د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
حجّاج فلسطين ورحلة الحجّ إلى مكّة والمدينة

 " وأذّن في النّاس بالحجّ يأتوك رجالا وعلى كلّ ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق." صدق الله العظيم . خلال القرون التي سبقت اختراع الحافلة والقطار والطائرة، وعندما حجّ والد جدّي وجدّ والدي ورجال ونساء جيله من أبناء فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان المسلمون يذهبون إلى الدّيار المقدّسة لأداء فريضة الحجّ  إما عن طريق البحر بسفن شراعيّة غير آمنة، أو عن طريق البرّ على ظهور الدواب في رحلة تستغرق أشهرا يعانون خلالها معاناة شديدة، ويعرّضون حياتهم للخطر  بسبب ندرة الماء في الطريق الصحراوي، وعدم وجود أماكن آمنة للمبيت، وصعوبة الحصول على الطعام، وتعرّض قوافلهم لبرد الشتاء القارس، ولأشعّة الشمس الحارقة في فصل الصيف، وعدم الأمان بسبب قطّاع الطرق الذين كانوا يسرقونهم ويهدّدون حياتهم.

كلّ مسلم يتوق إلى أداء فريضة الحجّ التي فرضها الله سبحانه وتعالى على من استطاع القيام بأعبائها الصحيّة والماديّة، واستثنى سبحانه من أدائها الفقراء والمرضى والضعفاء. في الماضي وحتى نهاية الحرب العالميّة الأولى، كان العالم الاسلامي يعاني من الفقر والجهل وسوء المواصلات وانعدام الاتصالات ممّا جعل الذهاب إلى مكّة والمدينة من دوله المترامية الأطراف خطيرا ومكلفا ومرهقا جدّا؛ ولهذا كانت قلّة من المسلمين تذهب للحجّ كل عام، وكان للحجّة رونقا، وللحاج احتراما خاصا لأن الحجّة تعتبر مكسبا دينيّا واجتماعيّا مهمّا لأنها تمحي ذنوب الحاج، وتعيده نقيا كما كان في اليوم الذي وضعته فيه أمّه، وترفع من شأنه عند ربّه، وتكسبه مكانة مرموقة في بيئته الاجتماعيّة؛ ولهذا كان الحاج بعد أدائه للفريضة يغيّر اسمه الرسمي من " يوسف  " إلى " الحاج يوسف "، وينظر اليه الناس كرجل صالح يخاف الله ولا يرتكب المعاصي والموبقات؛ وكان بعض الحجاج، خاصّة اولئك الذين يقرؤون ويكتبون، يتحوّلون إلى رجال وعظ، وقد يتقمّص بعضهم شخصيّات جديدة  تختلف كثيرا عن شخصيّاتهم التي عرفها الناس قبل ذهابهم إلى الحج.

كان الحجّاج يذهبون إلى الأماكن المقدّسة في قوافل أو جماعات؛ وبناء على معلومات " المنظمة الإسلامية للثقافة والعلوم " كان لبلاد الشام، سوريا وفلسطين ولبنان والأردن، قوافل مختلفة تنطلق من مدنها فمنها قافلة الحجّ الشامي من مدينة الشام، وقافلة الحج الحلبي من مدينة حلب، وقافلة الحج القدسي من مدينة القدس وغيرها من المدن الفلسطينية؛ وكان يطلق على الطريق الذي تسلكه تلك القوافل " طريق الحجّ الشامي الذي كان يربط بلاد الشام بالأماكن المقدّسة في مكة والمدينة عن طريق رئيسي عرف باسم التبوكيّة ، نسبة الى بلدة تبوك التي يمر عليها. ويبدأ مسار هذا الطريق من دمشق ويمر بدرعا والمدوّرة ثم تبوك." وكان هناك طريق آخر يسلكه الفلسطينيون للأراضي المقدّسة الحجازية حيث يتوجّهون من طول كرم إلى غزة، ثم يمرّون عبر سيناء إلى العقبة ومن هناك إلى الديار المقدسة.

 وعلى الرغم من تقدّم وسائل المواصلات وتوفّر الحافلات، فإن رحلة حجّاج فلسطين حتى نهاية الستينيات من القرن العشرين كانت صعبة ومرهقة وتستغرق عدّة اسابيع يمضي الحجّاج عدة أيام منها في الذهاب والعودة لأن الطرق التي تسلكها الحافلات كانت رملية، وأداء شعائر الحجّ يستغرق وقتا أطول، ولم تكن في الصحاري القاحلة مطاعم واستراحات مجهزة لخدمة المسافرين وتوفير المبيت لهم، وكانت الرحلة أيضا خطرة بسبب عدم وجود خدمات طبية لا على الطريق الصحراوي الطويل المرهق المغبر، ولا في مكة المكرمة والمدينة المنورة ممّا جعل  الحجاج عرضة لتفشّي الأمراض  والإصابة بضربات الشمس صيفا بسبب الحرّ والارهاق.  

في قرى فلسطين كان الاهتمام بالحجّ يبدأ بعد عيد الفطر مباشرة حيث يتناول الفلاحون في جلساتهم التي لا تنقطع في محلات البقالة والمقاهي الأحاديث عن الذين قرّروا أداء فريضة الحج من أبناء قراهم؛ وبعد أن يعرف أهل قريتي اسماء الذين ينوون الحجّ يتبادلون الحديث في تجمعاتهم فيقول أحدهم  " بقولوا محمود العبد الهادي بدّه يروح ع الحج السنه " فيردّ عليه آخر " بستاهل  ( ابو حسين ).. خليه يروح يطهّر جثته ، هاي الدنيا فيها موت وحياه، وإشو ماخذ معاه الواحد من هالدنيا غير حسناته ؟ وبعدين يا زلام  الزلمه  الله معطيه ومفظل .. عنده أرظ  وبيدره أكبر بيدر في الحموله، وعنده غنم وما شا الله عليه .. وختير وميّاته عالنار ..  ومش ناقصه إلا الحجه .. الله يطعمه ويطعمنا إياها " فيرد عليه أحدهم " والله انك سادك ( صادق ) الله يطعمه ويطعمنا إياها رب العالمين ! "

ما زلت أذكر ما رأيته بينما كنت أسير إلى بيتنا قبل سفر الحجاج من قريتي بأيام قليلة؛ لقد حدث ذلك في بداية الخمسينيّات من القرن الماضي عندما التقت .. حمّاده الدلّه .. التي كانت تستعد للسفر لأداء فريضة الحج صدفة في الطريق مع  .. زهرة البيروتي .. التي أدت الفريضة سابقا. بادرت الحجة زهره بالقول لحماده "  وينتا بدكم تتسهلوا  ع الحج  يا ام سليم؟

حمّاده : يوم الجمعة انشاالله.

زهرة : تروحوا وتيجوا بالسلامة ، بدّك تسلمي لي على رسول الله وتقولي له الحجة زهرة بتسلم عليك. ما تنسيش يا ام سليم الله يخليلك ولاتك !

حماده : الي بدك اياه بصير يا جاره .. والله انشا الله يا حجّة إلا اسلم لك عليه باسمك. ما يكون إلك فكر. الله يطعمك اياها مره ثانيه . قولي انشا الله .

زهره : انشا الله ربنا يسمع منك يا ام سليم، يا ريت لوني معاكم .

كان كل حاج يبدأ بتجهيز ما يلزمه من ملابس وما يحتاج اليه خلال الرحلة، وقبل السفر بيوم يزوره في بيته أهل حامولته ومعارفه ليودّعوه ويتمنوا له " حجّا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا " والعودة بالسلامة. وعندما تصل الحافلة لتقل الحجاج من يجتمع أهل القرية في مراسم وداع مهيبة، وبعد ذلك تنطلق في طريقها إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة وسط دعوات المودّعين وتمنّياتهم بالتمام بخير.

وخلال الرحلة التي كانت تستغرق ما بين ثلاثة اسابيع وشهر، كان أهل القرية أيضا يجهّزون أنفسهم لعيد الأضحى المبارك فيشترون لهم ولأسرهم ما يحتاجونه من ملابس. وفي صباح يوم العيد يستيقظون باكرا ويرتدون أجمل ملابسهم، ويذهبون الى مسجد القرية لأداء صلاة العيد، وبعد ذلك يسيرون في جماعات إلى المقابر لقراءة الفاتحة على أرواح موتاهم والدعاء لهم بالمغفرة؛ وبعد ذلك يذهبون إلى محلات البقالة لشراء الحلويات ( العيديات ) لأقاربهم من النساء، وبعد انتهائهم من زياراتهم  يعودون الى بيوتهم وتنتهي مراسيم العيد الرسميّة؛ وكان بعضهم يضحّون ويوزّعون لحوم أضاحيهم على أقاربهم وأصدقائهم، والأسر العفيفة. بصورة عامة كانت بهجة عيد الأضحى أقلّ وقعا في النفوس من بهجة واحتفالات عيد الفطر، لأن الناس يستمتعون بنشاطات وعبادات وسهرات ومأكولات شهر رمضان، ويعانون من الجوع خلال الشهر، وربما لآن الفترة الزمنية الفاصلة بين العيدين قصيرة حيث انها لا تتجاوز السبعين يوما.

وعندما يعود الحجّاج بسلامة الله إلى القرية، يبدأ المهنئون من أقاربهم ومعارفهم في التوجّه إلى بيوتهم لتهنئتهم بالحجّة والعودة بالسلامة. وبعد أن يسلّموا على الحاج الجديد، ويهنئوه، يبدأ في الحديث عن رحلته؛ كيف كانت متعبة، وكيف كان إحساسه خلال الطواف حول الكعبة المشرّفة والسعي بين الصفا والمروة والوقوف على جبل عرفات ورمي الجمرات، وكم دفع ثمن الضحية وكيف ذبحها وتصرف بلحمها، وعن الحجاج الذين رآهم من جميع دول العالم الاسلامي؛ ويؤكد للحضور أن الرحلة رغم متاعبها كانت ممتعة وميسّرة بفضل الله ورضاه، وإنه استمتع بها ويشكر الله لأنه أدّى الفريضة وتشرّف بزيارة الكعبة والأماكن المقدسة، وصلى في المسجد الحرام في مكّة المكرمة وفي المسجد النبوي في المدينة المنورة وشاهد قبر الرسول صلى الله عليه وسلم. وخلال الأحاديث يقدّم الشاي وفنجانا من ماء زمزم لكلّ مهنئ، وبعد ذلك يقدّم الحاج المسابح لمن يختارهم أو للموجودين جميعا. أما النساء اللواتي أدّين فريضة الحج فكنّ يستقبلن المهنّئات في بوتهنّ، ويقدّمن الأساور البلاستيكية الملوّنة والخواتم والقلائد المصنوعة من الخرز لبنات العائلة والصديقات .

وخلال الأسبوع الذي يلي عودة الحجاج تضجّ الدكاكين والمقاهي في الحديث عن الحجّاج فيقول أحد الحاضرين " نيّال الحجاج الي أدوا الفريظة السنه. الواحد منهم كسب هالحجة وهالقيت صار بدون ذنوب مثل ما ولدته إمه. بس المهم إنه يحافظ عليها وما يخرّبهاش. الله يطعمنا اياها  الجميع." فيرد عليه آخر بالقول " آمين يا رب العالمين. بس يا زلام بقول الحاج " احمد " إنهم تغلّبوا، وبقت الدنيا جهنّم من الحر، وناس كثير مرظوا  وبعظهم توفوا  وألاسعار نار ."

فيتدخل ثالث في الحديث ويقول "  صحيح إنه الحاج برجع بلا ذنوب بس في منهم ناس رايحين اسووا ذنوب من جديد. أنا إلي بعرفه ان الناس ما بتغيّروش في يوم وليله وفي ناس بظلوا مثل ماهم،  والزلمه الي صار عمره ستين سنه وما تغيرش مش رايح يتغير في جمعتين ثلاث"

فيرد عليه آخر " يا زلمه خاف الله. رب العالمين قادر على كل شيء، ويهدي من يشاء، ورحيم بعباده؛ مش هيك ؟ " ويتدخل أحد الكبار في السن قائلا " اوجعتوا راسنا، خلوا الخلق للخالق، وبعدين ما فش إشي بستاهل توجعوا روسكم عليه ! هذول الناس أدوا الفريظه وإحنا بنطلب من ربنا إنه يقبل حجتهم واجازيهم خير ويطعمها لكل واحد." وتستمر هكذا أحاديث لفترة زمنيّة قصيرة، ثم يعود الجميع الى اهتماماتهم ومشاغلهم، وتستمر عجلة حياة أهل القرى في الدوران كما كانت عليه قبل موسم الحج.

أداء فريضة الحج يدلّ على طاعة المسلم لربّه والتزامه بأوامره، ويعزّز إيمانه ويقربّه أكثر من خالقه، ويفتح له آفاقا جديدة لحب الناس ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم والتعامل والتعايش معهم بصدق وأدب وأخلاق. العالم العربي المعاصر يعيش أسوأ ظروفه، ويعاني من الجهل والتطرف الديني ومن تديّن قائم على شعارات ومظاهر تقتصر على لحية ومسبحة وثوب قصير، ومن خذلان ونفاق شيوخ السلاطين ورجال السياسة الفاسدين الفاشلين؛ إن عالمنا العربي بحاجة ماسّة إلى فهم صحيح لمعنى أداء فريضة الحج ولجوهر الدين الحنيف. الاسلام  يرفض الظلم والذل والعنصريّة والاستسلام للحكام الطغاة ولأعداء الأمة، ويساوي بين عباد الله، ويطالب بحماية كرامة الانسان وحرّيته، ويدعو الى التسامح والتعايش بين شعوب الأرض.

لقد تغير مفهوم الناس عن الحجّاج، ولم يعد لحجّاج اليوم نفس الامتيازات والمكانة الدينيّة والاجتماعيّة التي تمتّعوا بها في القرون الماضية. في الماضي كان الناس أميين وفقراء، وقلّة قليلة منهم قادرة على تحمل نفقات ومشاق وخطورة الذهاب لأداء فريضة الحج أو العمرة؛ ولهذا كانت نظرة العامة للحجاج مختلفة، وكان للحجّة رونقا خاصّا ودلالات دينيّة مميّزة. لكن الوضع تغيّر كثيرا  بسبب التقدم الهائل في وسائل النقل البريّة والبحريّة والجويّة والاتصالات ووجود حملات الحج المنظّمة التي توفّر السكن والطعام والعناية الصحيّة للحجّاج، فزاد عدد من يذهبون للحجّ زيادة كبيرة ووصل إلى أكثر من مليونين سنويا، وأصبح معظم متوسّطي العمر وكبار السن في الأقطار العربيّة حجّاجا، وزاد عدد الشيوخ والأئمة واستغل بعضهم حجّهم ومظاهر تديّنهم لخداع الآخرين وتحقيق ما يصبون إليه من أهداف شخصيّة ماديّة واجتماعيّة.

hamed   why the pilgrimage now   February 18, 2018 2:28 AM
Faithful pilgrims arabic muselms should not go to MECA in pilgrimage where are ALSAUD pretend to be the servants of alharmeen false hypocrisy to surround themselves with halo of sanctity to be distinguished from the others covering themselves by the religious respect which the faithful profess to their sacred places They make use from one of the five pillars of the islamic religion and in general from the religion for their personal and political benefit The no-pilgrimage to mecca means retire from them these benefits and coverage, The submission for god does not mean submission to the man ? God will not feel offended ¿ Second .let the PEOPLE OF THE Arabian Peninsula know the misdeeds of his leaders ,They with premeditated Picardy resort to tuning and bumblebee words in great and suggestive headline THE DEAL OF THE CENTURTY” to impact and to cheat the people as if we are oligophrenics and to carry us away by sweet words to be snatched from our dresses even the interior ones The delivery of JERUSALEM from PALSTINE ,before we had great headlines , Weapons of massive destruction , dictatorship and democracy ARABIC SPRING we gain destruction and fracturing


Ibraheem   Thanks   February 26, 2018 8:29 AM
I wish no moslems go to HAJJ until AL-SALOOL leave the country,







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز