أسامة عبيد فضل
ibaidfadl@yahoo.ca
Blog Contributor since:
29 June 2010



Arab Times Blogs
من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه

(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا). صدق الله العظيم                                                                      

كم سحرتني مدينتي في عهد الطفولة والصبا وهي تلك المدينة المترامية الأطراف الحالمة على ضفة النيل الأزرق في انحنائته , يضمها بحنية ومياهه تنساب في هدوء وعلى ضفته الأخرى تتراءى لك حنتوب الجميلة تغطي مباني مدرستها العتيقة الأشجار الظليلة وعلى الشاطئ الرمال البيضاء الصافية صفاء قلوب أهل مدينتي في تلك الأيام الخوالي. كنا نأتيها من بركات رئاسة مشروع الجزيرة في أيام الجمعة والأعياد ونقيم عند جدتي في أقدم أحيائها "أم سويقو". كم كان يحلو لنا اللعب في الساحات الرملية في ذاك الحي الصغير وأمام محلات الحلاقين والمكوجية وبائعي الفحم والحطب. نستأجر العجلات القديمة من محل العم يوسف مختار ونصعد أعلى ساحة "سعدابي" ثم ننطلق مع انحدار الساحة حتى إذا وصلنا لقاع السوق اكتشفنا أن ليس  للعجلات مكابح فنستعمل كل ما أوتينا من مهارات وحيل لإيقاف تلك "العاديات" حتى لا نصتطدم بجدار أو نحطم طبلية أحد البائعين. ساعة ندخل حذاء الرجل اليمنى بين الرفرف والعجل وساعة نميل على جنب حتى نقلل من سرعة الإندفاع .والطويل منا كان يرمي برجليه على التراب ,ضاغطا بكل قوته حتى نتوقف. ثم نعود لإرجاع العجلة للعجلاتي ونطالبه بإعطائنا فرصة أخرى لمدة عشرة دقائق تعويضاً على خراب دراجاته البالية. وبعد أخذ وعطاء يكون لنا ما أردنا والعجلاتي يتغامز من وراءنا مع جاره , علامة الإعجاب بنا لمطالبتنا بحقوقنا.                                                                                    

في بداية الثمانينات انتقلنا للعيش في المدينة بشكل دائم فبدأت أتعرف عليها أكثر فأكثر. خبرت أزقتها وحواريها وساكني تلك الأحياء الكبيرة والصغيرة. ومع اندفاع الشباب ولجت كل ما كان فيه منفساً لنا. لعبنا الكرة الطائرة في نادي الإصلاح وارتدنا المركز البيرطاني لحضور الندوات الثقافية التي كانت تنظمها رابطة الجزيرة للآداب والفنون. أما أحلى الأمسيات فكانت مسابقات  الدورة المدرسية في مسرح الجزيرة. غناء وتمثيل وألقاء شعري. كان هناك كل ما يشبع الروح. كانت ساحات المدينة لا تخلو في ليالي الجمعات من حلقات الذكر. كانت المدينة تلبي كل طلبات ساكنيها والوافدين إليها من الأقاليم بكل مذاهبهم ومشاربهم.                                                  

      نهار يوم صيفي حار وانا اتجول بين الشوارع والأسواق قادتني أرجلي لشارع الدكاترة وهو مركز المدينة إن شئت تسميته كذلك. يأوي إليه من أراد الطبابة أو التبضع بالعطور والكريمات أو من قصد محلات النظارات الطبية. لمحت صديقي من خلف زجاج الصيدلية التي كان يعمل فيها. باغتني بابتسامته المعهودة ومشاوراً لي بيديه كي أدخل. كانت الصيدلية خالية من طالبي الدواء فدخلت وبادلته السلام. لم أكمل سؤالي عن الأهل والأخوان حتى دخل رجل طاعن في السن يمشي بهدوء فسلم بصوت منخفض وناول صديقي وصفة الدواء. دار صديقي للخلف وتناول علبة الدواء ووضعها في كيس ورقي وناولها للرجل. أخرج الرجل بضعة جنيهات وبدأ يحسب ثم تذكر أن يسأل عن سعر العلبة.                                 

- تلاتة وعشرين جنيه يا حاج.  

     أرجع الرجل الجنيهات إلى جيبه ووضع كيس الدواء على الطاولة وهم بالخروج. ثم استطرد قائلاً: " شكراً يا ولدي. برجع بعدين" أدرك صديقي حالة الرجل فناوله الدواء مرة أخرى. "مافي مشكلة يا ابوي. الحساب واصل"                                                  

أخذ الرجل الدواء بعد تردد ثم وضعه في جيب الجلابية ,مردداً عبارات الشكر والدعاء  لصاحبي بالرزق والذرية الصالحة. ثم خرج وهو يهمهم بينه وبين نفسه ويشاوربأصابع كلتا يديه. ربما كان يجري عملية حسابية. بعد توفير الدواء كيف سيوفر الغذاء والفواكه اللازمة لمريضه كي يشفى ثم كيف سيدبر مصاريف باقي المستلزمات الطبية.                                    

ما ان خرج الرجل حتى أخرج صديقي من جارور خلف طاولة البيع دفتراً وفتح صفحة كتب أعلاها بخط عريض  (طارق .......) ثم في آخر لائحة طويلة سجل صديقي (23 جنيه + 20 قرش ثمن كبايتين شاي) ثم التفت  إلي مبتسماً : كباية شاي ما بطالة. خرج لثواني ثم عاد يحمل كوبين شاي أحمر. لم أستطع ان أبدأ في شرب الشاي قبل أن أسأله عما حدث. فقد قتلني الفضول. أجابني وهو يرتشف الشاي بابتسامة وراحة ضمير واضحة.                          

. " أبداً... اعتدنا ان يأتي لنا في الصيديلية كتير من الغلابة الذين لا يملكون ثمن الدواء" . ذلك الجواب زاد من فضولي فرميته بالسؤال:

 ماذا يفعلون لو لم يتمكنوا من شراء الدواء."...

" البعض يسأل عن البديل الأرخص.. والبعض يعود للمستشفي... وربما يخبر مريضه بأن الدواء غير متوفر وينتظرون الفرج"

ما أكملت كباية الشاي حتى دخل رجل تبدو على وجه الوجاهة وراحة البال والوقار.عرفني صديقي عليه " دكتور كمال, صديق قديم وهو صاحب الصيدلية . ألقى علينا السلام ودلف إلي غرفة في آخر الصيدلية لثوان ثم عاد يحمل دفتراً.  " ها يا دكتور. الليلة آخر الشهر. عملت لي الحسابات؟ الوضع كيف؟  أخرج صاحبي نفس الدفتر الذي أعاده للجارور قبل ربع ساعة. فتح الصفحة الأولى وبدأ في سرد بعض الأرقام......                                             

-الصافي يا باشا يساوي اربعة آلاف و تلتمية وسبعة وخمسين. دفعنا تمن الحقن لناس عبدالمنعم ودفعنا عربون للطلبية الجاية"

-تمام. شوف لي حسابات الشباب. عشان أديك قروشهم لأني مسافر الخرطوم. حاسبهم ولمن أرجع بديهم الحوافز...

-عبدالرحمن باقي ليهو تلتماية وعشرين.عثمان باقي ليهو متين وسبعين...

-وانت يا دكتور. باقي ليك ولا باقي لينا عندك كالعادة؟...ها ها ها

" انا اربعمية ناقص تمانين... ناقص مية واربعين... ناقص فطور ناس ياسر... ناقص.... يكون الحساب يا سيدي تمنين جنيه. المرة دي انا عاوز منك.

-طيب شيل مية من الدرج... نسيت أديك المرة الفاتت حساب كراتين الملاريكس" وعليك الله يا طارق خفف شوية. انت ما حتعالج البلد دي كلها. وكمان ياخ الحاجة دي راجية انك تساعدها شوية. الحمل كتير عليها. دقائق ثم خرج الرجل مستأذناً.                               

أكثر من ربع قرن من السنوات مرت على رحيلك يا أيها الرجل النبيل. عرفتك لشهور قليلة رأيت فيها نبلك وأخلاقك الطيبة وطهر قلبك. أما من عاشرك لسنوات فيروي عنك سيرة الصالحين لما شاهده منك من عظيم خصال.                                                       

رحل صديقنا عن الدنيا ورحل كثر من أمثاله وآخرون لم يقوو على تحمل ما كانت تسير إليه البلاد فآثروا الغربة والإرتحال. كنت ممن حظاه الله بمنحة دراسية في الخارج. ثم لحقت بالآخرين الذين غابوا قسراً. هاجرت لأميركا ثم كندا وبين كندا وأميركا سوريا وبلاد أخرى لم أطقها ولم تطقني.                                                                                          

   أكثر من عقدين ثم عدت إلى تلك المدينة التي تركتها تنام على أحضان النيل فاذا هي كالمزعور الذي استيقظ من كابوس. لم أعرفها ولم تعرفني. حاولت جاهدأ انا أتقبلها لما لها عندي من ذكريات وجميل وانا لا أنكر الجميل لكنها أبت إلا العداء وأنكرتني هي. عدت إلى غربتي أجرجر زيول الهزيمة بعد أن بدوت  في نظر زوجتي وأولادي كالكذاب. لم يروا ما كنت أحكيه  لهم عن بلدي ومرتع طفولتي بركات. لم تعد هناك بركات ولم يعد هناك مشروع جزيرة ولا يحزنزن. ما رأته زوجتي  وأولادي هو حطام وأرض هامدة تنتظر أن ينزل عليها الماء فتهتز وتربى لكن هيهات.                                                     

عاودت الكرة وعدت لمدينتي مرة أخرى بعد ست سنوات فصلة الرحم وصحة والدتي وشوقي لأخواتي كان الهاجس في غربتي منذ أن غادرت البلاد أول مرة في منتصف الثمانينات.             

      زاد من تعكير إقامتني هذه المرة ضرس أبى إلا ان يوخزني عله هو أيضا يتململ من ضنك العيش وبؤس ساكني المدينة ونكرانها لي. أصرت أختي ان نذهب لطبيب الأسنان حاولت جاهداً الصبر عل ضرسي يتحمل ما أتحمله لكن لم أستطع فاتطررت للذهاب  للطبيب. كانت أختي قد أخذت موعداً. ولإحترامي للمواعيد في بلد لا يحترم أحدأ موعده ولا كلمته كنا أمام العيادة قبل عشرة دقائق من الموعد. صف طويل من النساء يجلسن في الطابق الأول. واللافتة على باب العيادة تشير إلى أنه طبيب نساء وتوليد.  اندهشت واندهشت أختي ولكن بعد الإستفسار عرفنا أن عيادة الأسنان انتقلت للطابق العلوي فصعدنا. الباب مفتوح وصالة الإستقبال خالية ممن يستقبل أو يرحب بمريض- عكس ما تعودت عليه في غربتي حيث يستقبلك طاقم من الممرضات ويجرون كل الفحوصات اللازمة والأشعة ثم يأتي طبيب الأسنان في الفترة الأخيرة من المقابلة ليقوم بعمله كأخصائي- دخلنا والريبة تختلج عقولنا. " السلام عليكم... يا أهل الدار... مافي زول هنا ولا شنو" ... دقائق ثم تأتي شابة مقطبة الجبين وبصوت فيه لؤم تنذرنا:                                                            

 " الدكتور مشى. تعالوا المسا"

كيف مشى وموعدنا الساعة واحدة ونص وحسة الساعة واحدة ونص وخمسة؟

آآي... اتأخرتوا وشاف مريض مريضين ومشى.

كيف يعني يمشي وباقي الناس العندهم مواعيد؟ لم تكمل أختي الكلام حتى فتحت الباب أمرأة وتبعنها أخريات.

الدكتور مشى يا جماعة.

كيف يعني نحنا عندنا مواعيد.؟

والله مشى يرتاح لأنو كان مداوم في الجامعة. إمكن يرجع المسا.

جرجت أرجلي وأصابتني خيبة لا في الطبيب نفسه ولكن في البلد الذي يحكمه نظام أوصل الطبيب لهذا التسيب وعدم إحترام مرضاه. ولأن كل من قابلته لقضاء معاملة من موظف دولة أو عامل بناء أو سائق ركشة يتعامل بنفس عدم الإحترام مع عملاءه. لا إحترام للإنسان في بلدي لمجرد أنه إنسان ما لم يأتي عن طريق واسطة أو بتوصية من أحد أو أن يكون من لجأ إليه لقضاء معاملته له منفعة في خدمته أو تربطه به علاقة نسب.                                          

     عدت للبيت وأقسمت ألا أعود إلى طبيب الأسنان مرة أخرى. أشتريت من الصيدلية -بدون وصفة - قطرة مهدأة لآلام الضرس. مر يومان ثم تحول الألم إلى الحنجرة والأذنين. وأصرت أختي للذهاب هذه المرة لطبيب أنف وأذن وحنجرة. وبعد أن أثنت أختي على سمعة الطبيب وأنها تعالجت عنده أكثر من مرة اقتنعت وأخذنا موعد.  العيادة في عمارة على طريق رئيسي. صالة الإستقبال واسعة وبها كراسي مريحة,مما يطمئن المرضى أنهم سينالون العناية اللازمة. جلسنا في مقابل موظف الإستقبال. الرجل كالح الوجه ويتعامل مع المرضى تعاملاً فظاً. كأنه يقول " انا لي فضل عليكم لأني سأدخلكم إلي النبي الذي يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى". حاولت جاهدأ ان أتجاهله ولكن تصرفاته كانت تفرض عليّ متابعة ما يحدث.         

-فلان الفلاني... دورك الجاي....200 جنيه. يقبضها ويعدها ويرمي بها في جارور أسفل الطاولة ثم يناول المريض بطاقة يكون قد كتب عليها اسم المريض وتاريخ الميلاد مسبقاً.  يدخل المريض لدقائق معدودة ويخرج ويسأل عن المعمل الذي هو يسار رجل الإستقبال فيشير إليه بطرف عينه غير مكلفاً نفسه بنطق كلمة... تكرر المشهد نفسه أربعة مرات في خلال أقل من نصف ساعة. سألت أختي بصوت خافت." الكشف بيأخد أقل من عشرة دقائق. الظاهر معاهو معاونين وممرضات. موش كداً؟  ضحكت أختي قائلة. لا العيادة كلها غرفة صغيرة فيها بس تربيزة وكرسيين. لم أعرف وقتها أضحك أم أبكي. تمالكت أعصابي وحاولت أن أشغل نفسي بديكورات المبنى حتى وقعت عيناي وانا أتامل بطاقة الدخول إلى الجنة عبارة" وإذا مرضت فهو يشفين". باقي البطاقة كان يزينه اسم الطبيب بخط عريض " ع.م. المصطفى ويتبع الاسم معلقة من التخصصات والزمالة من لندن وادنبره وجامعة الجزيرة وشهادات تقديرية من المجلس العربي للتخصصات الطبية من دمشق وزمالة فخرية من المجلس القومي للتخصصات الطبية. قطع علي تفكيري وانا أقرأ هذه الرواية صوت الرجل الفظ حين نده اسمي وأمرني بالدخول إلى الغرفة. نهضت وأختي وعندما فتحت الباب كاد ان يغمى علي. الطبيب جالس يطالع أوراقاً على مكتبه. يرفع عينيه من تحت النظارة ودون ابتسامة.                                                                                             

"أقعدوا".  يمد يده لأناوله البطاقة.

-مالك؟ عندك شنو.؟

-إلتهاب حاد في الحنجرة  والأذنين وألم في اللثة. قطرت زيت زيتون في أذني لتخفيف الجفاف.

القال ليك تستعمل زيت زيتون منو.؟ وانت بتعرف كيف بستعملوهو ومتين؟... لف يمين.

يعتدل في جلسته ويضئ الكشاف المعلق على جبينه وينظر في أذني اليمنى ثم اليسري. ويعود بنظاراته الطبية ألى دفتر صغير مجهز أمامه كتب عليه باللغة الإنجيلزية: حرف الهاء والواو اشارة للهيموغلوبين.والحروف الأولى للكلمة الطبية للبول وكلمة أخرى لم أتمكن من قراءتها (كتابة دكاترة).                                                                                       

-خد جيب لي الفحوصات دي. المعمل يسار العيادة.

-طيب يا دكتور فحص الهيموغلوبين والبول لشنو؟

لم أكمل الجملة حتى اشتط غضباً.

-ياخي انت العرفك شنو؟ الإلتهابات دي عندها أسباب عديدة ممكن تكون من البطن وممكن تكون من البول وممكن.......

شكرته في هدوء وخرجت. خرجت أختي لاحقة بي. رميت البطاقة وورقة الفحص في برميل القمامة أمام باب العيادة مسرعاً للخروج من مبنى العصابة. طبيب يتاجر بالدين وباع شرف المهنة. يستهل بطاقة الزيارة بآية قرآنية. عند المقابلة لا يستقبل مرضاه بابتسامة بل بتكشيرة (تبسمك في وجه أخيك صدقة) ولكي تكتمل عملية النصب يطلب من المريض إجراء فحوصات لا حاجة لها والربح طبعا بينه وبين المعمل مناصفة أو ربما كان المعمل ملكه. وفوق هذا وذاك يعمل كدولاب مرحاة دون إضاعة دقيقة واحدة. كنت المريض رقم أربعة وبعدي ينتظر أكثر من عشرة مرضى وكان اليوم ما زال في أول الصباح. تناولت أختي الأوراق من القمامة مترجية إياي الصبر. أمسكت بيد أختي الحنونة. وخرجنا مباشرة لصيدلية في الجهة المقابلة من الشارع. اشتريت مضاداً حيوياً – وبدون وصفة طبية أيضاً هنا يمكنك ان تشتري وتبيع ما يخطر على بالك دون رقيب إذا كنت تجيد الفهلوة- ثلاثة أيام وشفيت تماماً. صرت أتندر على ما جرى وأحكي لأختي وانا أسخر من غبائي ومضيعتي للمال والوقت حين قبلت بعملية النصب تلك فالجواب باين من العنوان. موظف الإستقبال كان وحده كافياً كي أعد إلى رشدي وأتراجع. لكن لكل جواد كبوة. حكيت لأختي كيف تسير الإمور عندنا في كندا عند الذهاب لأي عيادة. إذا ذهبت بدون موعد عليك تسجيل اسمك والإنتظار حتى يأتي الدور عليك. أما إذا أبرمت موعداً مسبقاً فعند الإستقبال وبعد تسجيل الإسم تقودك ممرضة لغرفة الفحص وتقوم بكل الفحوصات الأولية . قياس الحرارة والضغط والوزن والطول والإطلاع على السجل في جهاز الكمبويتر لمعرفة ما إذا كنت تعاني من أمراض مزمنة. تدون كل ذالك في الملف. يأتي الطبيب ليراجع ما كتبته المريضة ويبدأ بالفحص كمتخصص. كل ذلك يتم والكل يعاملك بلطف وابتسامة وتودد. لا أحد ينظر للونك أو دينك أو وضعك الإجتماعي. كل الخدمة مكفولة من وزارة الصحة. حتى الدواء الآن مغطى بالكامل لكل مواطن مقيم في المقاطعة التي أسكن فيها. في آخر الحكاية هزت أختي برأسها وهي تتضحك قائلة " عليك الله بطل حكايات ألف ليلة وليلة بتاعتك دي وأصحى معانا" هنا أم درمان... هنا مدني... هنا السودان... هنا كل شئ إلا إحترام الإنسان.                                                     

تذكرت صديقي الصيدلي طارق. وبكيت عليه بقلبي بحرقة. كان ما يتبقى له من راتبه كل شهر بضعة جنيهات من إجمالي أربعمائة جنيه كانت تعد دخلاً وافراً لشاب في مقتبل الحياة. كانت أحلامه رخاء وصفاء وسلام وناس بدون شكوى أو آلام, وحلم والدته وأخوته أن يروه في بيت الزوجية وان تكون ابتسامته لفرحته بمولود. رحل طارق مودعاً الأهل والأحبة بابتسامته الدائمة تاركاً وراءه الأم مكلومة وهي التي أفنت زهرة شبابها لتخرج حفنة من الشباب والشابات الناجحين الصالحين في بلد فاسد.                                                 

 

                 أسامة يوسف عبيد فضل                                                  

 

1     February 7, 2018 5:50 PM
والله يا زول انت أحسن ليك ترجع لبلاد المهجر مرة تانيه. بلادنا العربيه التعيسه لا أمل ولا رجاء في إصلاحها طول ما بيحكمها أسافلة الخلق وأقلهم ثقافه وتعليم. آلله غالب







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز