نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
ذاكرة المومياء: دمشق وحلب كانتا للأتراك وليست القدس .. صفقة القرن الحقيقية في استانبول

كان غسان كنفاني يقول ان الصمت لايعني دوما اننا قبلنا بالاشياء .. بل ان الصمت احيانا يعني اننا تعبنا من الكلام او التفسير لاناس لايفهمون .. وهنا أختلف مع غسان كنفاني لأنني رجل لم أتعب يوما من الشرح والتفسير .. بل ان الأغبياء الذين لايفهمون يتعبوننا اكثر عندما يظنون اننا صمتنا لاننا تعبنا او لاننا قبلنا .. وأنا أقرّ انني مصمم على انهاك من لايفهم .. وأفخر أنني اتعبت من لايفهم لأنني لم يظهر عليّ التعب .. بالصمت ..

جدالي وخصومتي مع الاسلاميين ليسا ناجمين عن خلاف حول الحكم في سورية .. وليس خلافي معهم بسبب طموحاتهم في بناء خلافتهم .. وطبعا ليس بسبب انهم قسموا الناس في الوطن الى فسطاطين فسطاط في الجنة وفسطاط في النار .. وكأنهم يعيشون في السماء لا على الارض .. وكأن في السماء برلمانا للاله .. نصفه في الجنة ونصفه في النار .. لكن أهم سبب لخلافي معهم هو قضية واحدة فقط هي فلسطين والقدس .. لأن مبتدأ الصراع كله ومنتهاه هو القدس وفلسطين .. ولولا الصراع مع الصهاينة من اجل القدس وفلسطين فربما لم نكن نرى اي تيار اسلامي في المنطقة ولما راينا الربيع العربي .. ففلسطين رهينة العقل الديني اليهودي .. الذي رفض كل بقاع العالم وطنا الا فلسطين .. والعقل اليهودي يرى ان الله لم يعده بكندا او اوغندة او جزيرة القرم بل بأرض تمتد من الفرات الى النيل .. ويرى ان كل تاريخ ملوك بني اسرائيل كان في الضفة الغربية وليس في نيويورك .. وهذا العقل الحجري المتطرف أحيا العقل الديني المشرقي ليتلاءم مع الصراع الجديد ..

خلافي مع الاسلاميين هو ان كل الاسلام الذي يعظوننا به من غير القدس هو دين مجوف أجوف فارغ .. ولذلك لو كسب المسلمون الدنيا كلها وفتحوا حتى بلاد الاسكيمو وغابات الامازون ولكنهم فقدوا القدس فانهم مجرد أصحاب دنيا وملك وصاروا هم - لاغيرهم - نواقص الايمان ونواقص العقول .. والاسلاميون في الربيع العربي طلبوا كل الدنيا وكل الآخرة ولكنهم تناسوا أن القدس جزء من دينهم وعقيدتهم الروحية .. ومن دونها لايستوي دينهم لأنها جزء منه كما الحرم المكي .. لأن دعوة النبي محمد قامت استكمالا لما نشأ في القدس من ديانات .. وارتبط الاسلام بالمسيح ابن مريم ومدينة القدس منذ ان اختارها النبي محمد للاسراء والمعراج .. فهو لم يختر صيدا او حلب أو استانبول ولا ريو دي جانيرو ولا باريس ولا بومباي ولا منشورية .. بل اختار القدس وكأنه يطوّبها بهذه الحادثة والقصة الرمزية كجزء من العقيدة الاسلامية وبنائها .. فمعروف ان الامكنة التي تدور فيها أحداث مقدسة تصبح مقدسة .. الا ان الاسلاميين غضوا الطرف عنها وعدّلوا في دينهم من أجل دنياهم .. بل وكما اهدوا لواء اسكندرون للأتراك فانهم أهدوا القدس للاسرائيليين بالغائها من كل بياناتهم .. لأنني أتحدى كل الاسلاميين منذ ان بدأ الربيع العربي من المحيط الى الخليج ان تكون هناك لافتة واحدة عليها كلمة القدس حتى بعد وصولهم الى السلطة في مصر وتونس وليبيا .. او بيان جهادي واحد أشار الى القدس من تونس الى استانبول .. واياكم ان تظنوا ان صفقة القرن الحقيقية الكبرى كانت بين ترامب واسرائيل وبعض العرب .. بل ان صفقة القرن الكبرى هي التي وقعها الاسلاميون مع اوباما .. وقايضوا فيها السلطة الزمنية على عواصم الشرق بالسلطة الدينية الاسلامية على القدس .. أي أعطونا حكم العواصم الاسلامية الرئيسية وخذوا حكم القدس .. وهذا هو سر غياب اي اشارة للقدس في كل سنوات الربيع العربي التي حضر فيها كل الاسلام وكل الاحاديث وانزلت فيها الملائكة من السماء وصعد المسلمون الى عرفات وابتهلوا وأدوا كل الصلوات من دون اشارة للقدس .. وحضرت في الصراع كل الجوامع من اصغرها الذي كان في مدينة القصير السورية الى أكبرها كالجامع الاموي الذي رابط حوله الاسلاميون ينتظرون فتح ابوابه للسلطان العثماني ليتوضأ فيه ويصلي .. وحضر في الربيع الازهر والحرم المكي وكل الفقهاء والصحابة .. وغاب عن كل هذه الثورات الربيعية فقط المسجد الاقصى والقدس بشكل مريب ومريع .. حتى ظننا ان المسجد الأقصى قد توفي في السجن وان القدس قد هاجرت الى اوروبة في قارب مطاطي في البحر مع اللاجئين العرب أو منحت فيزا وهاجرت الى استراليا وصارت احد احياء ملبورن ..
الغريب ان المشروع الامبراطوري العثماني الذي كان يلتحف الحلم الاسلامي ويوزع الحنين الى ايام الخلفاء خلع كل الاغطية التي تغطى بها وكشر عن انيابه عبر طموحات حزب العدالة والتنمية القومية الطورانية .. فالدعوة العثمانية هي اساسا ليس لاسترداد نهج ودين امبراطورية بل لاسترداد عقارات الامبراطورية .. فحزب العدالة والتنمية لم يعد يمالئ او يخجل من مطالبته العلنية بالحق في استرداد سورية والعراق والحاقها بالحكم في استانبول .. بل وينال رضا الاسلاميين الذين يوكلونه بحق التصرف الحصري في أراضي ومدن سورية .. وكل الحرب في الشمال السوري ليس لها سبب الا ان الذاكرة العثمانية لاتريد ان تخمد وهي على يقين انها تقاتل في الارض التي تملكها وهي حق من حقوق الآباء والاجداد .. كما اليهودي يقاتل في الارض التي وهبها له الله ..

والتصريح الذي قاله وزير الداخلية التركي سليمان صويلو بأن دمشق وحلب كانتا مدينتين تركيتين .. يعني على مبدا أعط لله مالله واعط ما لقيصر لقيصر .. أو بالترجمة التركية اعط ما للسلطان للسلطان .. وبعبارة لاتنقصها الوقاحة التركية يريد ان يقول: اعطونا دمشق وحلب لأنها مدننا ..

وهذه التصريحات الفجة لاتفاجئ أحدا ومافعله اردوغان وحزبه ومايفعله هو أكثر وضوحا .. وطبعا لايمكن مجادلة اي اسلامي ينظر الى تركيا على ان لها مشروعا خيريا هو اعادة المظلة الاسلامية لتغطي المسلمين كلهم ولاينظر الى هذا الكلام على انه ادعاء لحق تركيا كدولة في ان تبتلع دولا أخرى بغض النظر عن ارادة وخيارات شعوب هذه الدول .. فكل ماتقوله تركيا وتفعله هو الصواب وهو بتعبير آخر وحي الهي لاردوغان كلف من خلاله باعادة الاسلام الى ارض الاسلام .. وفق سذاجة الاعتقاد بأن الطريق الى القدس يمر بحلب والمنطقة الآمنة في الشمال ..

لكن السؤال الذي يجب ان يطرح على ابطال حزب العدالة والتنمية وجميع محبي حزب بني عثمان وزعمائه الذين لايملون من اشعال الحنين التركي لفترة حكم سورية والعراق والشرق العربي هو ان كانت دمشق وحلب والموصل مدنا تركية فماذا عن القدس او فلسطين ..؟؟ غريب ألا توجد قرية في فلسطين كانت تركية؟ أو شجرة؟ غريب كيف خرج الاتراك من فلسطين في كل تصريحاتهم ولكنهم ظلوا في سورية والعراق .. وظلوا في الموصل ؟ بل وكيف انهم لم ينسوا انهم كانوا في الحجاز وان الحجاز لهم بدليل انهم يتنافسون على حكم الحجاز مع السعوديين؟ الا القدس لم تقترب منها ذاكرة بني عثمان ولم يجرؤ تصريح تركي واحد منذ ولادة حزب العدالة والتنمية ان يقول ان القدس كانت لنا وهي حق لنا .. لأن هذا سيفهم منه ان من فيها اليوم ضيوف وسيخرجون وسيستعيد الاتراك مدينتهم ..

ذهبت حماس كلها بقضها وقضيضها يوما الى استانبول وقبلت الأيادي العثمانية وكبرت وهنأت وباركت واحتفلت مع المحتفلين ورقصت وثملت واهتزت نشوة وصاغت الشعر والخطابات .. ولكن لم يجرؤ اي تصريح تركي على ان يلفظ هذه العبارة (القدس كانت لتركيا) .. فهذه العبارة سيترتب عليها التزامات وستعني الكثير .. ويبدو ان كل أرجل حزب العدالة والتنمية واقفة لأن القدس خرجت من القواميس العثمانية .. حتى عندما أهدى ترامب القدس لنتنياهو وصهره كوشنر قامت قيامة حنجرة اردوغان واقام مهرجانات الحزن والغضب .. ولكنه لم يجرؤ ان يذكّر ترامب ونتنياهو ان القدس (كانت مدينة تركية) ويحق لتركيا فيها مايحق لليهود .. 
ورسالتي الى عشاق تركيا والخلافة الاسلامية هي ان الدعوة الناقصة لايمكن ان تقنع الا الاغبياء ناقصي العقول وناقصي الايمان اذا اراد الاسلاميون المطالبة بالخلافة وعودة بني عثمان فالاجدى ان تكون لديهم الشجاعة كي يطالبوا بالقدس اولا بنفس الجرأة .. واذا حدث هذا المستحيل فانني سأعد نفسي مقاتلا تحت راية اردوغان وحزبه .. لأن من يريد القدس يستحق ان تكون له ارض الاسلام كلها .. اما ان تطلب مني ان اعطيك دمشق وحلب او الموصل لأنك لاتستطيع ولاتجرؤ على المطالبة بالقدس فانني سأقول لك عندها: يفتح الله .. انت ناقص الايمان وناقص العقل ..وانا سأكون بلا ايمان وبلا عقل ان صدقتك وسرت معك ..

ربما يختلف الناس في تعريف الجنون .. ولكن دعونا نقول انه خلل في الذاكرة .. فالذاكرة تفشل في الاحتفاظ بالمعلومات الضرورية وتحل محلها معلومات مشوشة ينجم عنها سلوك أعوج .. الغريب ان كل الحنين للزمن الاسلامي وزمن الخلفاء تفجر الا زمن القدس بقي ميتا .. وهو مايمكن تسميته بالجنون الكامل ..

الذاكرة التي يستيقظ بعضها ويموت بعضها هي ذاكرة الخرف .. والخرف هو نوع من أنواع الجنون .. وعندما تنقلب رفوف الذاكرة وتنهار فوق بعضها فاننا نقول انها ذاكرة المومياء .. فالمومياءات التي تنهض من أكفانها في القصص تبدو وقد أصابها فقدان الذاكرة الجزئي .. فهي لا تذكر اعداءها وأصدقاءها .. لكنها تهاجم الجميع .. وهذا هو حال المومياء العثمانية التي استيقظت من القبر وأطلت برأسها وتذكرت انها كانت تملك امبراطورية تصل الى حدود فلسطين وتتوقف لأن بحر الظلمات يبدأ من هناك حيث يقف نتنياهو وشعب الله المختار .. وتتذكر هذه الامبراطورية انها كانت اسلامية ولكن اسلامها بلا أقصى وبلا قدس .. حقا انها ذاكرة المومياء ..

الفرق بيننا وبين ذاكرة المومياء هي ان ذاكرتنا متوقدة ولاتجامل وهي ذاكرة اليقين ولاتنسى حبة تراب .. فنحن نتذكر ان فلسطين كلها هي جزء من سورية الطبيعية منذ آلاف السنين .. وفلسطين هي تلك الجغرافيا من البحر الى النهر وليست فلسطين اوسلو وفلسطين الاخوان المسلمين وحماس .. وذاكرتنا تقول لنا ان لبنان والاردن والعراق وفلسطين وسورية هي قطعة واحدة كانت قبل ان يولد عثمان جد العثمانيين وقبل سايكس بيكو وهي لنا .. بعضنا يسميها سوراقيا .. ونحن نسميها الهلال الخصيب .. ليس فيها بحر ظلمات نتوقف عنده .. وكل قرية ومدينة محتلة فيها هي عاصمة .. ادلب عاصمة والرقة عاصمة .. والقدس فيها هي عاصمة العواصم .. سواء أعجب هذا الكلام سليمان او اردوغان او نتن ياهو .. ام لم يعجب احدا ..

Image may contain: 2 people, suit






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز