د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
مضافة قريتنا

حتى نهاية الستينيّات من القرن العشرين، كانت المضافات ( بيوت الضيافة )، التي شيّدت بتعاون القرويين وجهودهم الجماعيّة، من أهم المراكز الاجتماعيّة والمعالم الحضاريّة في كل قرية فلسطينية، إذ كانت تمارس فيها مهام المقاهي، وصالات الأفراح، وبيوت العزاء، والمحاكم التي تحلّ فيها الخلافات والنزاعات، وأماكن الضيافة والفنادق. كانت كل مضافة تتكوّن من حجرة مبنيّة من الحجارة والطين تعلوها قبّة جميلة، وأكبر حجما من بيوت الفلاحين التي تكوّن معظمها من حجرة واحدة متوسطة الحجم، أو دار وعليّه ( حجرة فوقها حجرة أخرى تسمى عليّه)؛ وكان يوجد لكل مضافة حظير( ساحة ) مبلّطة ببلاط حجري قديم؛ أمّا داخلها الفسيح فكانت جدرانه مقصورة ومرشوشة بالشيد الأبيض، ومصطبتها من مزيج من التراب والشيد وفي وسطها منقلة ( موقدة ) لتحضير الشاي والقهوة واشعال النار للتدفئة في فصل الشتاء البارد، ومفروشة بحصر ( جمع حصيرة ) مفارش للأرض مصنوعة من القش، ولها سرداب للتهوية، ونوافذ واسعة جميلة.

كمقهى، كانت مضافة القرية هي المكان الوحيد الذي يلتقي فيه أبناء الحامولة والقرية متى يشاؤون للتسلية، وتبادل الأحاديث عن شؤون حياتهم اليوميّة ومشاكلهم، ومناقشة آخر ما سمعوه عن  السياسة، والحديث في الدين والحلال والحرام، وتبادل آخر أخبار الناس في القرية، ونشر الاشاعات وممارسة الاستغابة، وشرب الشاي والقهوة، وتضييع الوقت في لعب الورق لأنهم كانوا يعملون في الزراعة أشهرا محدودة من السنة ويمضون ما تبقى من شهورها بلا عمل .

وكانت صالة أفراح الحامولة والقرية المجانيّة التي تتمّ فيها حفلات الخطوبة، وإجراءات عقود القران، والأعراس التي يحتفل بمعظمها في فصل الصيف وتعتبر من أهم المناسبات التي يفرح بها ويشارك فيها رجال ونساء وأطفال الحامولة وحمائل أخرى، أو أهل القرية جميعا إذا كانت القرية صغيرة ومكوّنة من حامولة واحدة أو اثنتين؛ كان الجميع يتوقون إلى احتفالات الأعراس لأنّها تخلق اجواء من الغناء والطرب والفرح والسهرات الجماعية، وتعزّز أواصر التعاون والمشاركة ومشاعر الحب والوفاء بين القرويين؛ أي انها كانت المكان الذي يجتمع فيه المحتفلون بالعرس ويغنون ويرقصون في ساحتها، ويتناولون طعام العرس التقليدي فيها، وينقّطون العريس فيها، ويزفّونه إلى بيته منها.

 كان أقارب من ينتقل إلى رحمة الله  يتقبلون العزاء في فقيدهم لمدة ثلاثة أيام في المضافة، حيث يأتي المعزون من الحامولة والحمائل الأخرى والقرى إلى المضافة لتقديم واجب العزاء في الفقيد؛ أما النساء فكنّ يتقبّلن العزاء لمدة أسبوع في بيت أهل الشخص الذي ينتقل إلى رحمة الله في فصل الشتاء، وفي الفصول الأخرى الدافئة يلتقين خارج البيت تحت زيتونة، أو على بيدر من بيادر القرية  ليتقبّلن العزاء ويبكين ( ينوّحن) ويظهرن حزنهن بطرق غير مألوفة الآن؛ فمنهن، وخاصة قريبات المتوفي،  من كنّ يحاولن تمزيق أو حتى  يمزقن بعض أطراف ملابسهنّ، ويلطمن على رؤوسهن ووجوههن ّ وصدورهنّ كتعبير عن حزنهنّ الشديد. وكان أهل الحامولة يحضّرون الطعام لأسرة المتوفي لمدة ثلاثة أيام وينقلونه إلى المضافة لإطعامهم، ويرسلون طعاما للنساء في بيت الفقيد.

 لم تكن هناك محاكم في القرى الفلسطينية، ولهذا كانت المضافة هي المكان الذي تحلّ فيه النزاعات  بين الأفراد والحمائل. فعندما كانت تحدث طوشة ( شجار ) كبير بين حامولتين أو عائلتين يتدخل وجهاء الحامولة أو القرية، وتلتقي الأطراف المتنازعة في المضافة ويصدر الوجهاء حكمهم الذي تقبله الأطراف المعنية وتحل المشكلة، وكان وجهاء الحامولة يستخدمون المضافة أيضا كمكان يتوسّطون فيه لحل الخلافات العائليّة بين الأقارب، والمشاكل الزوجية كانفصال الزوجين والطلاق، والخلافات بين الأفراد على الأرض والمزروعات والماشية.

ولأن الريف الفلسطيني كان معزولا وتنقصه وسائل المواصلات المنتظمة مع المدن في ذلك الوقت، ومعظم بيوت القرويين كانت تتكوّن من حجرة واحدة تستخدم للنوم والمعيشة، فان الزائر لأحد أفراد القرية، أو القادم اليها والمار بها من قرية أو مدينة أخرى كان لا يجد مطعما يأكل فيه، أو مكانا يقضي فيه ليلته، فقد كانت المضافة تستخدم كبيت للضيافة حيث يستقبل ويمكث ويأكل وينام فيها الضيوف والمسافرون، ولهذا كان أهل الحامولة التي ينزل الضيف أو الغريب في المضافة الخاصة بها يعتبرونه ضيفا عليهم ويخرجون الطعام، أي يشارك بعضهم في إعداد وجبات الافطار والغداء والعشاء في بيوتهم ويحضرونها إلى المضافة، ويتناولونها هم والضيوف معا كدليل على الكرم والتعاون والتعاضد والاحترام المتبادل .

كان لمضافة  القرية أو الحامولة دورا ثقافيا مميزا مرتبطا بعاداتها وتقاليدها وقيمها المتوارثة، ولكبار السن ووجهاء القرية احترامهم ومكانتهم المميّزة في المضافة فيجلسون في الصدارة ،وتقدّم لهم القهوة والشاي أولا، ويستمع الحضور لقصصهم وآرائهم المتعلّقة بالأحداث وحياة الناس اليومية، ويستشارون في الشؤون المتعلّقة بأهل الحامولة والقرية ، ويمثّلونهم في حل مشاكلهم مع الآخرين؛ كانت هذه القيم المشتركة والتجانس العقلي والثقافي والأخلاقي بين النخبة وباقي الفلاحين من الأسس الهامة التي تعزّز صلاة الرحم والصداقة والجيرة، وتخلق جوا من الثقة والرضا والاحترام المتبادل يريح الجميع، ويحفظ كرامتهم ومكانتهم الاجتماعية، ويخدم أهل القرية جميعا.

وكان لكل فصل من فصول السنة الأربعة مميّزات خاصة واحداث تناقش في المضافات؛ في بداية فصل الخريف كان الفلاحون  يبدؤون بتحضير أدوات الحراثة والحبوب التي يحتاجونها كبذور، ولأن المطر مهم جدا لهم، فقد كانوا ينتظرون سقوط ما يكفي منه، ويتسامرون ويتحدّثون كثيرا عنه، ويدعون الله سبحانه وتعالى أن يرحمهم برحمته وينزل كمات كافية منه لريّ الأرض، وملئ الآبار التي كانوا يشربون هم ومواشيهم منها؛ ومن الأشياء الدالة على بساطة الناس في حامولتي وقريتي في ذلك الوقت أنهم كانوا يحضّرون كميّة من ملح الطعام، ثم يطلبون من رجل أو طفل يحمل اسما لا شبيه له في القرية  مثل ( صايل، أو متعب إلخ) ويطلبون منه قبل أن يغادروا المضافة بعد صلاة العشاء أن يعمل من كميّة الملح ثلاثة أكوام هرميّة صغيرة على صخرة محاذية لها، أو في زاوية من زوايا ساحتها ويتركونها حتى صباح اليوم التالي، فإذا ذاب الملح فهذا يعني أن المحاصيل الزراعية ستكون ممتازة والسنة " سنة غلال وخير" ، وإذا لم يذب الملح فستكون السنة سيّئة " سنة قحط  وجفاف "؛ تفكير بسيط سطحي لا علاقة له بالعلم وتقلبات الطقس وتكوين المطر ونزوله !

وفي نهاية الشهر العاشر يبدا المطر بالسقوط  ويدور الحديث بينهم  في المضافات ومحلات البقالة عن ما إذا كانت الأرض قد إروت ( ارتوت بماء المطر ) وأصبحت بذلك جاهزة للحرث وزراعة الحبوب خاصة القمح والشعير أم لا . كنا نحن الأطفال نسمعهم يناقشون هذا الموضوع بعد سقوط الأمطار؛ فيقول أحدهم " يا زلام أنا قست الأرظ .. الميه واصله شبر فيها.. الأرظ إروت .. أنا بقول نتوكل على الله ونحرث ." فيرد عليه آخر " يا زلمه أنا قستها .. الارظ مبلوله ست قراريط .. يعني مش مرويه.. كيف بدنا نحرث ؟ " يستمر الحديث أياما كذلك، وينتهي عندما  تسقط كمية كافية  من الأمطار حيث  يبدأ بعدها الجميع في حرث الأرض.

وفي فصل الشتاء كانوا يتجمّعون في المضافة خلال النهار وفي المساء، ويشعلون النار في الموقدة التي تتوسط مصطبتها ويتحلقون حولها للتدفئة، ويحضرون الشاي والقهوة، ويلعبون الباصرة والهاند وطاولة الزهر، ويكررون قصصهم القديمة، ويتحدثون عن حالة الطقس وتأثيرها على ما زرعوه من قمح وشعير؛ ولأنهم كانوا يذهبون الى حقولهم لتفقّدها ويشاهدون حقول الآخرين فكانوا يخبرون بعضهم عن رأيهم بما شاهدوه، وعن المحاصيل التي زرعوها، والأشجار وخاصة اشجار الزيتون واللوز والتين.

وفي الربيع يتحدّثون على المراعي الخضراء، وعن كميات العشب المتوفرة لماشيتهم والأماكن التي ترعى فيها، وتعشيب الأرض، والاماكن الأفضل للرعي . وعن الخيرات الربانية التي تنموا في أغوار قريتنا مثل الخبّيزة، والبيسوم، والدريهمة، والمرّار، والقرّيص، والخردل، وعن ما زرعه بعضهم من خضار في الجنائن ( الحواكير) الملحقة ببيوتهم  أو أراضيهم. كانوا فعلا يستمتعون بفصل الربيع فيجلسون في ساحة المضافة يتشمسون في جو فلسطيني جميل دافئ، حيث الخضار يغطي كل ما حولهم من جنان وحدائق وجبال، ويعطي  جمال فلسطين رونقا لا تمل العين من النظر اليه .

 وفي الصيف ينشغل أهل القرية في الحصاد ونقل نبات القمح والشعير إلى البيادر على ظهور دوابهم ثم يستخدمونها في درس القش واستخراج الحبوب منه. كانت البيادر تعج بالحياة، وينام معظم اصحابها عليها، ويتسامرون ليلا في أجواء صيفية لطيفة. خلال فترة الحصاد كانت تخف اللقاءات في المضافة، ولكنها تستعيد نشاطاتها بعد ان ينتهي المزارعون من موسم الحصاد، فيجلسون جماعات في ساحة المضافة والبقالات ، ويتحدّثون عن إنتاجهم من المحاصيل الزراعية، ومنهم من يلجؤون إلى المضافة خلال فترة بعد الظهر لكي ينعموا بغفوة هادئة بعيدا عن ضوضاء بيوتهم المكتظة بالأطفال الصغار.

 كانت المضافة الفلسطينية المكان الذي يجتمع فيه اهل الحمائل والقرى في السراء والضراء ليمارسوا عاداتهم وتقاليدهم وقيمهم الموروثة " أبا عن جد " كما كانوا يقولون، وليظهروا  تعاونهم وتعاطفهم واهتمامهم ببعضهم ومشاركتهم لأفراحهم واتراحهم والاستمتاع بحياتهم البسيطة المراعية لظروف وامكانيات الجميع؛ في تلك المجتمعات كان الناس بسطاء وطلاب المشيخة بينهم قلة، وكان من السهل إرضاء الأغلبيّة، لكن الظروف والنفوس والثقافة تغيّرت وافرزت ما يكفي من السلبيات والايجابيات؛ أذكر أنني كنت في زيارة للقرية في أوائل الثمانينيّات من القرن الماضي والتقيت بأحد أصحاب محلات الجزارة في القرية؛ وعندما سألته عن أحواله وعن ملحمته قال لي " زمان كان في كل حاموله ثلاثة أو أربعة عاملين حالهم شيوخ وكنت أرظيهم وبقى الوظع مليح، الله وكيلك اليوم كل واحد من أهل البلد عامل حاله شيخ وأنا مش عارف مين الي أرظيه  ومين الي أزعله، قول الله يكون بالعون."

ذهبت المضافات وذهب اصحابها معها وبقيت عجلة الحياة تدور، واضحت هي وأناسها ومعظم القيم والعادات والتقاليد التي مورست فيها جزأ من ماضينا ! لكن تلك الذكريات الجميلة بناسها الطيبين البسطاء  ستستمر كجزء لا يتجزأ من تاريخنا الذي نجلّه، ونحنّ اليه، ونعتز به لأنه تاريخ آبائنا واجدادنا، ومنه نتعلم الكثير الذي قد تكون فيه فائدة لنا ولأجيالنا القادمة !   



max   you are the only one...   February 10, 2018 7:03 AM
you are the only one who can and will restore Palestinian folklore
please keep writing about us
i am proud of our folklore
as i am proud to be a Palestinian







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز