ثقافي.

فلو أردنا ان نترجم وصفة غذائية في صناعة نوع ما من الطعام أو الحلوى فلا بد من الالتزام الحرفي بالنص ولكن مخالفة الحرفية في هذا المورد قد تكون محدودة الاضرار بحيث تؤدي فقط الى فساد الطبخة أو عدم نجاح قالب الحلوى في حين اننا لو أردنا أن نترجم وصفة طبية أو نصا قانونيا أو حكما قضائيا فلا بد ان نترجم كلمة بكلمة ونقطة بنقطة وفاصلة بفاصلة أي ان نترجم الحروف وعلامات الفصل لأن عدم الالتزام الصارم بذلك قد يخرج النص عن معناه الحرفي وقد يؤدي الى نتائج وخيمة وخسائر جسيمة.

اما البعد الثاني فهو البعد الأدبي والثقافي لأهمية الترجمة الحرفية حيث تكمن في ان القارئ المتلقي سيحصل من خلال الترجمة الحرفية على أنماط واساليب حضارات مختلفة في التفكير والتعبير.... أفضل مثال على ذلك ترجمة مكسيم غوركي من الروسية الى العربية ففي أحد المقاطع يهدد والد غوركي ولده الصغير بأنه سيعطيه "واحدة". المترجم المبدع لم يغير شيئا في الجملة بل وضع على كلمة "واحدة" نجمة صغيرة ووضع لها تفسيرا في آخر الصفحة (واحدة في الروسية تعني علقة ساخنة) هنا أبدع المترجم مرتين فهو أثار فضول القارئ عبر الترجمة الحرفية لجملة أو كلمة بعينها  وأدخله وقرّبه  من خلال ذلك الى  عالم سحري من أنماط التعبير لدى حضارة مختلفة  وشعب بعيد.

يمكن باختصار شديد ان نقدم مؤشرا يحدد وجوب الترجمة الحرفية أو وجوب تركها واللجوء الى روح المعنى. هذا المؤشر هو ما يمكن أن نسميه (سلالة النص). فسلالة النص تختزن نوعه وطبيعته ووظيفته ومؤداه وهي السلطة الحاكمة والقوة القائمة التي تفرض على المترجم بأن يأخذ بأحد السبيلين حرفا بحرف أو روحا لمعنى.

 

إشكالية ثانية: المحتوى والشكل أو تقديم المعنى والاسلوب في آن واحد. لقد تجاوز العلم هذه الاطروحة بكثير وصارت الترجمات المعاصرة أعمق غورا وأبعد مدى. لم نعد في عصر ترجمة كلمات النص وانما صارت الترجمة تمتد عبر الكلمات وتحفر فيها وصولا الى الذهنيات (مينتا ليته). فقد أثبتت الابحاث اللينغوستيكية ان النص له ذهنية وهذا موضوع عميق يحتاج الى بحث منفصل.

 

إشكالية الترجمة السياسية: ليس هناك ما يسمى بالترجمة السياسية. (الترجمة السياسية) مصطلح توافقي اريد به النصوص السياسية المترجمة أو المترجمون المتخصصون بالترجمات السياسية. هذه المعضلة يمكن حلها بسرعة عبر العودة الى المؤشر الحاكم وهو نوع النص أو سلالته كما اشرنا آنفا. وأول سؤال يجب ان يطرحه المترجم قبل الشروع في الترجمة: ما هو نوع النص وما هي سلالته او فصيلته وهو نفس السؤال الذي يطرحه الطبيب قبل ان يقدم وحدات الدم للجريح المصاب. إن عدم تحديد فصيلة النص قبل الترجمة قد يؤدي الى ما يمكن ان يؤدي اليه اعطاء جريح وحدات من الدم دون معرفة فئة دمه وهو في كلتا الحالتين نتيجة واحدة: وفاة الجريح وموت الكتاب.

في الختام يجب الالتفات الى ضرورة التفريق بين رجل السياسة والنص السياسي. غالبا ما تكون كلمات السياسيين وحواراتهم وخطابتهم من فئة (النص الكوميدي الترفيهي) كخطب الوزير وليد جنبلاط وتغريدات  الوزير وئام وهاب  وسواهما من رجالات السياسة في لبنان.

كلمة أخيرة: لم يتسع المقام للتعليق على كامل نواحي البحث ولكنه أعطى انطباعا أوليا بجهد محمود ومثابرة حثيثة قامت بها المؤلفة وهو جهد مبارك محمود يشي بهمة عالية ونشاط كبير. إن رشاقة البحث وسهولة الانتقال بين سطوره وعناوينه دون إطناب ممل أو إيجاز مخل إنما يؤكد أن أمام الاستاذة المؤلفة مستقبلا بحثيا واعدا وموقعا زاهرا ومثمرا بإذن الله.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز