د. كاظم ناصر
kazem_naser@hotmail.com
Blog Contributor since:
14 June 2011

استاذ جامعي مقيم في كانساس

 More articles 


Arab Times Blogs
طابون أمي

                                                                                                                   

 

                                                                                                                   

كثيرا ما تعيدني الذاكرة إلى مشاهد جميلة بسيطة مؤثّرة غابت عن العين منذ زمن بعيد، لكنها مازالت جزءا من عقلي الباطن استعيدها واستمتع برؤية أمي عندما كانت تتربّع إلى جانب .. لكن العجين .. ( الصحن، أو اللجن، أو وعاء العجين ) مع الخيوط الأولى للشمس، وتبذل طاقتها في سبيل أن نحصل على أرغفة خبز قمح ساخنة خرجت لتوّها من الطابون.

في منتصف القرن الماضي لم يكن في قرى فلسطين مخابز تبيع المواطنين ما يحتاجون إليه من أرغفة الخبز الجاهزة كما هو الحال الآن، وكانت كل عائلة تعتمد على نفسها في تحضير حاجتها من الخبز في الطابون. كانوا يطلقون كلمة " طابون " على غرفة صغيرة مبنيّة من الحجر ومسقوفة بالخشب والطين، أو مخروطيّة الشكل مبنيّة بالكامل من الطين وجذوع الأشجار، سقفها منخفض ومدخلها صغير للمحافظة على الحرارة في الداخل، وكذلك كانت كلمة " طابون " تطلق على الموقد الذي يحضّر فيه الخبز نفسه.

كان طابون أمي مدفونا جزئيّا في الأرض، ومصنوعا من الحوّر ( الطين الأصفر ) المخلوط بالقش، دائري الشكل قطره من متر إلى متر ونصف، وعمقه ما بين 40 – 60 سنتي مترا، وله فتحة كبيرة في أعلاه لها غطاء حديدي دائري له ممسك طويل من الحديد لتتمكّن الخبّازة من استعماله في فتح الطابون وتغطيته، ولوضع العجين فيه وإخراج الخبز منه، وقاعه مغطى بالرظف (  الرضف )حجارة صغيرة سوداء مستديرة أو مستطيلة الهدف من وجودها في الطابون هو زيادة حرارته والمحافظة عليها لوقت أطول. أما .. ساس ..  الطابون وهو جداره الخارجي فيغطّى بالسكن ( الرماد أو التراب الذي تحوّل إلى رمادي ناعم بسبب التسخين المستمر. )

كان الطابون يزوّد يوميا بالزبل ( مادة الوقود ) التي تتكوّن من القصل ( بقايا نبات القمح المدروس الخشنة ) أو بعر الأغنام، أو الجفت ( بذور الزيتون وما يتبقى منه بعد عصره وإخراج الزيت منه )، وكان يتم تزويده  بالوقود مرّتين باليوم، في الصباح الباكر وفي المساء. كانت أمي تستخدم المقحار ( قطعة من الخشب ) طوله ما بين 20- 40 سنتي مترا في تزبيل، أو تزويد طابونها بالوقود، فتستخدم المقحار لإزاحة السكن عن أطرافه الدائرية، ثم تضع القصل ، أو البعر، أو الجفت حول جسمه الحلزوني بما في ذلك غطاءه، ثم تغطيه بالسكن الذي تتواجد فيه بقايا النار ليستمر الوقود في الاشتعال، ويبقيه صالحا للاستعمال على مدار الساعة.

لا شك أن أهل قريتي ورثوا طريقة عمل الطوابين واستخدامها عن أسلافهم، ولم يطوّروها وبقيت كما هي لمئات السنين، فكانت النساء في قريتنا يصنعن الأواني الفخارية بأنفسهن، فكنّ يجمعن الحوّر( التراب الأصفر ) ويعملن منه فخاريّات مختلفة منها.. الجرّة .. الكبيرة التي كانت جزءا من مكوّنات كل بيت ريفي فلسطيني وتستخدم في حفظ ماء الشرب وتبريده، والزير ( كان أصغر حجما من الجرّة ) ويستخدم لحفظ الماء أيضا، والقدر ( جمع قدرة ) التي تستعمل في الطبخ، وأباريق الفخار التي يوضع فيها الماء للتبريد صيفا، والصحون، والأقداح ( الصحون الكبيرة ) وتستخدم لوضع الطعام فيها وتناوله، والسفل ( يشبه شكله نصف جرّة ) أو نصفها الأسفل له اذنين على الأطراف لنقله وتحريكه ويستخدم في غسيل الملابس، والطوس ( وعاء على شكل النصف السفلي للإبريق له أذنين ( ممسكين ) على الأطراف ويستخدم لحفظ الزيت والسمنة والزبدة إلخ . كانت عملية انتاج هذه الأدوات تتكوّن من ثلاثة مراحل: الأولى جمع الحوّر (التراب الأصفر) وخلطه  بالماء، والثانية عمل الأشكال المطلوبة، والثالثة إشعال النار فيها وشيها لتصبح متماسكة وتعمّر لفترة طويلة.

كان الطابون يستعمل من الداخل للخبز، وأحيانا للطبخ والصواني أو لشواء ( اللحمة، والدجاج، والحمام، والكوسى، والباذنجان، والطماطم، والبطاطا )، ولطبخ الوجبات المتنوعة بالقدرة الفخارية الذي كانت جدتي تمارسه بكثرة فكانت تطبخ اللحمة مع الخضار، او الخضار مع الأرز، أو العدس الذي كان وجبة عشاء شائعة بسبب توفره وبسبب الفقر الذي كان يعاني منه القرويون، ولشواء البيض بدفنه في السكن الساخن المحيط بجسم الطابون، ولتحضير الجعبانيات ( أقراص مقرمشة ) تعمل من عجين خبز القمح المخلوط بالسمسم والزيت، أو تستعمله الزوجة لعمل قرصة ( كعكة مستديرة ) تخبزها وتقدمها ساخنة وطازجة لزوجها كدليل على اهتمامها به، أو ربّما حبّها ووفائها له.

 

كان خبز الطابون طبيعيّا صحيّا لذيذا ومصنوعا من القمح الذي ينتجه أهل القرية حيث ان أغلبيتهم الساحقة كانت تعتمد على خبز القمح، وقلّة فقيرة منهم ربما اعتمدت أحيانا قليلة على خبز الشعير، وأحيانا كانت بعض العائلات تستخدم الذرة البيضاء لتحضير الكراديش (  جمع كردوش يتكوّن من قطعة عجين ذرة بيضاء سميكة بحجم قبضة اليد ) تخبز في الطابون وتؤكل مع الزيت والزيتون وكانت أيضا صحية ولذيذة. أما الكعك ( الخبز العادي الذي يحضر بمخابز حديثة أو آلية في المدن ) فكان الفلاحون يأكلونه إما كسندويشات، أو مع الحمص والفول، أو ما كانوا يسمونه ( كعكه محشيه بكنافه )، أو في المطاعم مع المشويات والوجبات الأخرى عندما يذهبون إلى المدينة .

 

لطوابين أمي تاريخ. أذكر أنها كانت شريكة في طابونها الأول الذي أعرفه مع أم عبد الله العبد الرحيم، السيدة الطيبة الكبيرة في السن آنذاك والأرملة. أم عبدالله كانت المالكة للمبنى وكانت الشراكة تعني أن تتقاسم الشريكتين تزبيل الطابون كل من مخزونها من الوقود مقابل خبز عجينها اليومي؛ واحدة تزبّله في الصباح الباكر، والأخرى تزبّله مع غروب الشمس. كان طابون أم عبدالله  مبنيّا من الحجارة والطين، ومسقوفا بالخشب والطين، ومساحته حوالي أربعة أمتار مربعة.

كنت في السادسة أو السابعة من عمري  وكنت أذهب أحيانا مع أمي عندما تخبز في المساء لأنني كنت أطمح أن تشوي لي بيضة بلدية في ساس الطابون واستمتع بمذاقها اللذيذ، وأحيانا أنا وأبناء عمي كنا نذهب إلى بيت جدتنا الطيبة ونسطو على بيضات دجاجاتها، ويأخذ كل منا بيضة لتشويها له وكانت تبتسم ابتسامتها العفوية الطيبة وتفعل ذلك بحبّ وحنان، وعندما كان يكون عددنا كبيرا ونسطو على البيض المتوفر لها ولجدنا كانت تقول لنا " روحوا عند اماتكم يا ستي خليهن يشوينلكم بيظ  ما خليتولناش انا وسيدكم ولا بيظه .)

لكن في حوالي منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، اشتركت أمي مع زوجة عمي في طابون كان واقعا في مغارة لا تبعد أكثر من خمسين مترا عن بيتنا وبيت عمي اللذان كانا مكوّنان من حجرتين متلاصقتين يفصل بينهما سور من الحجارة ارتفاعه حوالي متر. كانت المغارة التي احتل الطابون زاوية صغيرة منها ضخمة وربّما كانت في يوم من الأيام مسكنا لعائلة كبيرة.

قريتنا موغلة في القدم وفيها من الآثار ما يثبت عمق تاريخها : كالبركة الرومانية، وقلعة الحصن، وخربة العرمة، وخربة أم الفول، والمعاصر الكنعانية، وخربة قرقفة، وخربة كفر عاطيه، وإنها كانت من ضمن قرى فلسطين المزدهرة عندما احتل الرومان القدس عام 63 قبل الميلاد، وعندما زارت كليوباترا حاكمة مصر المدينة المقدسة عام 34 قبل الميلاد، وعندما ولدت مريم العذراء عام 15 قبل الميلاد . ولهذا فإنه من الممكن القول أن هذه الكهوف المنتشرة في مناطق مختلفة من القرية سكنها أجدادنا الأوائل الذين عاشوا في القرية قيل التاريخ وقبل أن بنوا بيوتا، ثم استخدموها كزرائب لحيواناتهم لاحقا.

كان الطابون إلى جانب كونه مكانا لتحضير الخبز مركزا لتجمّع النساء والأطفال أحيانا حيث تحضر بعض نساء البيوت المجاورة ليجلسن مع الخبازات، ويتناولن أطراف الحديث عن أي شيء سمعنه أو اختبرنه. كانت القرية كما ذكرنا معزولة عن العالم والنساء بسيطات أميّات لا علاقة لهن بمجريات الأمور خارج قراهن، ولهذا فان معظم الحديث كان يجري عن أخبار الناس الآخرين الهامّة، ومناسبات الفرح والولادة والموت وكيفية تحضير الأطعمة والاستغابة إلخ. لكنهن كن عفيفات ولا يتجاوزن الخطوط الحمر بالحديث عن ما يسيء للآخرين لأن القرية كانت صغيرة، وأهلها يعرفون بعضهم بعضا وتنتشر الأخبار فيها بسرعة، ولأن الناس كانوا بسطاء ودائما مستعدين للمواجهة لأنهم لا يعرف فنون الكذب والكتمان والإساءة، وأساليب الخداع  والنفاق التي يمارسها العالم الحديث الأكثر تقدّما وذكاء.

طابون أمي والخبازات من نساء وبنات جيلها يذكّرني بعالم مضى وانقضى ببساطته وتخلّفه وسهولة العيش فيه. كان عالما من الفقراء المتحابين المتعاونين المتساوين في المعاناة، ومن البسطاء العفويين الذين عاشوا عصرهم بحسناته وسيّئاته وكانوا أكثر سعادة ونقاء منا !







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز