الطلحاوي نجيب
talhaoui.najib@hotmail.com
Blog Contributor since:
05 January 2008

كاتب عربي من المغرب

 More articles 


Arab Times Blogs
في تمييع مفهوم الاختلاف في الرأي

     لا يختلف إثنـان على ضرورة اعتبارالاختلاف حق من حقوق ذوي الرأي، و ليس من حق أي أحد أن يصادر حقّ الآخر في التعبير عن قناعاته الفردية تجاه قضايا السياسة و الاقتصاد و الفكر و حتى الدين، و لو كان مطلوبا حملُ ما لدى الآخر على رأي بعينه لمـا للوجود من معنـى أصلا، فبالاختلاف نكتشف الجوانب المخفية و به يتعايش الجميع، لكن لا بد من كلمة بخصوص هذا الاختلاف حتـى لا نتعرض لتمييع المفاهيم و يُصبح حصانا يركب عليه كلّ من شاء، فللمفاهيم دائمـا حدود و للمعاني ماهيات محددة و ليست مصطلحات رجراجة يتسلى بها البعض أو يستغلها في تمرير المغالطات،فكم من اختلافات صارت خلافات عميقة لا يمكن أن تجمع المتحاورين و لا يمكن أن تجعل إعذار الآخر أمرا مشروعـا،و لقد رأينـا العديد من الشخصيات المُغلقة تتبجح بالحق في الاختلاف و تتمترس وراء سمفونيتهـا الأثيرية و هم يحملون تصورات رجعية و رؤى استئصالية،شأنهم في ذلك شأن الطغـاة حينمـا يهذبون خطابهم بالدعوة للحوار و تأسيس التفاهمـات و هم قد أحدثوا مجازر ممتدة في الزمان و المكان، فكيف يجوز لهـؤلاء الحديث عن حق الاختلاف في الرأي و هم قد داسوا على كل الحقوق ؟ لهذا وجبَ التنصيص على ما يلي :

أولا : الاختلاف في الرأي يلزم أن يكون مُصانـا من المراهقات الفكرية التي تقفز على أمـانة الكلمة لتُطلق سمومَهـا في كل الأنحـاء ، و يلزم أن يتم التعامل معه من منطلق الحرص على الوصول للحقيقة و التجرد من الخلفيات الحقودة الحادة، فبهذا المعنـى يصبح الاختلاف أمرا مشروعا و مقبولا من أصحاب النظر فيقتضي بذلك أن يعذر الواحد منـا الآخر و لا يغتصب حقه في الإدلاء برأيه حتى لا يتم تأحيد الموقف و تنميط الأقوال .

ثانيا : الاختلاف في الرأي يلزم أن يكون من أصحاب ذوي الرأي المتابعين للقضايا بعمق و الملتزمين بأمانة البحث في شتـى أنواع أصحاب الرأي و النظر في مختلف المواقف النقيضة و استحضار النية في الوصول إلـى قنـاعـة بعد سبر أغوار المطالعة و التبحر في ثنـايا المستجدات و قراءة كلّ الآراء التي تصدر عن المهتمين بقضية ما .

ثالثا : الحديث عن لزومية و مشروعية الاختلاف في ظلّ سيطرة نزعـات فرض الرأي  الواحد بعد ظهور أدلة على فساد الرأي ليس إلا حديثا عن ايديولوجية تؤطّر عقل صاحبه و لا تنم إلا عن تعشش أمراض الاستعلاء بالرأي و تحكم منطق "الأنا" المعرفية في التعاطي مع الغير .

رابعا : الاختلاف الحاد في مواضيع السياسة ليس مبررا دائمـا للقول بضرورة أن يعذُر بعضُنا بعضا ،فاصطنـاع المحبة المصحوبة بوجود تباينـات خطيرة لا جامع بينها البتة ليس إلا أسلوبا نُخفي تحته مآزقنـا المعرفية و تشتت مرجعياتنـا، و إلا فإن الاختلاف في هذه الحالة و استمرار تفاقم مساحتهـا لن يصير إلا ظاهرة سلبية يتميع فيها المفهوم و يفقد وجاهته،و إلا وجب علينـا أن يعذر بعضنـا البعض إنْ اختلفنـا حول الطغـاة الذين أشبعوا في الأمة الجرائم و أذاقوهـا الويلات، و إلا يصبر مقبولا أن نعتبر كلّ الخونـة عبر التاريخ أشخاصا مرغوبين فيهم لا عنهم عند نشوب اختلافات حولهم، فالاختلاف في السياسة يلزم أن يتسم بكثير من الحذر خصوصا عندمـا يتعلق الأمر بطبقة من الظالمين الساسة الذين ارتكبوا الجرائم السياسية و الدموية و طمسوا صحيفتهم بالسوابق ،فكيفَ يمكن التماس أعذار لهؤلاء و قد ثبتَ بالدليل وقوفهم ضد إرادة الشعوب ، و كيف يمكن شرعنة الاختلاف حولهم و قد ملئوا السجون بالأحرار و هتكوا الأعراض و قتلوا الشيوخ و اغتصبوا النساء ؟ كيف لمن أحرق النـاسَ و قتلَ الساجدين و اعتقل العلماء و ربط مصلحته ببني صهيون أنْ يُلتَمس له العذر تحت ذريعة الاختلاف في السياسة لا الدين ؟

خامسـا : الاختلاف في الرأي يلزم أن يكون مصحوبا بما يدل عليه المصطلح نفسه من سِعة الصبر و الانفتاح، و كلّ من يتبجحُ بهذا المفهوم لكنه يمارس تسفيها للآخر و تعنيفا لفظيا بغرض الإقصاء فإنـه يُعبّر بذلك عن إحدى ألعاب اللغة و يُقدّم ترهات لا تفيد البتة في قضية الاختلاف، فلا فائدة من خطابٍ مؤسس على احتكار الحقيقة و لا مشروعية لخطاب بنى ركائزه على نفي الآخر   

 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز